يعتبر الكثيرون في تايوان نبات البتل رمزا وطنيا وثمرة منعشة طبيعية وغير مؤذية, الا ان الجوزة, وهي بحجم حبة الزيتون, أصبحت هدفا لحملة جديدة تزعم أنها بدأت تقتل الشعب التايواني وتلحق الأذى بالبيئة. لكن الجهود المبذولة لمقاومة مضغ البتل، تلقى معارضة تقليدية في تايوان حيث تقول الحكومة ان هذه الثمرة تشكل المحصول الثاني في البلاد من حيث المداخيل, وان واحدا من كل تسعة أشخاص يستمتعون بمضغه. وعادة ترش جوزة البتل التي تسمى أيضا (اللبان التايواني) بالبهارات والمنكهات وتقدم مع قليل من الفلفل, وتباع ملفوفة بالورق على البسطات المنتشرة على جوانب الطرق في كافة أرجاء الجزيرة, اما طعمها فهو مزيج من طعم عرق السوس ومعجون الأسنان. ويمكن التعرف على مدمني مضع البتل من أسنانهم وشفاهم المطلخة بعصير البتل الاحمر الالون, والذي يبصقه البعض على الارض والارصفة ويسببون بقعا يصعب ازالتها. وخضع لوه توه لعملية جراحية بسبب هذه الجوزة فقد قطع الاطباء رقعة من جلد فخذه لاصلاح تلف يسببه سرطان بدأ ينخر خده. و(توه) , المهندس البالغ من العمر 49 سنة, يعرف ان سرطان الفم لم يختره عشوائيا, فهو , مثله مثل العديد من التايوانيين, جلبه لنفسه بمضغه جوزة البتل الخضراء الصغيرة هذه. ويقول توه وهو يهز رأسه ببطء: (ليتني لم أبدأ مضغ هذه الجوزة. انني نادم فعلا) . ويضيف توه انه عندما بدأ يمضع البتل قبل 20 عاما لم يكن يعرف انها قد تسبب السرطان, فالاعتقاد الشائع آنذاك كان فقط ان هذه الجوزة تقوي وتهيج اللثة. وعاهد الدكتور هان ليانج جوين, الجراح الذي يعالج توه, نفسه ان يقنع التايوانيين بالكف عن مضغ جوزة البتل. والجناح الذي يعمل فيه في احد مستشفيات تايوان مليء برجال تورمت افواههم نتيجة للعمليات الجراحية وهم يتلقون غذاءهم الآن بأنابيب ادخلت من انوفهم. وقد تجول هان في جميع انحاء تايوان حيث القى المحاضرات في البلديات والمستشفيات والمدارس وفي اي مكان كان يصغى فيه الناس اليه. ويقول هان: (أشبه تايوان بكائن حي وأشجار البتل كخلايا سرطان) . ومع ازدياد الاقبال على البتل خلال السنوات العشر الماضية ارتفع عدد الوفيات بسرطان الفم الى اكثر من الضعف. ففي العام 1991 حدثت 549 حالة وفاة. ولكن في العام 1997 ـ وهي اخر سنة تتوفر عنها احصاءات ـ بلغ عدد الوفيات بهذا المرض 1.163 وفاة, حسب احصاءات الحكومة. ويقول هان ان حوالي 90 في المئة من التايوانيين المصابين بسرطان الفم يمضغون جوزة البتل, وهم يدخنون السجائر ايضا مما يزيد احتمال اصابتهم بالمرض. ومع ان هذا النوع من السرطان يبدأ عادة في اللسان فان معظم المرضى التايوانيين لديهم نمو سرطان في الجانب الداخلي من خدودهم حيث يتم مضغ الثمرة. تحتوي جوزة البتل على مجموعة العصائر المسببة للسرطان وشعيرات تنتؤ من الثمرة في اثناء المضغ وتهيج اللثة وجدران الفم, في رأي الاطباء يسرع الاورام السرطانية التي تبدو اشبه بثآليل بيضاء تشبه القرنبيط. وتفكر الحكومة التايوانية في حظر مضغ البتل في الاماكن العامة. وما عدا ذلك ليس هناك أي قانون في البلد يتعلق بالجوزة. لكن بائع البتل هوانج كوان الذي يبتسم ابتسامة عريضة كاشفا عن اسنانه الحمراء يسخر من التحذيرات قائلا انها مضخمة, والجوزة غير مؤذية اذا تم تعاطيها باعتدال, وهو يملك 20 بسطة لبيع البتل في مختلف انحاء الجزيرة. ويتابع هوانج حديثه: (اننا نمضغ البتل لنفس سبب مضغ لاعبي الامريكيين التبغ واللبان. انك تبقى مستيقظا طالما ان فكك يتحرك. ان تحريم البتل سيؤدي الى حدوث فوضى اقتصادية. ويلقي بعشرات الالوف من الناس في احضان البطالة) . وتقول الحكومة ان مزارع البتل العادي يكسب اربعة اضعاف ما يكسبه مزارع الارز, وقد بلغ اجمالي قيمة المحصول في العام 1997 ما يوازي 13.27 مليون دولار امريكي. وفي مزرعة على سفح جبل يقع على مسافة ساعة بالسيارة من تابيه يقول المزارع سو هو جين انه لم يستطع مقاومة اغراء الربح المادي من جوزة البتل. وقبل عشر سنوات قطع غابته من اشجار الاكاسيا وغرس حوالي 40 دونما من اراضيه بأشجار البتل في صفوف انيقة. يقول سو ان الشيء العظيم هو ان اشجار البتل تحمل الثمار حوالي السنة السابعة من عمرها وتظل تعطي الثمار لأكثر من 50 سنة. ويضيف انه عندما انشأ مزرعته لم يكن يدري ان جوزة البتل تشكل خطرا على الصحة, ولو كان يعرف ربما كان امتنع عن غرس الاشجار. اما الآن فلا خيار له غير ان يستمر في جني المحصول.