الفنان العراقي محمد الكناني, احد الفنانين الشباب الذين برزوا وبشكل لافت للنظر على الساحة الفنية التشكيلية في مجالي الرسم والنقد, وهو يدرس (النقد) ويدرس لنيل شهادة الدكتوراه في فلسفة الفن, ولا ينقطع رغم كل هذا عن مواصلة الرسم بـ (الزيت) و (الكرافيك), الانفعالية تتجذر في عمق التاريخ والتراث الشعبي, بفيض من الرؤى المعاصرة.. انه الفنان محمد الكناني, ومعه الحوار التالي: * لمن يرسم الفنان محمد الكناني, لوحته؟ ـ تبدو عملية الرسم حاجة ضرورية للبقاء, لكون الفنان والفن هما رصيدا واحدا, لكليهما, فلا يمكن ان يخضع الفن او الفنان لتبعية نظام المتلقي البسيط, فالرسم: سطح الماء الذي ارى روحي فيه, فأنا ارسم لكي اكون انا, حتى اتحقق داخل حيز الوجود, ومن ثم يأتي مفهوم التلقي كنظام متأخر يخص اللوحة, فالتلقي مرتبط بالذائقية, والفنان يشتغل خارج حدود هذه الذائقية في لحظة التأسيس, وعليه فنحن نرسم للفن ذاته, وليس هناك (زمان) يحد ويحدد وجود اللوحة. * ما حدود تجربتك في فن الكرافيك؟ ـ الكرافيك هو اكثر الاتجاهات الفنية الادائية امتلاء بالتجريب, وذلك لتعددية الخامات والمواد الداخلة في تأسيس المطبوع, واضافة الى ذلك فإن تعددية النسخ عن النسخة الواحدة (الاصلية) يتيح للفنان الملاحظة والتصحيح والتجريب احيانا للوصول الى مدى اعلى واكبر للطاقة التعبيرية التي يمكن ان يبثها النص, فالكرافيك نظام من العلاقات التي يتحرر منها المشتغل عليه من كل تبعيات اللون والشكل والفضاء, وحتى التكنيك احيانا, كما ان طواعية الخامة التي يمارس عليها الفنان اداءاته الاسلوبية تتيح له فرصة اكبر لكي يكتشف عن قرب عناصره (المركبة لعمله الفني), وهي تتنامى بشكل سريع ومتحول, وهذا ما يؤدي الى ان يكون العمل الكرافيكي اكثر قدرة على التحول, واكثر قدرة على الاستحضار بالمديات التقنية والجمالية والتعبيرية في نظام اللوحة. قد تبدو تجربتي الشخصية بالكرافيك متواضعة بعض الشيء, ولكنها اغنت تجربتي الفنية كثيرا, وذلك لما يمكن ان يحققه الكرافيك الفني, وهذا يبدو واضحا اذا ما شاهد المتلقي الاعمال الكرافيكية التي نفذتها فهي تتراوح ما بين تقنية المونيتات والكلوكرافكي, وهما تقنيتان تجريبيتان تتيحان للمطبوع ان يحقق اعلى غاياته الجمالية والتعبيرية مع قدرة على الاختزال والتماهي والمناورة على الشكل, وبالتالي تحقيق الكيفية الاسلوبية التي يتوخاها الفنان من العمل والمطبوع الكرافيكي, وعليه فكل المعطيات التجريبية التي يمنحها الكرافيك للفنان بمثابة دليل اخر من ادلة التقنيات التي تفضي بالنص الى مساحات اوسع من الغايات التي يبتغيها الفنان للوصول الى آخر مراحل النقاء اي العودة الى الاثر الاول. * انت متهم بتعددية الالوان, لدرجة ان اللوحة لديك تزدحم بمزيج وخليط من الالوان, فما السر وراء ذلك, بالنسبة لعملك الفني خاصة وان الوانك تستفيد من الموروث الشعبي كثيرا؟ ـ كل ظاهرة مرتبطة بحجم الوقائع التي تحيط بها, وبما ان اللوحة هي واقعة وظاهرة في نفس الوقت, فلابد ان ترتبط بالبنى المجاورة التي تحركها, واقصد بالبنى المجاورة, متراكم المعتقدات التي اسست في داخلي نظام البث, فما يظهر على النص هو كل تجربتي الفكرية والسيكولوجية, وما يظهر من تعددية في الالوان, ما هو الا تعداد لظواهر تحيط بظاهرتي (اقصد اللوحة) فهي مفعمة بهذا الحس الميثولوجي الذي تمتد جذوره الى بيئتي ومظاهرها الاجتماعية التي تحيط بها من (العيد) الى (الفرجة) حتى السوق والطقوس الدينية, فالاعلام وملابس النساء المتشحة بالسواد في الزيارات, وما يعبق منها من رائحة المسك, شكلت في عملي مساحة لا يمكن التغاضي عنها وتجاوزها بصريا, اضافة الى ما يرتبط بطفولتنا من كثير من غير المتحققات, فلابد ان تظهر بالنتيجة كنظام لوني على سطح مساحتي التصويرية. اما الواني المتعددة فهي بالفعل فيها الكثير من الموروث الشعبي. * عرف عنك انك مارست النقد التشكيلي في بعض الصحف, بالاضافة الى انك تدرس مادة (النقد) في كلية الفنون الجميلة, ما رأيك بما يطرح الان من نقد على الساحة التشكيلية العربية؟ ـ في الحقيقة, توجد اشكالية امام شيء اسمه نقد, انا اولا لا اومن بكلمة (نقد) كاصطلاح, لأنه يرتبط لغويا بسك الدراهم وبيان جيدها من رديئها, وبما ان النص التشكيلي هو اكبر من ان يميز بين السيء والجيد, فإن من الافضل ان نتفق على اصطلاح (التحليل والكشف) بديلا, فالنص ظاهرة مركبة من العلاقات المتنوعة في مظاهرها واداءاتها, والنص الحديث يتحكم الى لغة علمية في داخليته وتشكله, فهو بناء من العلاقات التي لا تقبل اللبس او الخطأ, وبالتالي ان ما يظهر على مستوى السطح التصويري, ما هو الا اعلانات مسبوقة بتسلسل هارمونطيقي من العلاقات المتزنة التي تؤلف هذا النص, اما النقد العربي فما زالت ظاهرة التخبط بالمنهج الفلسفي كنظام في الخطاب التشكيلي المعاصر, هي التي تحدد قيمة النص النقدي وتظهره بمستوى وكأنه قراءات انطباعية, ليس لها علاقة بالعلم والمعرفة, وهذه مشكلة كبيرة تواجه النقد, اضافة الى ذلك ان القدرة على استيعاب او التواصل مع ما يطرح من تيارات فكرية معاصرة هو الاساس في الاشكالية الكبيرة التي تواجه النقد, فما يمكن ان يكون على النص, الشعري سيسقط بالضرورة النص الفني, ولمعرفتنا الدقيقة بالاختلاف والتباين الواسع ما بين النصين كبنى مؤسسة وفق مرجعيتها الخاصة, وهذا ما يودي الى ان تكون الخطابات النقدية عبارة عن قراءات ادبية وشعرية اكثر مما هي قراءات علمية, اضافة الى ذلك ان اغلب النقاد, هم من الوسط الادبي, وهذه مشكلة اخرى تؤثر على نقدنا العربي, فالاديب والصحفي لا يمكن وان طالت تجربته البصرية امام النص التشكيلي ان يحس او يشعر بالمتنامي الفعلي للنص من الداخل ومن الخارج, وهذا ما يجعل قراءته قاصرة ازاء النص الذي يبدو اكثر ثقافة من الناقد نفسه. * وهل تجد في كتابتك نقدا مغايرا تسعى الى ترسيخه؟ ـ ليس الان, ولكنني اتحدث عمن سبقونا في التجربة, وانني ارى ان النقد التشكيلي هو قراءة عمودية وافقية للوحة, والذي تبغيه فلسفة الفن, هو الدخول الى النص من الداخل بشكل دائري ثم التحول الى الخارج, وهكذا حتى يتحول النص الى رسالة مقروءة الشفرة تثري وعي المتلقي وتضيف الى تجربته البصرية لتجربة جمالية جديدة. بغداد ـ استناد حداد