على طريقة تدريس مادة الخبر في أقسام الصحافة وجدت نفسي أردد: أن تعاني من قلة المعلومات وأنت تكتب مقالاً تلك مشكلة, أما أن تكون معاناتك من كثرة هذه المعلومات إلى الدرجة التي تجعلك لا تعرف كيف تبدأ ولا من أين تبدأ فتلك هي المشكلة التي لا تخطر على البال! وهكذا أغلقت ملف (الرجل الذي عضّ كلبا) لأفتح بضغطة زر واحدة ملفات لها أول وليس لها آخر لتتدفق من خلالها معلومات ساهم هذا العبقري في برمجتها بجهد كبير ليغدو هو خلال فترة قصيرة ظاهرة من ظواهر العصر وتغدو قضية الشركة التي ارتبط اسمه بها وارتبط اسمها به حديثاً من أهم أحاديث الساعة فرض نفسه وسيفرضها لفترة لا أظنها قصيرة. ولأن للموضوع جوانب علمية واقتصادية لا أدّعي اختصاصاً بها ـ وإن كانت المعلومات حولها متاحة ـ فسأكتفي بتناول الجانب الانساني من القصة متوخياً منه أخذ العبر مع ملامسة الجوانب الأخرى بالحجم الذي تسمح به المساحة والقدر المتاح من الثقافة العلمية والاقتصادية لي ولامثالي من السواد الاعظم من البشر. (بيل جيتس) و(مايكروسوفت) .. أيهما البيضة وأيهما الدجاجة؟ سؤال يطرح نفسه, وتبدو إجابته ـ للوهلة الأولى ـ سهلة لولا أن التمعن والتروي يجعلاننا نعيد النظر ونراجع أوراق إجابتنا أكثر من مرة كما يفعل الطالب الحصيف عادة. فلنحاول ذلك بعد أن نقوم بجولة في أوراق لا أدّعي أنني قد بذلت جهداً كبيراً في جمعها وإن كنت قد بذلت ذلك الجهد في قراءتها قراءة صحيحة ـ قدر الامكان ـ اتسمت بالمتعة في الغالب, ولم يتسلل الملل إليها لأسباب يتطلب الافصاح عنها أن يتجرد المرء من طبائع بشرية تفرض نفسها على المتحدث أو الكاتب نطلق عليها مسميات من نوع الحسد والتشفي والشماتة بالآخرين لاسيما الناجحين منهم.. ولا أعتقد أننا سنجد نموذجاً للنجاح والصعود بسرعة الصاروخ أفضل من (بيل جيتس) مالىء الدنيا وشاغل الناس. (بيل جيتس) الذي عانق الثراء الفاحش وهو في الحادية والثلاثين من عمره اكتسب لقب (ملياردير البروليتاريا) لاحتفاظه بهيئة مميزة تختلف كثيراً عن زملائه في قائمة اغنى اغنياء العالم التي يتربع على قمة هرمها, وذلك بالابتعاد عن الاسراف في الأناقة, والظهور دائماً في ملابس (الكاجوال) وارتداء النظارة الطبية البسيطة التي أضفت عليه دائماً مظهر الفتى العشريني رغم بلوغه الرابعة والأربعين, والاصرار على ركوب سيارة صالون عادية بدلاً من سيارات الليموزين الفاخرة, في هذه السن استطاع (جيتس) أن يكون ثروة بلغت مائة مليار دولار بدأ جمعها وهو في السابعة عشرة من عمره عندما باع أول برنامج كمبيوتر من ابتكاره مقابل 4200 دولار لمدرسته الثانوية, وكان عبارة عن نظام لعمل الجداول في المدرسة, ليتحول خلال سنوات قليلة من خبير كمبيوتر حاصل على شهادة من مدرسة ثانوية ومبتكر لبرامج كمبيوتر بسيطة تعمل على أجهزة بدائية إلى رئيس أكبر شركة لانتاج برمجيات الكمبيوتر في العالم, وليشرف على امبراطورية جعلت منه أغنى رجل في العالم بعد أن أحدث النقلة الكبيرة لشركة مايكروسوفت عندما وقع هو وزملاؤه الشبان المهملون في مظهرهم اتفاقا لتزويد الكمبيوتر الشخصي الجديد لشركة (انترناشيونال ماشين كورب) ببرنامج التشغيل الذي صار معروفاً بعد ذلك باسم (ام. اس. دوس) . واشتهر (جيتس) خلال اشرافه على الشركة بأسلوبه المغامر في الادارة, وبما وصفه البعض بأنه تكتيكات تجارية لا تعرف الرحمة. يقول (جيتس) : (عندما يكون الشخص مشهوراً يقفز الناس الى تقديم شروحات مبسطة قدْ يرون أنها منطقية.. وتحاك بالتالي الاساطير, فالناس مولعون بهذه القصص الصغيرة. صحيح أنني شديد العاطفة ومفعم بالحيوية وأريد أن أفهم موقعنا بالنسبة إلى بقية السوق, لكن الامر يتحول بعد ذلك إلى المنافس الأشد, وهذا يقلل من قيمة الانسان نوعا ما. وقد قرأت مثل هذه الاشياء عني, وأنا أقول إنني لا أعرف شخصاً بهذه المواصفات). ورغم أن (جيتس) وزوجته (مليندا) يقيمان في قصر على ضفاف بحيرة واشنطن تكلف بناؤه خمسة وسبعين مليون دولار فقد كان لمليندا بعض الاعتراض عليه إذ تقول: (ربما يجب ألا نسكن فيه لأننا قد لا نشعر بالراحة, فمن عيوبه أن موقعه على ضفاف البحيرة يسمح لمراكب السياحة بالمرور من أمامه مما يرغم سكانه على البقاء في الداخل, بل يمكن للمرء من داخل البيت سماع صوت المرشد وهو يسرد بعض الحقائق والمعلومات عن المنزل وأصحابه) . ومع ذلك كله ـ وأرجو أن يعيرني الأثرياء انتباههم ـ فلم يغفل بيل جيتس عن الانشطة الخيرية إذ أنشأ مؤسستين خيريتين هما: مؤسسة جيتس التعليمية ومؤسسة وليام جي. جيتس التي تركز على القضايا الصحية. ثم قام بدمج المؤسستين مشكلا هيئة خيرية واحدة باسم (بيل ومليندا جيتس) بلغ رأسمالها سبعة عشر مليار دولار مدفوعة بالكامل, الأمر الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الخيرية دفعت (ستيس بالمر) محررة دورية (كرونيكل اوف فيلا نثروبي) إلى القول: (من المذهل حقاً أن نرى كمية من هذا النوع يتقدم بها متبرع لا يزال على قيد الحياة, خاصة من شاب في مقتبل العمر) . كل ذلك لم يشفع لجيتس أو لشركة مايكروسوفت عندما خالفت الشركة قوانين الاحتكار فأصدر القاضي الفيدرالي الأمريكي (توماس بنفليد جاكسون) في السابع من هذا الشهر حكماً بتقسيم الشركة إلى شركتين متنافستين إحداهما لبرامج التشغيل ويندوز, والأخرى لبرامج التطبيقات اوفيس واكسبلورار, وحظر اندماجهما لمدة عشر سنوات والحيلولة دون تملك كبار المسئولين والمساهمين بمايكروسوفت الحالية لحصص رئيسية في الشركتين معاً, وقصر إطلاق الاسم التجاري لمايكروسوفت على إحدى الشركتين فقط دون الأخرى. ومع أن القانون الأمريكي يمنح الشركة فرصة التقدم بتظلم إلى المحكمة العليا للنظر في حكم المحكمة الفيدرالية إلا أن فرص النجاح في إلغاء الحكم الحالي تبدو ضئيلة للغاية. ومهما كان الحكم النهائي فإن قضية مايكروسوفت سوف تدرّس في كليات الحقوق ليعرف الطلاب كيف أن شركة ناجحة ومشهورة وقوية مثل مايكروسوفت تعرضت للمهانة لأنها خالفت القوانين. علماً بأن الاتهام الموجه لمايكروسوفت ليس هو الأول من نوعه إذ سبقته ثلاث حالات مشابهة مع شركات ستاندارد اويل للبترول وايه. تي. اند تي للاتصالات وآي. بي. إم لأجهزة الكمبيوتر التي كانت الناجي الوحيد من اتهامات الاحتكار بينما تم تفتيت الشركتين الاخريين إلى شركات صغيرة, الأمر الذي وضع حداً لطموحاتهما, ولم تقم لهما قائمة منذ ذلك الحين. يقول الخبير الاقتصادي وأخصائي مكافحة الاحتكار في الحكومة الامريكية لوك فروب: (لقد سخر بيل جيتس من قرار الاتهام التحذيري, وجعل القضاء والعدالة يبدوان في صورة سيئة. وذلك ما دفع الحكومة إلى عدم التفاوض من أجل التوصل إلى حل ودي) . كثيرة هي الدروس التي نخرج بها من هذه القصة بأبطالها جميعاً الفرد (بيل جيتس) والمؤسسة التجارية (مايكروسوفت) والمؤسسة السياسية (وزارة العدل والمدعين العامين لـ 19 ولاية) , لكن أهمها ـ في رأيي ـ هو أنه حتى في أكبر الدول التي تمثل قمة النظام الرأسمالي الذي يتيح الفرص للجميع في إطار براجماتي فإن هناك حدوداً لاحتكار السوق والاضرار بالمنافسين. وعندما تتحول إحدى الشركات إلى عملاق يشل قدرة الآخرين على المنافسة التي هي الحافز الأول للتطور الصناعي تتدخل القوانين لتضع الامور في نصابها, وتعيد العربة إلى المسار الصحيح, وتروّض الحصان الجامح, وتدخل المارد في القمقم. تُرى.. كم من العربات الخارجة تكاد تزهق أرواحنا؟ وكم من الأحصنة الجامحة تتقافز من حولنا؟ وكم من المردة تغدو وتروح بيننا دونما رادع من ضمير أو قانون أو حتى قليل من حياء؟!