يواصل المفكر السعودي زكي الميلاد اهتماماته بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر, وفي كتابه الجديد (محنة المثقف الديني مع العصر) يتناول واحدة من المسائل المهمة التي يعاني منها المثقف الاسلامي المعاصر وخاصة إشكالية غيابه بل تغييبه وهو الذي أثر على بنية الفكر الإسلامي ومسارات تطوره. يبدأ الكتاب بدراسة ظاهرة الاهتمام بالمثقف بشكل عام, حيث أصدر ادوارد سعيد كتابه (صور المثقف 1996) وقبله أصدر محمد عابد الجابري كتابه (المثقفون في الحضارة العربية 1995) وفي خلال المرحلة ظهركتاب عليرب (أوهام النخبة أو نقد المثقف 1996) وقبل كل ذلك محاولة السيد محمدسين فضل الله (الفقيه والمثقف 1992) لكن الميلاد يتعرض الى جملة من النقد وبعض هذه الرؤى التي تناولت اشكالية المثقف الديني ويرى: ان تجدد الاشتغالات الفكرية واتساعها على نطاق عالميول المثقف وادوارده وعلائقه تجعل من الأهمية أن يتوجه المشتغلون بالفكر الإسلامي والمشروع الإسلامي بمزيد من الحوافز والمعطيات والحقائق نحو تجديد النظر للمثقف عامة والمثقف الديني خاصة, الذي بإمكانه أن يساهم بدور مهم في زمن تتوجه فيه أنظار العالم بصورة ملفتة نحو الإسلام. لكن الميلاد يتساءل في فصل آخر عما إذا كان الدين يمنع الانسان من أن يكون مثقفاً أم لا؟ بالطبع ان الجواب بالسلب, فالدين يدعو إلى الثقافة والى التخصص فيها ويكفينا ما قاله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:اطلب العلم من المهد إلى اللحد) فضلاً عما كان القرآن يحثه في آياته الكريمة: (وقل ربي زدني علماً) . من ناحية نلاحظالميلاد) يدرس العالم والمثقف كتصورين لعالمين وحضارتين, ويشدد على ما جاء به القرآن الكريم, فهو لم يأت بمفهوم المثقف, على العكس انه جاء بمفهوم (العالم) لكننا وهذا مؤسف, لم نرتق بعد إلى هذا المفهوم الذي جاء به الاسلام, ويشدد الميلاد من ناحية أخرى على ما أورده الامام (نصير الدين الطوسي ت 672هـ) في كتابه (آداب المتعلمين)ين أورد مصطلح (علم الحال) وهو العلم الذي يركز في دراسته على وقائع الحياة المعاصرة, يقول الطوسي: أفضل العلم علم الحال, وأفضل العمل حفظ المآل), والذي يرى فيه الميلاد انه المفهوم الأكثرداثة وأكثر معاصرة من غيره في منظومة الثقافة الاسلامية. يعود الميلاد في فصل رابع في كتابه الى مناقشة اشكالية المثقف على ضوء المرجعية الأوروبية, ويعتقد أن ادوارد سعيد وهو يتناول صور المثقف فإنما يناقشها من منظور علماني وهذا هو شأن الرجل, كذلك الأمر بالنسبة إلى محمد عابد الجابري ولا يختلف الأمر مع عليرب الذي يعتمد ميشيل فوكو وجاك دريدا في نقض أوهام المثقف. ولا يكاد يختلف الأمر مع برهان غليون وعلي أومليل ومحمد أركون ويخلص المؤلف إلى ضرورة أن يرفع المثقف العربي عن نفسه رهبة الفكر الأوروبي والافتتان والانبهار الشديدين به وسحر التقدم والحداثة الذي وصلت إليه المجتمعات الغربية, بل المثقف العربي مطالب بأن يعيد قراءة تاريخه الفكري في ارتباطه بالغرب ومرجعيته الفلسفية والاجتماعية. إن هؤلاء الذين يتوجه الميلاد إلى نقدهم ساهموا في تعزيز قيمة النقد والنزعة النقدية, لقدث الاسلام على هذه العملية ولكن ضمن أصوله وقواعده وهؤلاء الذين يتوفرون على النقد انما يرجعون إلى رؤى غربية بينما الدين الاسلامي لم يسلب المثقفقه في النقد على أساس المرجعية الدينية وعلى أساس الإرث النقدي الإسلامي الذي جربه علماء السلف في أكثر منقل فكري وديني. وفي فصل آخر يدرس الكاتب السعودي مشكلة المثقف مع الدين ويرمي باللائمة على عدد من مفكرينا ذوي النزعة الليبرالية جراء تقاطعهم مع الدين وابتعادهم عنه والمثقف في العالم العربي الإسلامي مطالب بأن يعيد النظر في رؤيته للدين, ويصحح هذه الرؤية بل بحاجة إلى أن يكتشف ذاته من جديد, وليس له أن يكتشف ذاته من خلال الايديولوجيات التي جعلته غريباً عن ذاته ومجتمعه وهويته وتاريخه انما من خلال نظرة صحيحة إلى الدين. قبل أن يختم الميلاد كتابه لا يغفل الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف الديني في المرحلة المعاصرة, إذ هناك ضرورة لانبعاث المثقف الديني وضرورة أن يعلن عنضوره ودوره ويبرهن كفاءته وجدارته, الى جانب ذلك هناك مجموعة من المهمات الأخرى في هذا السبيل, منها انتاج المعرفة وتنمية الثقافة ومواجهة الاختراق الثقافي, وتوجيه الاهتمام بالمشكلات الكبرى في الأمة, وتطوير وعي الأمة بقضايا العصر, والاندماج والمشاركة الانمائية في المجتمع.