.. في عهد الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفلت (33-1945) ضربت الولايات المتحدة اليابان بالقنبلة الذرية. وهي الحادثة الشهيرة التي ما زال العالم يذكرها إلى يومنا هذا.. في تلك الفترة أرادت الولايات المتحدة الضغط على الصين فهددها روزفلت بقنبلة ذرية شبيهة, عندها أطلق الرئيس الصيني تشنج كاي شيك جملته الشهيرة التي يفتخر بها الصينيون إلى اليوم فقال: لا نكترث بالقنبلة الذرية لانها وان قتلت وأسنانهم!! .. وبالتأكيد عندما قال الرئيس الصيني عباراته الشهيرة كان يعرف حجم الثقل السكاني الذي تتمتع به الصين, بالرغم من انها لم تصل إلى المليار نسمة في ذلك الوقت. وفي الصين فإن أي (صبي قهوجي) عندما ينادي فإنه يقول وعندك 5000 قهوة مضبوط, و36 ألف شاي.. وصلحـ .......... ـه!! والسؤال الذي يطرح نفسه عند أول زيارة لهذا البلد الضخم, الذي تبلغ مساحته 9.6 ملايين كيلو متر مربع, هو وجود مليار و300 مليون نسمة في حدود جغرافية لدولة واحدة.. نعمة أم نقمة؟ .. وأعتقد ان الجواب هنا نسبي, ويصعب النطق به بسرعة, ولكن إذا أخذنا بمزيد من التمحيص والفحص والدراسة لنموذج التجربة الصينية فإن المهم في هذا الموضوع كله التأكيد على نجاح الصين في التعامل مع واقعها مما أدى إلى بروزها كقوة عظمى, وبالتالي أثبتت ان الإنسان هو الذي يستطيع بارادته أن يسخر الأمور لتكون نعمة له, وهو أيضا من يستطيع أن يقلب النعمة على رأسه لتصبح نقمة دائمة. الصينيون أدركوا بأنه ليس من صالحهم ترك المشاكل تتفاقم دون حلول واقعية صارمة, وأدركوا أن العاطفة لا (تؤكل عيش) في معظم الأحيان فتركوها جانبا في سبيل (الصالح العام).. ثم عملوا ونجحوا. .. ولعل أهم ما يلفت النظر في هذا البلد العريق هو النظام.. فالنظام.. فالنظام.. في كل شيء, وفي جميع مجالات الحياة, بما فيها الزواج والتناسل, فلكل زوج مولود واحد فقط لا غير... لم لا فالوضع أصبح محرجا بعد أن تضاعف عدد الشعب بشكل كبير, وأصبح الشعب الصيني (يسد عين الشمس) كما يقولون.. قد يتفق البعض وقد يعارض أغلبية الشعب هذا القانون, لكن في النهاية هناك مصلحة عامة, وهناك قانون وضعته الدولة لحل مشكلة زيادة عدد السكان, وبالتالي فإن الجميع أمام القانون سواسية, ولعل ما يثبت ذلك هو سقوط أحد رؤساء الحكومة الصينية بعد أن تم اكتشاف وجود طفلين له كان قد أخفاهما تهربا من القانون!! بينما قد يسقط رؤساء حكومات في دول أخرى لانهم يخفون أموالهم تهربا من الضرائب. .. وبالرغم من وجود 16 مليون نسمة في مدينة مثل شنغهاي الشهيرة بكونها مركزا للمال والتجارة, إلا ان الزائر لها لا يلحظ وجود أي ازدحام مروري ضخم يتناسب مع أعداد البشر فيها, وبعد البحث والدراسة نكتشف إنها تحتوي على 200 ألف سيارة فقط, وذلك بعد أن تم التشديد على هذا الأمر لاعتبارات بيئية ومرورية عديدة.. إذن هو النظام مرة أخرى!! وعلى المستوى الحضاري والعمراني فإن ناطحات السحاب المنتشرة بكثرة في المدن الصينية والتي منها 2000 ناطحة سحاب في شنغهاي أنشئت في غضون تسع سنوات, والتصميمات الحديثة للمباني, ودرجة النظافة العالية التي تتميز بها شوارع المدن الصينية, تجعل الإنسان يصاب بدهشة مصدرها شيء واحد.. هو كيف يمكن التحكم بسلوكيات مليار و300 مليون نسمة بهذه الطريقة؟! .. الصينيون أدركوا الثروة البشرية التي يملكونها فسخروها لتعمير وتطوير بلادهم, وبالتالي فقد استفادوا من سواعد ربع سكان العالم للبناء بأرخص التكاليف, فعلى سبيل المثال مجمع تينها لبرامج الكمبيوتر الضخم في مدينة كاونتون (عشرة ملايين نسمة) والذي يحتوي على مبان لـ 318 شركة كمبيوتر عالمية, منها 30 من أكبر وأشهر شركات الكمبيوتر, بلغت تكلفة إنشائه بكافة التمديدات والتوصيلات والمرافق تسعة ملايين درهم فقط وهو ما يعادل تكلفة بناية في الدول العربية.. وبلغت تكلفة تمديد الخطوط اللازمة لهيئة المعلومات بشنغهاي والتي يبلغ طولها 1000 كيلو متر منها 80% تمديدات وخطوط جديدة و20% سبق انشاؤها مبلغا لا يتعدى 12 مليون دولار. .. التجربة الصينية مدهشة وغنية في آن واحد, تحتاج إلى دراسة خاصة فيما يتعلق بعمليات تخطيط المدن المأهولة بالسكان وعمليات إسكان هذا العدد الهائل من البشر, وتشغيلهم, واطعامهم, وتعليمهم... بالفعل شيء مذهل لا أعرف كيف يمكن أن نتصرف لو كنا مكانهم في يوم من الأيام!! .. شوارع شنغهاي وجوهاي وكاونتون وشان يانج وبكين وغيرها من المدن الصينية, تجعل المرء لا يملك إلا أن يحترم هذا الشعب العظيم الذي استطاع أن ينجز كل ذلك خاصة بعد المقارنة مع دول أخرى مكتظة بالسكان.. والصينيون لهم الحق بأن يفخروا بأنه لا يوجد لديهم (شحات) واحد في كافة الشوارع الرئيسية!! .. يقول ديفيد جونسون: (ليس على طريق النجاح اشارات تحدد السرعة القصوى) .. ويقول جورج اليوت: (النجاح سلالم لا تستطيع أن ترتقيها ويداك في جيبك) .