ما يحدث في العالم الثالث هو أغرب من المتوقع في الوقت الذي يحاول العالم الغربي جاهدا بكل ما يملك من امكانات مادية إلى درجة تخصيص ميزانيات ضخمة من أجل شراء البطالة حتى لا تستشري أدواؤها وتقضي على بقية الرمق الموجود في روح الإنسان الذي اضطرته تغيرات الحياة الجذرية للبقاء فترة طويلة من الزمن بانتظار اليد التي تسلم له الوظيفة. ففي جزء لا يخفى من العالم الثالث أولا ثم العالم العربي ثانيا جاء الحديث تباعا عن مشروع انشاء بنك للفقراء في اليمن الذي وصل فيه عدد المعوزين إلى 7.5 ملايين معوز والبطالة إلى 25%, فالعوز طامة كبرى فكيف إذا حمِّل فوق طاقته من البطالة الثقيلة. طبعا لا يمكن أن نفسر شدة الفقر بالعامل الأوحد, ألا وهو العوز المجرد وإلا وقعنا في مغالطة كبيرة من حيث انه حيثما وجد الغنى كان الفقر متربصا بالناس ومع ان هذا القول صحيح على الوجه العام إلا أن ما يحدث في عالم الفقراء والأغنياء أمر خارج عن نطاق الفقر والغنى كمعادلتين في معادلة, ففي العالم الثالث بالذات لم يؤثر غنى الغني في تقليل نسبة الفقر والفقراء وما يحدث في الواقع هو العكس تماما. لا نبعد عن اليمن حيث ذكر مستشار وزير التأمينات والشئون الاجتماعية أن نسبة 31.6% من السكان تعيش تحت خط الفقر المطلق في اليمن وأهم أسباب هذه الظاهرة يعود إلى ارتفاع نسبة الاعالة والنمو السكاني السريع بنسبة 3.4% سنويا وحجم العائلة الكبير الذي يصل إلى تسعة أشخاص والمعدل المتدني لمشاركة القوى العاملة وتدني مشاركة النساء إلى 18% وارتفاع البطالة إلى 25% والتوزيع غير العادل للدخول. هذه الأسباب وغيرها لن يعالجها ويزيلها مجرد وجود بنك خاص لتمويل هذا القطاع سواء عن طريق مخصصات شهرية أو المشاركة في تنمية الانتاج, لان في كل سبب فات تكمن علة مستقلة تحتاج إلى برامج غاية في الدقة لتدارك أوضاع الفقراء قبل أن يشكلوا عبئا ثقيلا من كل النواحي باتجاه سلبي لا طاقة للمجتمع في تحمله, فالحصول على شبكة الأمان الاجتماعي بحاجة إلى وضع خطط عملية تساعد الأغنياء على قتل الفقر وتساعد الفقراء على عدم الرضا السلبي بأوضاعهم فالتغيير لابد وأن يأتي من كل الأطراف وإلا فإن ضخ المليارات سدى لن يوقف ما يمكن أن يمثله الفقر من خطورة. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae