إحدى فضائل المقهى انك تقضي فيه ردحا من الوقت الفائض - وهو غير متوفر كثيرا هذه الأيام - وأيضا يمكنك أن تقرأ فيه الصحف أو أن تصغي إلى أحاديث جيرانك المتداخلة مع بعضها البعض, ورغم علمي انها عادة سيئة لكنها تفرض نفسها عليك لان جيرانك يتحدثون بصوت مرتفع, ولأنك تعمل في الصحافة والفضول أحد أركان مهنتك! فقد التقى شخصان - هكذا - صدفة في مقهى الصباح, حيث قال الأول وهو شاب مفتول العضلات مديد القامة لرجل كهل حليق الذقن أن يعيره صحيفته الانجليزية ففعل الكهل وقدمها له بطريقة درامية مشيرا إلى خبر على الصفحة الأولى (لم يتسن لي أن أعرف ما هو) طالبا منه أن يقرأه. كان الاثنان يتحدثان بالانجليزية وبلكنة أمريكية واضحة, فقد سأل الكهل الشاب: من أين أنت؟ فأجاب الشاب من بوسطن, فانفرجت أسارير الكهل وسارع إلى القول: انني من فلوريدا ثم تابع انني مقيم في الشارقة, وأنت..؟ فقال الشاب: في الشارقة لدى أقربائي فقد وصلت حديثا إلى الامارات. .. وهكذا استمرا في التعارف والاستيضاح لمدة دقائق حيث وصلت الشطائر التي طلبها الشاب مفتول العضلات, وعندها سأل الكهل: هل ترغب في فنجان قهوة فأجاب الكهل بأنه شربها للتو, قال الشاب: إذن ما رأيك بشطيرة مشيرا بطريقة كرمية إلى شطيرتيه, فرد الكهل شاكرا, ولم يجد الشاب مناصا من أن يقول للكهل: تفضل في الجلوس فاعتذر الكهل مفضلا الوقوف لانه ينتظر بعض الأشخاص ليمضي معهم. دققت في ملامحهما جيدا الشاب يبدو حنطيا بتقاطيع قريبة من أناس نعرفهم أو نألفهم وكذلك كان الكهل, عدا ملابسهما التي دلت بشكل قاطع على انتمائهما إلى جغرافية مختلفة, فقد ارتدى الشاب سروالا من الجينز الأزرق وقميصا خفيفا أبان عضلاته المفتولة جدا, في حين كان الكهل يرتدي سروالا قصيرا وقميصا مشجرا لم يخف نحالته. وإذ تركت الاصغاء إليهما وعدت لمتابعة صحيفتي فقد رنت في أذني بعض الأسماء لمدن عربية أخذا يذكرانها بكثير من الدهشة الممزوجة بالسعادة حيث قال الشاب نعم لقد ذهبت إليها وأحببت كثيرا سوق الحميدية ومن ثم ذهبت إلى حمص وحماه وحلب, لقد كانت رحلة ممتعة. فتنهد الكهل قائلا: لم يبق الكثير من أقربائي في الأردن لذلك لم أذهب إليه منذ فترة طويلة, ثم تابع سائلا الشاب عن أسرته فأجاب: بعضهم في سوريا وبعضهم في أمريكا. ومن ثم انتبه الكهل إلى أشخاص أشاروا إليه من خلف الزجاج فقال مودعا الشاب: سررت بمعرفتك, انني أدعى عمر. فنهض الشاب مصافحا ومعرفا بنفسه: وأنا مُناف. لقد كانا عربيين ولكنهما انسلخا بعيدا عن وطنهما فحدثت تلك القطيعة بينهما وبين جذورهما, قطيعة بدأت على مستوى اللغة وانتهت بتحولهما إلى سائحين يلتقيان في بلد عربي كما يلتقي يابانيان أو ألمانيان أو غريبان تحت سقف الضياع. هذا المشهد ليس من السينما أو من قصة خيالية, انه واقعي كنت شاهدا عليه وسجلته بأمانة شديدة لأدلل على قسوة الواقع العربي الذي يشبه إلى حد بعيد هذين السائحين اللذين تعارفا صدفة! حسين درويش