من النافذة المضاءة بالفجر, شاهد الاشياء محطمة, فأستشعر وطأة الزمن المتعاقب, عليها فأضجرتها, اذرآها مملوءة بالحجر, وقد كانت زاخرة بالحياة. وكانت الريح تهب فتحيلها ظلالا مكدسة فقدت بريق توهجها, كأنها اخر اطياف الغسق. وكان الضوء يتشظى عبر زجاج النافذة, كان مغمورا بما يجري في الخارج, وفي زاوية الغرفة, اسفل زجاج النافذة, كتب مكدسة, القت على المنضدة ظلالا غير منتظمة. اقترب من المرآة, وسرعان ما ارتد مذعورا, وهو يشاهد في عمق المرآة الصقيلة, تقاطع الوجه الجميل, وقد انطفأت توهجاتها المضيئة, فأمتلأ بالضجر والاشمئزاز, اذ, كان يقابل في المرآة المشعة, وجها ليس له. وتذكر اشياء هامة في حياته, هجرته وانفضت عنه, منها (خولة) الفاتنة, حبيبة الاعوام الطويلة من العمر, وكذلك (نجوى) ويبدو انهما خضعتا, ايضا, لغشاوة الزمن الرمادية الضاغطة. بحث عنهما, عبر دعوة الروح التي لما تزل بارقة بشيء من الحياة, ومكابرة الجسد الفتي حتى الان. لم يجد لهما من اثر, كأن دوامة الزمن البرونزي, تلقفتهما, كي تبقيه وحيدا, وهكذا هو الان, حتى الاصدقاء الذين سهروا في شرفته الزاخرة بالكتب ملذات الحياة, حتى اواخر ما تبقى من العمر,.. غادروه, وانفضوا عنه, كثعابين الماء الغادرة. في الغرفة ذات الضوء الذي كان يتشظى, فأنطفأ بريق ألوانها, ابتدأ يستذكر, وكان ضجرا. في موج المرآة التي كانت مضيئة, من بين اشياء الغرفة, وكان يقابلها في مرتكز لها على الجدار الضئيل, شاهد (خولة) امامه, كنجمة بازغة في غشاوة الغروب الساحلي, حيث يمتد نهر المدينة الهائل, بأسترخاء هادئ, قالت بصوت غير مسموع: كنت خائفة, ان يتأخر مجيئك. لا بأس عليك, عزيزتي, تبدد الخوف الآن تقدما بهدوء واعتناء, فوق اصابع المساء المشتبكة, المبثوثة على رصيف البلاطات العريضة, حيث متاهة النهر التي تشبه صحراء نائية. وهبطا في منحدر الساحل الصخري المغمور من الاسفل بألسنة امواج بطيئة متعاقبة, وكانت الاشجار الواقفة, تلوذ في عتمة الشاطئ الدبقة الغامضة, والظلال اكثر برودة, وفي المنحدر المكتظ بالصخور الصقيلة المتآكلة, والظلال التي هبطت بتدرج غير ملحوظ تستحتم في رذاذ الموج عند وجه الشاطئ بنتوءاته وكدماته وتعرجاته الملتوية مثل سرطانات متوثبة, جلسا امام متاهة النهر. وقالت بهدوء شديد: نحن وحدنا الان! هنالك غيرنا, ابتلعتهم دوامة النهر, او تفرقوا بين منعطفات الظلال الباردة, انهم مثلنا الان. سيهبط الغروب لاحقا نعم, سنغادر قبل هبوطه ايتها الحبيبة. كأنك تفكر بأشياء كثيرة, او تحلم؟ ان نكون معا, فنواجه قساوة الزمن الآتي, ارجوك كوني معي, لا تتركيني, فأموت, كما تموت هذه الطحالب الرمادية في عيون الصخور الخاوية. هو كذلك, لكن ثمة خوف بارد يغمرني, كلما التقينا, اي شعور هذا؟ لست ادري. لا عليك, انها دهشة اللقاء, هكذا تقول حكمة النهر, ستكتب بسطة الماء والظلال التي تحتوينا الان, حبنا القوي, الذي سيتواصل, كما الحياة. استشعر بتحدر مربك يشل ساقيه وقدميه, فأدرك, انه, كان يواجه المرآة طوال ساعات الليلة التي مضت, وكان يشاهد ان النافذة مضاءة بالغبش, وان ضوء الغرفة المحطم, يتشظى ويتشظى, متحولا الى جمر منطفئ, في الزوايا وفوق منضدة الكتب, فأمتلأ بالضجر, وهو يشاهد, كذلك, انحسار موج المرآة, حيث اعماق سحيقة غامضة, كان يتلاشى ببطء وتتال, بحركة مبهمة هادئة, و(خولة) الرائعة, معه تتلاشى بافراط متناثر, مبثوثة كقطرات المطر, او كنجمة متضرعة في منحدر المرآة السحيق, فأطلق صرخة, اذ, انه, اضاع (نجوى) كذلك سلمها بيديه الجانيتين الى دوامة النهر الصاخب, وكانت رغبته الصارخة, ان تملأ فراغا خلفته (خولة) في حياته, لكنه لم يستطع الاحتفاظ بها, ولما لم يجد لذلك التبرير من تفسير, اطلق صرخة اخرى, اكثر قساوة من الصرخة الاولى. وفي المرآة المنطفئة, كان يقابل وجه الاخر المكتظ بالتجاعيد الرمادية, والفجوات العميقة المبثوثة, كفجوات الصخور المفلطحة في ساحل النهر, وكان وحيدا في الغرفة, وثمة رياح تهب مملوءة بالحجر, وراء زجاج النافذة, وآراه ضوء الفجر, تصدع الاشياء في الخارج, مرة اخرى, وكان يرى الشوارع الطويلة ذات النهايات السرابية, ومنحدرات السواحل المعتمة, فارغة مملوءة بالوحشية المريرة, وشرفة الملذات العابثة, في اواخر الليالي الباردة الطويلة, منطفئة ايضا, ليس من بريق في بسطتها الدائرية, كانت متدثرة بنوم برونزي, فارتد بعينيه الخاويتين, داخل الغرفة, حيث منضدة الكتب المكدسة المضمورة بشعاع الصباح, فألقت بظلال غير منتظمة على قاعدة المنضدة.