تورينو: المتحف المصري : في حدود ما أعلم, في حدود ما رأيت, وصلت الى زماننا محتويات مقبرتين مصريتين قديمتين, الأولى هي الأشهر والأعم رغم أنها اكتشفت بعد الثانية, ربما لثراء محتوياتها وغزارتها, ولأنها تخص ملكا, لم يعمر طويلا, ولم يحكم كثيرا لكنه صار الأشهر. إنه توت عنخ آمون, الملك المصري الوحيد الذي وصلت محتويات مقبرته كاملة الى عصرنا, وتخيل محتوياتها طابقا كاملا في المتحف المصري بالقاهرة. المقبرة الثانية تخص أحد كبار امراء الأسرة الثامنة عشرة ـ حوالي ألف وأربعمائة قبل الميلاد ـ وهي نفس الحقبة التي عاش فيها الملك الشاب توت عنخ آمون, أي أن ما يفصلنا عنها ثلاثة آلاف وستمائة عام. عثروا على هذه المقبرة عام ستة من القرن الماضي, اكتشفها عالم الآثار الايطالي شيباريللي في دير المدينة بالضفة الغربية بالأقصر, وتم نقل محتوياتها التي لم تمس عبر ستة وثلاثين قرنا من الزمان الى ايطاليا, حيث تستقر الآن معروضة للزائرين في الطابق الثاني من المتحف المصري بتورينو, وعندما وصلت إليها ذهلت, فلم أكن أعرف بوجودها إلا من دليل المتحف الموجز , المتاح باللغة الانجليزية, وشتان بين الصور القليلة الضامرة, والواقع الثري, لم أر محتويات مقبرة إنما رأيت حياة كاملة, بدءا من مومياء (كا) وزوجته (ميريت) حتى أدوات التجميل, وقمصان الكتان, والملابس الداخلية والخارجية, الى أدوات التجميل, الى قطع الأثاث. الحديث عن المقبرة يطول, وله وقفة أخرى, لكن ما أطلت التأمل عنده مجموعة من الأرغفة المحنطة, خبز تم عجنه وتخميره وتسويته وتحنيطه منذ ستة وثلاثين قرناً, ومازال متماسكاً, متشققاً, صلباً, لكن يبدو كأنه صالح للأكل. فكرت في الدقيق الذي تم طحنه ونخله وتنقيته, وخلطه بالماء والخميرة, ثم عجنه, وإدخاله الفرن, ثم ضمه الى أدوات الراحل (كا) ليجده عند عودته الى الحياة, هكذا تصور المصريون القدماء واعتقدوا, ولهذا كان عملهم, من أجل الخلود, ولهذا السبب وصلنا كل ما نراه الآن. هذا الخبز, كأنه وصل للتو من صعيد مصر, إنه نفس الشكل والقوام للخبز الذي عرفته في طفولتي, الخبز الشمسي, لأنه يتخمر من خلال رضاعته لأشعة الشمس أي أنه ينضج من نيران الكون, من نيران الأبد, من لهب النجوم, ما أوثق الصلة, وأبدعها. تأثرت, وتوقفت طويلا أمام هذه الأرغفة التي فنيت الأيدي التي خبزتها وشكلتها وأدخلتها الفرن, في صباح اليوم التالي عدت الى المتحف قاصدا هذه الأرغفة, تأملت وأمعنت. العيش الشمسي مازال يخبز في بيوت الصعيد, إنه أول مذاق خبز عرفته, يعد من القمح الخالص, يبدأ إعداده قبل شروق الشمس, أصوات ارتطام العجين بفخار الماجور لاتزال عندي, ثم تبدأ اليد الماهرة المدربة في اقتطاع مقدار راحة اليد, كرة من العجين تبسط شيئا فشيئا, ثم يتم إبراز طرفين أو ثلاثة, فيما يشبه حلمة ثدي خصب, معطاء, ترص أقراص العجين فوق طاولات مصنوعة من طمي النيل, ثم تحمل الى أعلى السطح, حيث يبدأ توحد العجين بأشعة الشمس, حتى إذا تعامدت شمس النهار على الخلق عند انتصاف النهار تفوح رائحة العجين المتخمر, يبدأ إيقاد الفرن, عندما تصل درجة الحرارة الى حد معين, يبدأ دفع الأقراص المتخمرة الى الداخل بواسطة (مطرحة) من خشب, وبواسطتها يُقلب العيش بالرائحة, بالوقت, بلون البشرة الذي تكسبه النيران, يتم اخراج الأرغفة بعد تمام تسويتها. ما أجمل رائحة الخبيز. لقد جلت العالم شرقا وغربا فلم أعرف رائحة في مثل خصوبتها وذكاتها ونزاهتها, سواء كان العيش المخبوز شمسيا أو عاديا, الشمسي ينتفخ في الفرن, لبابه غزير, يمتص المرق والملوخية الخضراء, غير مطواع مثل العيش البلدي, لأنه لاينثني, يتم اقتطاعه لقمة, لقمة, يكون في أرسخ حالاته عندما يؤكل ساخنا مع غموس, وعندما يكون الغموس عسلا أسود, أي العسل المصنوع من قصب السكر, ويشبه (الدبس) عسل التمر, فلا يوجد ألذ ولا أمتع. كذلك الحال مع اللبن الحامض, أما اذا تشبع بمرق الطماطم أو الملوخية الخضراء المرصعة بالتقلية فهو الكمال عينه. بعد إنتقالنا الى القاهرة القديمة, كنا ننتظر ما ترسله جدتي إلينا من جهينة كانت هديتها تتضمن طعاما لابد أن يؤكل على المدى القريب, خاصة الأوز والبط المذبوح, والعيش الشمسي الذي يحتفظ بطزاجته عدة أيام. ثمة نوع آخر من الخبز, كان يصنع من دقيق الذرة, اسمه (البتاو) وربما كان أصل الكلمة مصريا قديما, إنه خبز الفقراء, العيش الشمسي من القمح, والقمح أغلى من الذرة, كان للبتاو قوام أصلب, للأسف غاب عني طعمه, أذكر رائحته, كانت ممزوجة برائحة حلبة يبدو أنها كانت تدخل في تركيبه كان عمال التراحيل الفقراء يخرجون من قرى الصعيد في قوافل العمل متجهين الى الشمال لبناء العمارات, أو رصف الطرقات, أو مد الجسور ليسهل على القوم عبور الأنهار والمفازات, كانوا يصحبون أكلهم معهم ليمكنهم الادخار, أما إذا كانوا يعملون سخرة في حفر قناة السويس مثلا أو بناء الجسور فإنهم لا يتقاضون أجرا, كان البتاو يتمتع بخاصية البقاء, والاستمرار وكان يؤكل مع الجبن القديم, والبصل, منذ شهر تاقت نفسي اليه, إنما أردت استعادة مذاق قديم ذقته يوما, ثم انقطع العهد به, عندما وصلت الى مسقط رأسي (جهينة) سألت امرأة خالي, أطال الله عمرها, أن تمدني ببعض أرغفة (البتاو), ضحكت, وقالت لي إن هناك جيلين على الأقل لم يسمعا به, الآن يعتمد القوم على خبز (الطابونة) أي المخبز العام الذي يبيع الأرغفة من الدقيق الأبيض المستورد, وكثير منهم كفوا عن الخبيز في البيوت, وفي طفولتي لم نسمع بمثل ذلك, كنا عندما نصف أحدهم بالفقر , وقلة الأصل, نقول أنه يشتري العيش من السوق, أي لايخبز في بيته, وكنا إذا أردنا مديح شخص ما نقول (دا زيتهم في دقيقهم) أي عندهم الاكتفاء كله. لقد انقرض البتاو تقريبا, أما العيش الشمسي فمازال يقاوم, وإذ أبدأ في أكله أستعيد طفولتي ومذاقي الأول, وأخشى يوما آتيا لا ريب فيه, يسأل عنه قومي فلا يجدونه, وقد يقول قائل لهم: (انه معروض هناك.. في المتحف المصري بتورينو) . ودن القطة واللجنة المركزية العيش البلدي, له المنزلة القصوى عندي بعد العيش الشمسي. وأعني العيش القاهري المخبوز في الأفران العامة, أقصد المتقن منه, الذي لم يتعرض للتجارب التي تجريها وزارة التموين عليه لخلطه مرة بالأرز, ومرة أخرى بما لايعلمه إلا الله. العيش المخبوز من دقيق القمح النقي, بحالاته الثلاث. (الطري) و(المفقع) أي الجاف, الصلب, و(الملون) أي الوسط بين الطري والصلب. يسيل لعابي عندما أراه ساخناً, لحظة خروجه من الفرن, التهمه حاف, أي بلا غموس, أما إذا اقترن بالجبن الأبيض المنقوع في البراميل الخشبية الدمياطية فلا قبل ولا بعد. لقد عرفت هذه النعمة خلال السنوات الأخيرة عندما أضطر الى البقاء في المكتب طوال النهار, ولأنني أخضع لنظام غذائي صارم, فألجأ الى أبسط الأحوال, رغيف بلدي من العيش الطازج (المصريون ينفردون بتسمية العيش للخبز أي الحياة) ومنذ طفولتنا نتلقى التعاليم باحترامه, وإذا رأينا كسرة خبز في الطريق يجب أن نتناولها ونقبلها ونضعها بجوار الجدار بعيدا عن إمكانية الوطء بالحذاء والعياذ بالله وإذا أردنا أن نصف قوة العلاقة ومتانة الصلة نقول (دا أنا كلت معاه عيش وملح) ومن أكل العيش مع آخر فلابد أن يخلص له وألا يخونه. العيش البلدي جميل الملمس, وأفضله ما كان محتفظا بالردة ـ قشر القمح ـ يقولون انها عالية القيمة الغذائية, وهو أيضا مطواع يمكن تشكيله على هيئة (ودن القطة) , لغرف الملوخية أو الطبيخ بها, وبمناسبة ودن القطة, كان أفضل طعام متاح لنا في المعتقل السياسي الذي عرفته عام ستة وستين الخبز البلدي لأنه كان يعد في الفرن الخاص بالمعتقل, كان طريا, شهيا, وكنا نتحلق جماعة حول وعاء بداخله ماء مغلي فيه أجسام غريبة يؤكدون أنها خضراوات, وكان المقدار محددا لذلك كنا نحرص على مجرد غمس اللقمة لتغيير الطعم فقط, ولكن بعض الزملاء كانوا يتحايلون باتخاذ اللقمة لشكل (ودن القطة) أي استخدامها كملعقة. عندما شكا بعض الزملاء خطورة (ودن القطة) مع قلة الزاد, صدر توجيه من اللجنة المركزية التي تدير شئون المعتقلين للرفاق بعدم استخدام ودن القطة, مع ضرورة الالتزام.