(سباقات الماراثون اختراق الضاحية) الاولى التي شارك فيها نورم فرانك ودون ماكنيللي في الستينيات كانت مؤلمة جدا. رئتاهما صفرتا, وتشنجت عضلاتهما, وتوسل دماغهما الخلاص. ويبدو ان السنوات الطويلة التي امضياها على الطريق واللياقة البدينة والجينات الملوكية والعناد الذهني ، الذي اكتسباه في طفولتهما في مرحلة النكسة الاقتصادية, لاتزال تلعب دورها, لأنهما لايزالان يركضان, احيانا في ماراثون في يومين متتاليين. وفي شهر ابريل الماضي سجل فرانك ركضه للمرة 711 لمسافة 26.1 ميلا او اكثر, فيما سجل ماكنيللي المرة 516. ويضعهما ذلك في الترتيب الاول, والثالث, في تصنيف عدائي الماراثون في الولايات المتحدة. وتكفي المسافة التي قطعها كل منهما في التمارين والسباق للقيام برحلتين حول الكرة الارضية, مع زيادة بضعة آلاف من الاميال. لقد اصبح الامر لعبة ارقام تلعب بمقاطع تصعق العقل, الا نذكر ان العداء فيديد بيد سقط ميتا بعد ان ركض مسافة 26.2 ميلا وسلم رسالته: (افرحوا, انتصرنا) من ميدان المعارك الاغريقية في ماراثون, سنة 490 قبل الميلاد؟ وهكذا, لقد انتصر فرانك وماكنيللي ايضا. قال ماكنيللي البالغ من العمر 79 عاما خلال جلسة الافطار الاسبوعية المشتركة والتي اصبحت نوعا من اعادة بالنسبة لهما: (لقد ركضنا معا في 100 سباق ماراثون) . ورد فرانك (68 سنة): لا,لا,اقراب الى 200 سباق. ولكن, اذا توغلت في عالمهما تجد ان مقياس انجازاتهما يأخذ بشكل ساحر طابع الشيء العادي. فثمة مئات من الامريكيين يقومون بهذا العمل الشاق, يدفعهم الى ذلك زحف السنين ولمسة من الجنون ثم الفرح الادماني على قهر الالم المبرح عن طريق الاحساس بالسعادة والبهجة. ويقول دين ريدميكر, وهو مدير مدرسة متقاعد ومؤسس مجموعة فيفتي اند دي. سي. ماراثون) للاشخاص الذين يريدون المشاركة في سباقات الضاحية في كل ولاية امريكية, ان ثمة حماسا كبيرا للانضمام الى المجموعة. وقد ارتفع عدد اعضاء المجموعة من 15 عضوا في العام 1989 الى 250 عضوا الان. والشرط الاساسي للانضمام هو ان يكون طالب الانضمام قد ركض في 20 سباق ماراثون في 20 ولاية. وهناك حتى الان 109 اعضاء قد اتموا الركض في كافة الولايات و 16 ركضوا في ماراثون او ثلاثة في كل ولاية, ورجل واحد اتم اربع جولات. وثمة حوالي 100 امريكي شاركوا في 100 سباق ماراثون و 12 في 300 سباق ويتقدم هذا الترتيب المتنامي فرانك وماكنيللي, ويأتي بينهما ديني فريمان (52 سنة) من دايتون بأوهايو الذي ركض في 608 سباقات. ولقد انتزع الالماني هورست برايسلر الذي ركض في 950 ماراثونا, الرقم القياسي الذي حمله فرانك في 1994 الى 1996. ويبدو ان كونهما لم يعودا سريعين كالسابق وعدم اكتراثهما لهذا الواقع هو السبب الرئيسي لاستمراريتهما. فالوقت الافضل الذي سجله فران في العام 1970 وبلغ ثلاث ساعات و 22 دقيقة قد تراجع الى حوالي ست ساعات لقطع المسافة نفسها. اما توقيت ماكنيللي قد ارتفع من ثلاث ساعات و 50 دقيقة الى حوالي سبع ساعات. ويقول ماكنيللي, الذي يزن حوالي120 كيلوجراما, ويبدو مثل سانتا كلوز عندما يرخي لحيته البيضاء: (لا احد يستطيع يحرجني او يستهين بي لكوني اشارك في هذا. وحتى لو حاولوا فلن اكترث بهم. اعرف انني على صواب, وهم يعرفون ذلك ايضا في اعماق قلوبهم) . ولعله ليس من قبيل المصادفة ان الاثنين يقيمان في مكانين قريبين وان صداقتهما تعود الى 31 سنة. انهما يحمسان بعضهم البعض للاستمرار عن طريق المزاح مع لمسة من روح التنافس احيانا. وثمة اختلافات كافية لجعل العلاقة بينهما مثيرة للاهتمام. فهما يتشاحنان حول الامور السياسية وحول الطعام الذي ينبغي تناوله قبل السباق. وماكنيللي جمهوري تقليدي فيما فرانك ديمقراطي عصري. وشخصية ماكنيللي متفائلة فيما يغلب التشاؤم على شخصية فرانك. وتسلط الاجهزة الاعلامية اضواءها اكثر على فرانك لكونه الاول في الولايات المتحدة. الا ان ماكنيللي يحصل على نصيبه من الاضواء ايضا, لأنه عادة المتسابق الاكبر سنا ولكونه ثمانيني يقترب من سباقه المارثوني الثلاثمئة. وللتخلص من السأم انتقل الاثنان في ركضهما, الذي يركز على الكمية اكثر من النوعية, الى اقصى طرف الميدان, من القطب الجنوبي الى جرينلاند ومن جمايكا الى اليابان. واحيانا يركض الاثنان مسافات (زائدة) من اجل المتعة فحسب فقد تراوحت مسافات 91 من ركضات ماكنيللي الماراثونية و 140 من ركضات فرانك بين 31 و 66 ميلا. الا انهما لا ينسيان الاثارة التي احسا بها في ماراثوناتهما الاولى, رغم التشنجات العضلية والهلوسة والارهاق والالم. اما فرانك وهو ايضا طويل القامة وثقيل الوزن, جرب ماراثون بوسطن في العام 1967 بعد سنوات من ممارسة لعبة كرة السلة وكرة المضرب, بتشجيع من صديق عداء له, واستمر منذ ذلك الوقت. وماكنيللي, الذي استولى عليه الفزع بعد وفاء صديق له بأزمة قلبية وهو في السابعة والاربعين, بدأ ايضا في بوسطن 1969. وفي اول سباق تنافسي له ذهب مع حشد من الراكضين الاخرين اصيب بارهاق شديد بعد بلوغه الميل الرابع. ومع ذلك تابع الماراثون ركضا ومشيا على فترات حتى انجز المسافة بخمس ساعات ودقيقة واحدة. ويحتاج الاثنان الى نصف ساعة من الاحماء قبل بداية السباق. ويقول ماكنيللي انه بعد الميل العاشر يتجمد عقله ويتحيد ويظل يتابع ويتعافى حتى نهاية السباق. ماكنيللي الذي كان الابن الاكبر بين سبعة اطفال تولى مسئولية مزرعة العائلة في بروكفيل بأوهايو وهو في الرابعة عشرة بعد ان انضم والده للعمل في شركة جنرال موتورز, وهو يقول: (لم نكن نملك شيئا وكان على الجميع ان يشتغلوا, وكانت هذه ثقافة ورثناها) . ويدعو ماكنيللي زوجته فيليس (تزوجا قبل 58 عاما) لحضور كل سباق يشارك فيه, الا انها لا تحضر الا المسابقات المثيرة. ويقول انه في كل مرة تسمح لي بالتوقف. اما فرانك فقد اسس مكتبا لهندسة الحدائق, وبنى مضمارا للماراثون سلمه مؤخرا لحفيدته. وهو مطلق مرتين. ويعترف بأن الركض كان السبب في ذلك اذ من الصعب على المرأة ان يغيب زوجها عن المنزل في كل عطلة نهاية الاسبوع. وكانت لفرانك وماكنيللي مشكلاتهما الصحية ايضا ففرانك اجرى عملية تغيير صمام القلب في العام 1998 فيما شفى ماكنيللي من سرطان البروستات في العام 1988. ويعتقد فرانك ان كثيرين من العدائين يصعبون الامر كثيرا بالتمادي في الركض او محاولة تسجيل اوقات قياسية ضد الساعة. وهو لا يتمرن كثيرا, بل فقط عندما يكون الطقس جيدا, وفي فصل الشتاء ينتقل للاقامة في شقته بفلوريدا. ويستأجر ماكنيللي شقة في يناير وفبراير من كل سنة بالقرب من شقته, وبذلك يتابعان تقليد تناول الفطور معا صباح كل يوم ثلاثاء. ولا يعرف اي منهم سبب استمرارهما مع عدا حبهما للركض. ويقول فرانك ضاحكا: (لعلي كنت سأتوقف لو عرفت السبب) . ومع تقدم الاثنين بالسن اكثر لا ريب من ان الركض سيزداد صعوبة, حتى لو احتفظا بقوة ركبتيهما. ويقول فرانك انه يريد ان يسجل ألف ركضة ماراثونية ويظل يسابق حتى بلوغه الثمانية والتسعين. ماكنيللي مصمم ايضا, ويقول انه سيظل يركض حتى يصبح عمره 99 سنة.