في سنة 1886 ألقى الدكتور شبلي شميل محاضرة في جمعية الاعتدال بالقاهرة عن (المرأة والرجل وهل يتساويان) . ونشرت المحاضرة في مجلة (المقتطف) تعميما للفائدة. وقد ذهب الدكتور شبلي شميل إلى أن الرجل أفضل من المرأة بيولوجيا وأنثروبولوجيا, ومضى في توضيح وتبرير ما ذهب إليه مستعينا بثقافته الطبية, فقد كان طبيبا هاجر من موطنه لبنان إلى مصر, حيث عمل طبيبا لفترة في مدينة طنطا التي فرغ فيها من تأليف كتابه عن (فلسفة النشوء والارتقاء, سنة 1884, وهي السنة التي صدر فيها الكتاب فأقام الدنيا ولم يقعدها, خصوصا بما تضمنه من آراء جريئة, ومن عرض لنظرية دارون في النشوء والارتقاء وشرح موجز لها. وقد نصب شبلي شميل من نفسه محاميا لنظرية النشوء والارتقاء ومدافعا عنها, خصوصا بعد أن عمل بالصحافة, وأصدر مجلة (الشفاء) التي استمرت من سنة 1866 إلى سنة 1891. وقد استخدم شبلي شميل معلوماته الطبية ومعارفه في نظرية النشوء, والارتقاء ليثبت في محاضرته ان الرجل أرقى من المرأة, ودليل ذلك انه في الأنواع الحيوانية العليا يحتل الرجل مرتبة أعلى من مرتبة المرأة جسديا وعقليا وأدبيا, ومضى شبلي شميل في تعداد البراهين الأنثروبولوجية والتشريحية الدالة على ذلك. وانتهى إلى ان زعماء المساواة يخطئون إذا تصوروا ان الفروق الموجودة بين الرجال والنساء سببها عدم تساويها في الرياضة والتعليم, أو انه إذا تساوت أحوالهم المعيشية والتهذيبية تساويا في العقل والقوة, فالمؤكد ان الحقيقة العلمية على غير ذلك فيما زعم شبلي شميل الذي طالب بأن يتقبل كل من الرجل والمرأة أماكنهما في ناموس الكون. وكان يقصد بذلك إلى أن ترضى المرأة بما هي عليه فلا تنازع الرجل فيما لا تجديها المنازعة نفعا, وإلى أن يعطف الرجل على المرأة, ويعاملها بالحسنى, ولا يبخسها حقها الذي أقره لها مقامها في الهيئة الاجتماعية. ولم تمض المحاضرة التي أصبحت مقالة في مجلة (المقتطف) دون أن تترك أصداء واسعة. وسرعان ما تحولت هذه الأصداء إلى معركة من الكتابات المتعارضة التي أسهم فيها الكثير من الرجال والنساء في الوقت نفسه. وقد توقفت طويلا عند هذه المعركة ودلالاتها التاريخية والاجتماعية في ذلك, فهي المعركة الأولى التي تشهدها الصحافة حول قضية المساواة البيولوجية - ومن ثم العقلية والفكرية والثقافية والاجتماعية - بين الرجل والمرأة, ومحتوى هذه المعركة يؤكد ان الأفكار التي صاغها قاسم أمين وبلورها في كتابه عن (تحرير المرأة) الذي صدر سنة 1899 كان المجتمع يموج بارهاصات لها, ترجع إلى سنة 1866, وهي السنة التي حدثت فيها المعركة التي أثارتها مقالة شبلي شميل الذي ظل يثير الزوابع الثقافية والفكرية حوله إلى أن توفى في القاهرة سنة 1917, حيث رثاه صديقه حافظ إبراهيم - شاعر النيل - بقصيدة جميلة. ومن ناحية ثانية, فإن المعركة دارت رحاها بعد أربع سنوات من الاحتلال البريطاني لمصر, وإن دلت على شيء فإنما تدل على ان الحيوية الثقافية سرعان ما عادت إلى مصر رغم صدمة الاحتلال, وان هذه الحيوية كانت نوعا من المقاومة بشكل من الأشكال, وتعبيرا عن رغبة في عدم الاستسلام إلى أي نوع من السطوة التي تحول بين المفكر وممارسة حقه الطبيعي في الاجتهاد والتجريب. وأحسب ان اجتهاد شبلي شميل في هذا الاتجاه قد انطلق تحت مظلة (العلم) الذي بدا بوصفه خلاص العالم المتخلف في ذلك الوقت, كما بدا بوصفه وعدا بالتطور الدائم ولكن, مع ذلك كله, كان اجتهاد الشميل دائرا في الدائرة التقليدية التي هدمها العلم الذي اعتمد هو نفسه عليه. ويلفت الانتباه في هذه المعركة, أخيرا, انها كانت بالدرجة الأولى معركة مهاجرين شوام من غير المسلمين, استوطنوا واستقروا فيها بعد ان وجدوا فيها الأمان من الاضطهاد الديني الذي لاقوه في موطنهم نتيجة الصراعات الطائفية المسيحية. وكانت هذه المجموعة متميزة بثقافتها ونوع تعليمها المدني الذي أتاحته المدارس التي فتحتها الجاليات الأجنبية في كل من مصر والشام. ولكن رغم ان هذه المجموعة لم تكن في وضعها الاجتماعي من الأقليات في المجتمع المصري, إلا انها بما كتبته, وبما ناقشته, أو تبادلته من حوار. كانت مصدرا من مصادر الاشعاع الفكري الجديد في الثقافة العربية بعامة والمصرية بخاصة, خصوصا بما انطوت عليه أطروحاتها من جسارة غير معهودة, وما حملها إليه تعليمها المحدث الذي فتح بعض الأبواب المغلقة من ثقافة المجتمع, ومنها موضوع المساواة بين الرجل والمرأة, وهو الموضوع الذي ما كان أن يناقش في الثقافة التقليدية - أو حتى غير التقليدية - في ذلك الوقت لاعتبارات كثيرة. وكان من الطبيعي أن ترد على شبلي شميل مجموعة من النساء المثقفات في ذلك الوقت, وقد تابعت ردودهن عبر أعداد (المقتطف) المتتالية, فلاحظت اسمين لامرأتين على وجه التحديد, لفتت كل منهما انتباهي بقوة محاجتها, وصلابة دفاعها, وحماستها المتوقدة في اثبات قضية المساواة بين الرجل والمرأة, ومن ثم نفي أسطورة التفوق التقليدي التي غرستها الثقافات النقلية في الأذهان, ونفي وهم (الارتقاء الجديد الذي أراد أن يشيعه شبلي شميل تحت مخايلة العلم الحديث) . أما السيدة الأولى فهي راحيل محار من القاهرة التي ردت على الشميل, مفندة أسانيده وبراهينه واحدا واحدا. ومن أقوالها التي أعجبتني ردها على زعم الشميل بأن الرجل يأكل أكثر من المرأة ولكنها أنهم منه, وسؤالها الساخر عن المقياس العلمي (؟!) الذي قاسوا به نهامة الرجل والمرأة حتى عرفوا انها أنهم منه. ومن ذلك رفضها ما ذهب إليه الشميل من أن المرأة أقل ارتكابا للجرائم من الرجل, وأن ما يمنعها من الجرائم خجلها وحياؤها وضعف جسدها وميلها إلى السلام. وترفض السيدة راحيل ما ذهب إليه الشميل من ان المرأة أحيل من الرجل وأخدع, متسائلة عن الدليل العلمي على ذلك, ومؤكدة ان كلام الشميل يدخل في باب الأوهام. أما زعم الشميل عن ان المرأة لاهية متقلبة مفرطة أكثر من الرجل, فترد السيدة الجسورة بقولها: ولكن ماذا نقول في علماء الأخلاق الذين وصفوا المرأة بأنها شقيقة الفضيلة وحليفة الطهر والعفاف... إلى غير ذلك من الأوصاف التي أثبتها لها أفضل العلماء والحكماء والفهماء. أما السيدة مريم مكاريوس فتمضي من المنطلق نفسه الذي بدأت به زميلتها, وتقول: ان مقالته حفلت بالشواهد التي تؤكد التحامل على المرأة والاجحاف بحقها, وانه لا يعتمد في أقواله على العلم وإنما على اعتقادات شائعة أصلا بين العامة. وتواجه مريم مكاريوس الأدلة التي ذكرها الشميل من علوم التشريح بقولها انه إن كانت ضخامة الجسم والقوة والوحشية تعدان امتيازا من وجه, فلطف القوام وحسن الخلق يعد امتيازا للمرأة من أوجه, والانصاف يقتضي ذكرهما عند ذكر غيرهما. أما كون تقوس القدم في الرجل وانبساطها في المرأة دليل على ارتقائه أكثر منها, فالانصاف يقتضي ذكر الشواهد التي تثبت صحة العكس, أو على الأقل توازي ما بين الجوانب كلها بالحق. وأخيرا, ترفض مريم مكاريوس أن يكون الرجل أعظم عقلا وادراكا من المرأة كما يزعم الشميل, وتقول ان الباحثين المنصفين لم ينكروا الذكاء والعقل في المرأة, وإذا كان الشميل ذهب إلى أن ثقل الدماغ دليل قاطع على كبر العقل, فإن كبر العقل بمعزل عن ثقل الدماغ فيما يقول علماء كثيرون. وتختتم مريم مكاريوس دفاعها عن المرأة بقولها ان نصيب المرأة من الفضائل يشهد به المنصفون الذين لا تعد منهم الدكتور شميل الذي يبدو انه تراجع فيما بعد عما ذهب إليه.