استيقظت فجرا على غير المألوف. استيقظ فجرا كما هو مألوف. تعرف ان لا مألوفها.. يذكرها بمألوفه. كانت الاشياء حولها ميتة, هذا القدح الذي جف ماؤه. هذه الزهرة الذابلة. هذه العتمة التي ترفض ان يبددها ضوء النهار, هذا السكون الذي يحيط بها ويضيق عليها جدران غرفتها. كانت الاشياء حولها ميتة, هذا القدح الذي جف ماؤه. هذه الزهرة الذابلة. هذه العتمة التي ترفض ان يبددها ضوء النهار.. هذا السكون الذي يحيط بها ويضيق عليها جدران غرفتها. كانت الاشياء المحيطة به.. تتحرك. الكتب التي تخاطب عقله. نسائم الصباح العذبة. زقزقة العصافير التي تستبشر بالحياة وهي في مطلعها البكر. المذياع ينقل صلاة الفجر. الضوء يتسلل من زجاج النافذة بهدوء. اعتاد صحوة الفجر.. هدوء.. امتلاك الفجر. اعتادت النوم القلق والوحدة القاتلة وغربة الفجر. ما الذي يفعله الان.. تسأل. ما الذي تفعله الان.. يسأل. كل يفكر على نحو خاص به. كل يشغل وحدته وفق الطريقة الملائمة لحياته.. وكل لا يعلم ان كان الاخر يفكر به ام لا. الرسائل.. صارت تبتعد.. شيئا فشيئا. المسافات صارت ابعد مما كانت, كأنها استطالت. كأن احدا اراد هذا وانجزه كما يرغب.. حتى يكون كل واحد منهما في وضع قلق نحو الاخر.. ثم نحو الاحتمال.. ثم نحو النسيان الى الابد! هل يمكن ان يكون هذا.. هل تنساه. هل ينساها؟ كان النسيان اختيار. كأن الذكرى اختيار. كأن البدائل اختيار. ناقشا هذه المسألة وسواها سوية.. ثم ناقشاها على انفراد ارادته صديقا اثيرا, وارادها حبيبة اثيرة. الاثرة.. جمعت بينهما.. تحولت الكلمة بينهما الى ما يشبه العطر.. يبدأ بقطرة.. ثم يملأ المكان بهاء ونشوة. وجدت في نفسها رغبة ملحة لسماع اخباره. للحديث معه.. لأن يكون الوقت كله له, له وحده وليس لأحد سواه.. كأن لا احدا سواه. ووجدها تملأ فراغ روحه التي امتلأت بكلمات الآه.. حتى ليختنق بها.. كأن يتأملها في سماوات بهجته, وفرحته وألق روحه بها.. كأن الشيء الذي فيها حاجة لا قدرة له على الحياة بدونه, كأنها انفاسه التي بها يتنفس مديات الحياة كلها. كان يصغي اليها, وعلى الحب والألفة والصداقة الرحبة يناقشان جوهر هذا الكون الذي يتعلقان به مثل مصباحين في عتمة روح منسية. يختلفان, يتفقان. يختصمان, يغضب احدهما من الاخر. يضحكان معا.. ومع ذلك يحزنهما ان يدركا ان لحظة الافتراق قد اقتربت. كان يحدثها عن الفجر في ولادته.. والصبح وهو يتسلل بهدوء. كانت تحدثه عن اجمل اوقات النوم.. فجرا.. وهي تحلم بحدائق موعودة. بهجة الفجر, ميلاد حياة واحلام ورؤى وافكار, يتسع لها الزمان والمكان.. يتسع لها القلب, وترسخها ذاكرة يقظة.. يشرح لها هذا, تتأمل مفرداته وهو يوضح بحركات اصابعه. يستعين بأصابعه عليها تسعفه في الايضاح.. في وسيلة الايضاح.. تود لو تمسك اصابعه, حتى تمتحن درسه.. كيف يعبر, كيف هي اصابعه, ما ارتفاع الحرارة في عمقها, وكيف ستكون نبرات صوته وهو يتحدث اليها وحدها.. وهو يؤثرها على نساء الارض جميعا؟ في عزلتها, تأملت كتبها. اختارت مسرحية: (بيت الدمية) لأبسن. تساءلت مع شخصية (نورا) عن اكثر واجباتها قدسية, فحصلت على اجابة تقول: ان على رأس واجباتها.. يأتي واجبها نحو زوجها واولادها.. ذلك الكلام لم يعجبها.. احست انها على الضد منه. اجابت (نورا): انه واجبي ازاء نفسي, فأنا قبل كل شيء كائن بشري, شأنك انت تماما, وبودي على الاقل ان اصبح كذلك, هذه تجربة تقرأ ابعادها, وهي لا تريد ان يكون الزواج مهنة اجتماعية, ولم توجد في هذا الكون.. حتى تكون لعبة الرجل, القادرة على اغوائه. يسأل نفسه. يرى ان امرأة جميلة الشكل لا تجمل حياته, ما يجملها اشياء اخرى, اشياء يحس جمالها, حسب لها ألف حساب. منها.. صدقها, الق روحها, صحوة ذهنها, طيبة قلبها. شفافية النفس الطاهرة التي تبدو ناصعة البياض.. في اعماقها. لا شأن له بخصر رشيق اهيف, ولا تكورات جسد مشدود. جسم يراقب صاحبه العناية به.. يساعده الاخر على العناية به.. جسم معافى. تسأله: الا ترى ان الجمال سمة المرأة! بلى.. ولكن ليس في شكلها الخارجي حسب.. فلا أهمية لشعر يتهادى مثل شلال لا تجعله خيوط الشمس يتوهج.. وسهر الليالي يضيء مدياته.. ولا وجنة تتورد مالم تعصف بها الريح.. ولا وجود لكل الحدائق مالم تقترن بزي المرأة وعطرها, ولألأة روحها. كل المخلوقات في البر والبحر, تعد نفسها حتى تكون في جيدها تارة او في ساعدها تارة اخرى.. او فوق كتفيها تارة ثالثة. كل الازهار والنباتات.. تتلون وتتعطر. حتى تكون في بهاء امرأة تتألق. تعرف كل هذا. يعرف كل هذا.. لكنه يقول: عمر الوردة قصير.. وانا اريدك العمر كله. تبتسم. تقول في سرها: تعال نقترن على ان يكون الاقتران واحد: حب وحياة.. شيء واحد. وجود واحد. يبتسم, يقول في سره: اضمن حبي لك.. ولا اضمن حياتي.. هنا الاشكال بيننا. يكشفان السر معا. يبوحان به, يعلن كل واحد منهما ما قاله في سره. تتحدد الابتسامة. تصبح في الجو فراشات ملونة. تسأله: الا يهمك جمالي؟ يهمني جمال روحك. يسألها: الا تشغلك افكاري؟ بل هي سر تعلقي بك. وما بين الجمال والذاكرة, كانا يرسمان معا الق عالم يحلمان به.. حلم ان يقترب احدهما من الاخر.. يلتحمان في قبلة تنصهر فيها روحيهما معا.. يذوبان في كون معافى.. مملوء بالمهرجانات واللغات واسراب من العصافير ونسائم معطرة. يحلمان.. يحلمان. تستيقظ من فجر احلامها على غير المألوف. يستيقظ من فجر احلامه.. كما هو مألوف. حسب الله يحيى