ترسم الأعمال القصصية والروائية للأديب أحمد الشيخ صورة لدراما الصراع السياسي الاجتماعي المصري منذ أوائل السبعينيات وحتى الآن, وقد أصدر أحمد الشيخ سبع مجموعات قصصية وثلاث روايات وفي هذا الحوار نتجول في العالم الروائي والقصصي لأحمد الشيخ. * مجموعتك القصصية الأولى جاءت تحت عنوان (دائرة الانحناء) .. الانحناء لمن بالضبط؟ ـ كانت المجموعة كما يوحي عنوانها المنشور محاولة للخروج من دائرة التبعية أو الضعف, محاولة للإحياء والوثوب بالانسان المصري إلى مكانه الطبيعي خارجا من دائرة انحنائه التي فرضت عليه في أزمنة الغفلة والاستعمار على وجه التحديد. * من الواضح أنك كنت مشغولاً برصد ظاهرة العنف الاجتماعي في هذه المجموعة وكانت الظاهرة قد بدأت تزحف على مصر منذ أواسط السبعينيات؟ ـ بالنبسة لظاهرة العنف كانت قد أتت بالفعل وكان لها حيز في حياتنا بشكل عشوائي, عنفوان سلوكي بشري إزاء الذات, وليس إزاء الآخرين فقط وبالضرورة كان يلزم التنبيه إلى مخاطر هذا العنف لأنه عنف اجتماعي كفيل بتدمير أي مجتمع ولعلها كانت البدايات فعلاً التي رصدت هذه الظاهرة. * لو انتقلنا إلى مجموعة (كشف المستور) بعد مجموعة (النبش في الدماغ) فما هو المستور الذي كان يعنيك الكشف عنه؟ ـ كانت ظاهرة العنف التي عبرت عنها في (النبش في الدماغ) قد أفرزت ما يمكن أن تسميه بظاهرة (التبجح العام) من يسرق يسرق, ومن يقتل يقتل, ومن يتخلى عن دوره الاجتماعي يتخلى, حالة من حالات تبرير الانسلاخ الذاتي, وممارسة الضياع عبرت عنها (كشف المستور) حالة من الانسلاخ عما يجب أن يقوم به المواطن تجاه الآخر, وكانت رغبتي كبيرة في كشف الغطاء عن بركة كبيرة لابد من كشف تعفنها هذه هي (كشف المستور) . * إذا كنا نتحدث عن علاقة أعمالك بدراما الصراع السياسي الاجتماعي المصري فأين تضع مجموعة (مدينة الباب) التي نشرتها عام 1983؟ ـ (مدينة الباب) كانت بداية من بدايات ما سمي بالانفتاح الاقتصادي بعد النصر الذي أحرزناه في عام ,1973 حدث الانفتاح على المستوى السياسي حيث تخلت المؤسسة الحاكمة عن فكرة الاعتماد على الذات والتنمية, وحالة الانفتاح الاقتصادي يطغى فيها النمط الاستهلاكي ويدمر النمط الانتاجي, وربما كانت السلع التي كنا نستوردها ونستهلكها في منطقة الانفتاح (مدينة بورسعيد) صورة من صور التخلي عن أحلامنا التي زرعتها فينا ثورة يوليو والتي حدثنا فيها عبدالناصر عن تأمين القناة والتصنيع والسد العالي والاستقلال الوطني. وكان يجب علينا ترتيب البيت فإن ما حدث هو نوع من التخلي عن أحلام الوطنية المصرية في الاعتماد على الذات والعدالة الاجتماعية. * وماذا عن (البحر الرمادي) ؟ ـ هي محاولة لتخطي أي أزمة مستحيلة: هي نسيج من نوعية الغوص في قاع المصاعب, ومحاولة صياغة تمثال جديد لكاتب قديم أو تسجيل القيمة التي تطرحها (ست الدار) التي هي محور البلد وأساسه في مواجهة (بنت البراري) التي تأتي من وراء الحدود لتسيطر, و(البحر الرمادي) مجموعة يستطيع فيها الرجل المقعد والعاجز عن الحركة أن ينهض بمعجزة ليغيث انسانا استجار به وهي أيضاً محاولة للخروج من مأزق انساني إلى آفاق حلم جديد, هدفه استعادة الذات رغم كل ما حدث في السابق من ضعف يبدو على السطح. * وما هي أهم هذه المتغيرات التي حدثت في القرية المصرية كما رصدتها في روايتك .. نبدأ من (كفر عسكر) ؟ ـ المحور في (كفر عسكر) هو الصراع الذي دار بين أسرتين إحداهما تدعي الأصالة بالمعنى الريفي, والأخرى وافدة من حيز مجهول لكنها استطاعت بأساليب كثيرة أن تزود حيز امتلاكها, وأن تسيطر في فترة زمنية على مقدرات القرية, لك أن تتخيل تاجراً بارعاً يبيع بضاعة رائجة, أو ليست رائجة, لبعض الكسالى الذين يكتشفون فجأة كسلهم وكيف انخدعوا, وفي لحظة إفاقة يحدث الصراع بين البائع البارع والمشتري الذي ابتلع الطعم وتحدث مقاومة الأصيل للوافد بكل ما تتخيله من أشياء وافدة. وليس مصادفة أن يتغير نمط الزراعة المألوف والمتسبب منذ آلاف السنين, أو تتغير أشكال النباتات أو تشتري منتجات المزارع بدلاً من انتاجها. * من الواضح ان رواياتك تزخر بالعديد من أشكال التراث الشعبي وبخاصة الحكايات الشعبية, فما هي الطريقة المثلى التي ينبغي أن يهتدي بها الأديب لاستلهام التراث؟ ـ التراث الشعبي أو تراث أي أمة ليس مسألة مرصودة من خلال العلماء, وانما هي أمر كامن في داخل النفس منذ البدايات, لكن الأديب بما يمتلكه من أدوات الحكي وبما ورثه عن بيئته وبقدر مصداقيته ومطامحه وأحلامه قادر على تقديم صورة حية نابضة بالحياة من هذا التراث, والكاتب لا يقوم بعملية انتقاء انه يتعامل بشكل تلقائي مع التراث أو المفترض أن يفعل ذلك لا أن يقوم بقص ولصق, وهذا التعامل التلقائي مع التراث هو أفضل وسيلة لاستلهامه والتعامل معه أدبياً. * هل تعتقد أن النقد ظلم تجربتك الأدبية؟ ـ في مرحلة ما كان هناك نقد, وفي هذه المرحلة كتبت عن أعمالي دراسات لائقة وموازية لزمن صدور العمل, والآن أصبحت المسألة النقدية تقوم على علاقات ومصالح وتسويد مساحات على الورق, في هذه المرحلة أنا غائب بالتأكيد, وهذه النتيجة تتوازى مع الهزات التي نتحدث عنها فقد أصبح ما هو مطروح هو الترجمة لمن يقدمون أنفسهم كدعاة للفرانكفونية والنظام العالمي الجديد وهذه هي سمة الواقع العام الآن ولكنه لا يقلق أي كاتب له قضية اجتماعية تتجاهل أعماله.