عندما سألني زاهي وهبي عن كتاب لبنانيين من الممكن أن يقدموا شهادات عن العبد الفقير, طارت كل الاسماء من رأسي, وخجلت أن أقدم له اسما أو اسمين لا أدري مدى استجابتهما للفكرة, ودفعني هذا للتفكير, فأنا من أكثر (الجوالين) في البلاد العربية, وفي بعض البلاد لي اصدقاء محددون, وفي بلاد أخرى لا أسير في شارع إلا وأجد صديقا, ومعظم المرات التي سافرت فيها إلى لبنان كانت بغرض السياحة البحت, ولم التق خلالها بالحياة الثقافية, وربما لهذا لم تقم صداقات كثيرة. ولكنني اكتشفت أنه ليس مهما أن تكتب قائمة اصدقاء لكي يكون لك اصدقاء فعلا, فلقد وجدت حولي اصدقاء في كل ناحية, وكان (معن بشور) الكاتب والمفكر هو عرابي في رحلتي اللبنانية ليس فقط إلى الجنوب, بل حتى في بيروت نفسها, وفوجئت أن برنامج رحلتي بين اصابعه, فهو الذي يحدد موعد الندوات, وهو الذي يطمئن على أنني وصلت إلى الفندق, وهو كلمة السر في رحلة الجنوب, وعندما أردت أن أودعه لأشكره, ردت على رسالة مسجلة بأن الرقم قد تغير, أي أنني طوال فترة رعايته لي كنت أجهل رقم هاتفه, واكتشفت من هذه أنني صديق سيىء لاصدقاء البلاد, وأنا أملك تسعة دفاتر لارقام التليفونات, عندما أريد أن أتحدث إلى أحد أبحث بينها, وفي غالب الامر لا أجد الرقم المطلوب, وعندئذ أبحث في أحد أدراج المكتب حيث أحشد الارقام, وإذا لم أجد الرقم, وهذا ما يحدث كثيرا, ربما وجدته بعد اسابيع أو شهور. والطامة الكبرى تكون عندما أريد التركيز على الرقم فأضعه في أميز مكان, ولذلك يضيع تماما. وهكذا رحلت عن بيروت وأنا لم أودع (معن بشور) , وهكذا أضفت إلى وجداني أحساسا جديدا بالذنب. وكان (معن بشور) هو مهندس رحلة الجنوب, حيث طفنا مع المهندس مروان الحدود اللبنانية مع فلسطين المسماة حاليا اسرائيل. وكانت رحلة مليئة بالمشاعر, فها أنا أجوس في أرض حررتها حركة شعبية أثبتت أن السلاح الصغير والمتوسط أقوى حتى من الترسانة النووية. وترى في الوجوه الإصرار, وتقرأ في العيون قصص البطولة, وتوقفت عند السيدة ( هـ) .. ولا أدري سنها, تجاوزت الخمسين بالتأكيد, لكن بكم سنة؟ لا أدري, نحيلة إلى حد يجعلك تحس بالقلق عليها, لكنها تتفجر بالارادة والاحاسيس, أعطت أوامرها بأن ندخل البيت الكبير, وأن نترك الشرفة إلى الصالون, وقدمت لنا كريز (شبعا) والشاي والحلوى, ولم نستطع أن نعتذر عن شيء. سألتها أين كانت أيام الاحتلال الصهيوني, قالت في حزم: هنا! رحل من رحل وبقي من بقى, أما أنا فقلت هذا بيتي ولن أخرج منه إلا إلى قبري, ومضت اثنتان وعشرون سنة, كان الناس فيها يختنقون باليأس, أما أنا فكنت متأكدة أن الأرض ستعود لنا, وها هي عادت. وحتى عندما تركت السيدة (هـ) أمرتنا وهي تطل علينا من الشرفة بأن نرجع مرة أخرى, وبالتأكيد سأفعل. واتجهنا إلى معتقل الخيام, وإذا كان هذا المعتقل هو السبب في تفجر رغبة قديمة في أن أكون مراسلا صحفيا, فهو أيضا كان السبب في انتهاء هذه الرغبة, لقد خطر على بالي فعلا أن أتصل بالأستاذ خالد محمد أحمد استأذنه في أن أكون مراسلا صحفيا لـ (البيان) في الجنوب المحرر, ولكن الامر انتهى من حيث بدأ. فمن المفروض ـ مهنيا ـ أن أجمع معلومات عن المعتقل وعدد السجناء وعدد الجلادين وعدد الحراس, وربما مساحة المعتقل وعدد غرفه وزنازينه, واستغرقتني التفاصيل وغابت عني المعلومات الكبرى. ومنذ وقت طويل وأنا مشغول بقضايا التعذيب, وأتوقف بين الحين والحين عند ظاهرة تحفر في قلبي دروبا, وظاهرة التعذيب قديمة وجزء خطير من التجربة البشرية أو على الاصح من التجربة اللاانسانية, ولكن عقلي يتوقف عند مشاهد معينة لا يستطيع الخلاص منها. مثلا في اسبانيا زمن محاكم التفتيش, كان التعذيب أيامها فنا عميقا, وعلما متقدما, أرى هذا الانسان العادي الذي يعيش حياته بأبسط اشكالها, ثم يقع في أيدي محاكم التفتيش لسبب أو لآخر, مثلا قد يشكوه جاره, أو يعاب عليه علاقة صداقة بمشبوة آخر, أو يخطئ بتبني فكرة مرفوضة. المهم أن صاحبنا وقع في أيدي الجلادين, ولتكن التهمة مثلا أنه يمارس السحر, وبالطبع لا يعترف بالتهمة لأنه لم يمارس السحر أبدا, ولا يعرفه, وربما كان السحر يخيفه حتى أكثر من الجلادين. ويضعون المتهم في بدلة حديدية, ولك أن تتصور الذعر الذي يصيب هذا الانسان عندما يدخل في زنزانة على شكل بدلة لا يستطيع أن يعدل فيها أصبعه, ولكن الذعر هنا ليس مقصودا من الجلادين, انه البداية فقط, فإذا لم يعترف المتهم بجريمته ضاقت البدلة, والمتهم يقاوم الاعتراف بكل جهده فهو يعرف أن اعترافه يعني حرقه حيا. وتظل البدلة تضيق وتضيق حتى يحدث أحد أمرين: اما أن يعترف المتهم وعندئذ يفكون عنه البدلة, ويذهبون به إلى إحدى الساحات حيث يحرق حيا, وإما أن يرفض المتهم الاعتراف ويتحمل التعذيب حتى الموت, وكان هذا مما يغضب الجلادين, فلقد كان يفشل مهمتهم في انتزاع اعتراف. ليس هذا ما حدث بالضبط في معتقل الخيام, ربما أقل منه, وربما أسوأ منه, لكن التعذيب, وكما أن هناك تعذيبا بالكهرباء والسياط والماء الساخن والبارد والايدي العارية, هناك نقاط تعذيب بنقاط الماء تتساقط في رتابة فتصيب السجين بالجنون. وتعرف من اللبنانيين أن الاسرائيليين عندما انسحبوا تركوا اسلحتهم خاصة الشخصية, وهذا يعطيك احساسا بالسعادة, فهذا معناه أنهم انسحبوا هاربين, ولكنك عندما تتأمل الموقف تجد أنه من الصعب تفسير الامر بهذه الطريقة, فلقد كان لديهم الوقت الكافي للاحتفاظ بهذه الاسلحة. ولذلك هناك تفسير أن اسرائيل تركت بعض الاسلحة لتكون أدوات الصراع بين الفرقاء, ونحن نعرف جميعا أن الخلافات اللبنانية كثيرة, ونعترف بها, وأن كنا نخشى أن تجمعها الوحدة الوطنية. ومن الخلافات الهامة مصير العملاء, فالبعض يرى أن لبنان قد خرج منتصراً في حربه مع اسرائيل, والمنتصر يليق به النصر خاصة أن معظم العملاء اقارب واصدقاء وجيران. وأن عددهم يجعل العقاب هينا, ولذلك فهؤلاء يرون العفو عن العملاء, وبدء صفحة جديدة بتآلف لبناني يضم الجميع, ولكن هؤلاء يجدون من يعارضهم, فكيف يستوي الجلاد مع الضحية. هذا الرجل - أو المرأة - الذي عاش سنوات في السجن وجلاده فلان كيف يتعايش معه, خاصة إذا كان الجلاد قد قتل أخاه أو أباه أو صديقه, ألا يمكن أن يكون هذا دافعا للثأر الشخصي ؟ يقول هؤلاء أليس أفضل أن تقوم الدولة بمحاكمات عادلة عاقلة بعيدة عن الثأر الشخصي, وبعيدة عن الاتهامات العشوائية. ويشرد ذهني ـ وهذا ما يجعلني لا أصلح مراسلا صحفيا ـ وأرى شخصا راهن على الوجود الاسرائيلي ظنا منه أنه الرابح, أو لأي سبب آخر, ثم تنتصر المقاومة اللبنانية, وهذا ما يذهله, ويجد نفسه مندفعا إلى اسرائيل, لكن اسرائيل لا تقبله لانها دولة عنصرية لا تقبل من ليس يهوديا حتى لو كان عميلا, ينتظر في الخيام على الحدود لا يعرف مصيره, ويحرقه كل ليلة الاحساس بالخيانة وصلف الحليف العنصري. مرحبا بالجنوب محررا, واصرار أن يتم التحرير كاملا. ووداعا لرغبة قديمة في أن أكون مراسلا صحفيا من خط النار.