يزخر تراثنا العربي بنفائس العلم وكنوز المعرفة في شتى الميادين الفكرية, وكتاب (أدب الشهود) أحد تلك النفائس, ومؤلفه علم من أعلام الفقه والقضاء, وهو الامام الحافظ أبو الحسن محمد بن يحيى بن سراقة العامري البصري الشافعي المتوفى (410 هـ - 1019م) والذي شهدت بفضله كتب الطبقات وكتب الفقه. والكتاب يبحث في الآداب التي يكون عليها الشهود, والشروط التي ينبغي ان تتوفر فيهم لاقامة الشهادة على وجهها الصحيح, وقد قسم الكتاب إلى قسمين, اشتمل الأول على بابين, الاول ترجمة المؤلف وشيوخه وتلاميذه, وفي ثقافته ومنزلته العلمية وكتبه, ووقع الباب الثاني في عشرة فصول تضمنت حقيقة الكتاب ومحتوياته وعنوانه وتحقيق نسبته الى مؤلفه ابن سراقة العامري. أما القسم الثاني فهو القسم التحقيقي وقد جعله المؤلف في عشرة أبواب, وهي فضل الشهادة والترغيب فيها وفي تحملها, وصفة الشاهد وبيان الاحوال التي ينبغي أن يكون عليها, مع بيان اقسام الشهادة وأنواعها, وما يلزم في الشهادة ويجب في تحملها, وفيما يتحمله الشاهد من الشهادة وانواعها, وباب العلل المانعة من الشهادة وصفة استرعائها, وباب في رجوع الشاهد عن الشهادة التي يشهدها. وقد أشار المؤلف إلى ان السبب الذي دعاه الى تأليف كتابه هو ان بعض شيوخ أهل بغداد, لما نظر في كتابه الذي ألفه في أدب الأئمة والحكام, وبيان ما يتعلق بهم من الأحكام, سأله أن يعمل كتابا مفردا في أدب الشهود, لتعلق الحكم بهم, ويجعله مستقلاً عما كتبه في كتب الفقه التي ألفها. وفي وصف دقيق يورد المؤلف كيف يتوجب على الشاهد أن يكون حريصا في شهادته على الآخرين, عبر وصف الوجه, وتفاصيل حركاته أما العلل المانعة من الشهادة فيشير المؤلف إلى أنها خمسة: أن يكون عبدا أو مكاتباً أو معتقاً بعضه أو أخرس أو كافراً أو فاسقاً بأفعاله أو سخيفاً, وكذلك من كان مريضاً. ويورد المؤلف صفات محددة أجمع المسلمون عليها وهي ان شهادة الرجل تكون ذات احقية ان كان الرجل هو الحر, البالغ, العاقل, المسلم, الناطق, البصير, المعروف النسب, المتيقظ, الأجنبي من الشهود له أو عليه, الذي ليس بوالد للمشهود له ولا ولد ولا أخ ولا زوج ولا أجير ولا صديق ولا خصم ولا عدو ولا وكيل ولا شريك ولا جار بشهادته نفعاً ولا دافع عنها ضرراً, المعتدل في أحواله, لا يكون شارباً للخمر ولا شاعراً يعرف بالكذب ولا لاعباً بالشطرنج, يشتغل بها عن الصلاة حتى يخرج وقتها, ولاقاذفا للمسلمين, ولا مقيما على ذنب كبير ولا صغير, ولا ساقط المروءة في لباسه ومعاشه, فعلى الحاكم قبوله, ويستحب للشاهد أن يكون جيد الكتابة, عارفاً باللسان, فان في ذلك عوناً له واحترازاً من الحيل عليه, وكلما ازداد في العلم درجة ازداد في شرف المنزلة علوا وفي علو المنزلة شرفاً. بغداد ـ عالية طالب