صحيح ان الغربان رمز للتشاؤم في المخيلة الشعبية, على المستوى اللوني والصوتي والحركي, وصحيح أن أعمالاً كثيرة تناولت صدى هذا الرمز, وتعقبت دلالته, غير ان هذه الدلالة الموغلة في القدم, أصبحت مستهلكة ورثة, ولم تعد مطروحة بزخمها القديم, حتى على المستوى الشعبي, لأن التشاؤم ذاته, أضحى سمة غالبة, والسوداوية غزت كل المستويات.في بداية قرن جديد يهدر بزوال مفاهيم كثيرة, زرعتها مخيلات قاربت هي الأخرى على الإمحاء والزوال أمر غير محتمل فالقناع المتخذ كعنوان للعمل, غير مقنع خاصة إذا ما قادتنا الرواية .. رواية عبد الفتاح صبري (الغربان لا تختفي أبدا) إلى ان المعادل البشري غير متخف في هدمه وخطفه فصميدة شعبان, نموذج فاضح للوصولية والخيانة والسقوط والتربح غير المشروع تقطر استهتاراً بالنظم والقوانين والاعراف. ثمة روايات وقصص ومسرحيات تناولت الحالة نفسها التي تناولتها رواية عبد الفتاح صبري .. حالة الشقلبات المتواصلة والمتسارعة, لطبقات في عقر الريف المصري, وكل ريف شبيه, ذلك الذي كان إلى عهد قريب, يمضي حياتيا على وتيرة واحدة, بطبقاته الثلاث المعروفة مع استثناءات قليلة تشذ عن هذه القاعدة, إلى أن تبودلت بعض المواقع, لا كلها بضربات حظ لم تستطع الدراسات الاجتماعية تحليلها, والوصول إلى أسبابها الحقيقية, لسبب بسيط, وهو أن هذه التبدلات كما أشرنا لم تتم وفق معايير منطقية تحكمها أو حتى تتوقع حدوثها. مشكلة مثقفي اليوم انهم كما يعتقدون مازالوا طليعة الأمة الذين يكتشفون الخبايا ويكشفونها, ويضعون الحلول أو ـ في أضعف الايمان ـ يضعون أصابعهم على مواطن الداء, غير ان الواقع يقول ان الثقافة لم تعد مرتهنة بنخبة أو صفوة, أنها تشظت, وأضحت ملكية عامة يشترك في ارتكابها الكبار والصغار. فهل يومئ عبد الفتاح صبري إلى هذه الوضعية الجديدة, واتجه بالمثقف إلى دور يخرج كثيرا عن قناعاته الأولى, وناوله مسدسا, موحيا إليه بأن جعل الدماء إلى الركب, هي الوسيلة الوحيدة والناجعة لاعتدال الميزان؟ غير ان الوسيلة المختارة, والملتقطة ـ بتصرف ـ من فيلم قديم للزعيم عادل إمام وفريد شوقي ونيللي (الغول) هذه الوسيلة فشلت فصميدة شعبان لم يمت, لأنه استنسخ في آخر من دمه على الفور ابنه البكر من زوجته الصعيدية. ثم ان البطل ذاته برغم رفعه لشعارات تمنح من النقاء والشرف والقيم, منغرس حتى نعومة أظافره في طبقيته التي محتها الدورة الجديدة, فهو أناني وملوث .. وحتى ولو غطى على ذلك بادعاء محاربة الفساد المستشري, والقابض على أنفاس الجوعى والمساكين وأبناء السبيل, لأنه ـ ومن السياق أيضاً ـ يحارب أساساً في سبيل عودة الأمور إلى نصابها ـ كما يراها هو, وأي نصاب؟ موقعه القديم كمحرك وفاعل ومستفيد أيضاً, متغاضياً تماماً عن تطلعات الآخرين, رغم ان الفروقات بينهما نسبية. لم يكن البطل اذن نقيا أو طاهرا أو صادقاً أو محارباً في سبيل قضية عامة أو مبدأ أو أيديولوجية, فالفساد نسبي بين طرفي المعادلة, وأبطال الرواية جميعا مطعونون في نقائهم برغم عمليات التجميل القسري, التي تجعل من ركوب زكريا اسماعيل الموجه الجديدة المرفوضة تحصيل حاصل, ورغبة في العيش ليس إلا حتى الأم التي تمثل زمناً من المفترض أن يكون جميلاً, وأراها الكاتب خلف مقتضيات حاثة على السقوط, فأضحت هي الأخرى مجرد زيت فقد لزوجته, لترس لم يعد في حاجة إلى هذا الزيت الخرب, لأنه أصبح يدور بالحث الذاتي! فهل أراد عبد الفتاح صبري قول ذلك؟ السياق ينفي هذه الاحتمالية ايضا, لماذا؟ لأن ثمة اصرار على تضخيم الذات, ولفها ببطولات زائفة تكشف أكثر مما تخبئ, تكشف عن نزعة تقاطرية فجة تقول: آه لو كنت مكانه ـ مكان الحاج صميدة شعبان, وآه لو عادت أيام زمان, لأصبحت الآن على قمة هرم زوسر. كل ذلك بادعاء فروقات تجوز ذلك, وهي ادعاءات تمثيلية غير متقنة لا تقدم ولا تؤخر, إذ ماذا فعل البطل لصميدة ومتولي بقر وغيرهما في سيرتهم الأولى المعبأة بكل ما يشين الشاهد, أو الراوي, قبل أن يتسيدوا ويركبوا مهرة الزعامة؟ مجرد حكي وتوصيف غير مجد في ملتي أو اعتقادي! وأراني مضطرا لطرح أسئلة, قد يراها البعض لا لزوم لها, ولكنها بالنسبة لنا تدخل في صميم البناء, طالما أن الرواية واقعية, ولا تندرج تحت تشابكات الفنتازيا أو حتى الواقعية السحرية: كيف سافر الراوي البطل بعد خروجه أو هروبه من سجن القرية ـ الكائن بدوار العمدة؟ بمعنى: كيف استخرج جواز السفر؟ وكيف حصل على تأشيرة الدخول الى البلد الآخر؟ هناك قضية قتل اتهم فيها البطل بقتل بديعة المجنونة عمدا, ومع سبق الاصرار والترصد, ولا يمكن إخفاء معالمها, حتى وان انتهى الأمر في دوار العمدة .. فلماذا اختزل الكاتب هذه المشكلة في أسطر قليلة, رغم ان العمل قائم أساساً على التفاصيل والحكي؟ الرواية ببنائها الذي يشبه البيوت الريفية القديمة, تروي لنا ما مضى, وما نعرف وما نشاهد بحيادية تنقصها العين المنقبة, وأعني من ذلك أنها غير محكمة تماماً, لأنها ببساطة لم تقو بعمد تحميها! فالراوي البطل, يحمل على أم رأسه ـ أو يحملها ـ بتعسف ظاهر, كل الأحداث والأقدار التي تحدث في قريته (القرينين) امتداداً لعموم مصر المحروسة, كبطل اسطوري, بلا معاون, غير مسماره الهمام الذي طعن كثيرا في لبد, كإنجاز أول يستعرض به ملكاته, ثم أفكاره الهيولية عن النقاء الثوري, والتي أدرج بعضها في هامشه الثاني الذي وضعه في أول الكلام مخالفا عرف الأوائل والأواخر, يستعرض ذلك بتوصيف وسرد متواصل تزينه نقاط عشوائية لا ضرورة ماسة لها, أو حتى وظيفة, كل كلمتين تقابلهما نقطة. والرواية ـ ليست فضحاً أو تنويرا, لأن الفساد لم يعد مستترا ولو بورقة تبلغ بل يمارس جهارا نهارا, وكلنا متهمون به إما بالمشاركة أو بسوء النية أو بالتمني! ونراها رواية حسب المعنى الدارج للكلمة, لأن الكاتب يروي بالفعل أحداثاً, غير ان الفعل ـ يروي ـ في حد ذاته لا يصنع وحده رواية جيدة وناجحة .. تقليدية كانت أم حداثية, لأنه جزء من كل ينبغي أن يكون ضاما لمكوناته, بصلة ما يستطيع القارئ الواعي التقاطها, ولو حاول الكاتب ابتداع أسباب أو صدامات بسبل فنية, دون عرض النتائج المتاحة, واستنطاقها ما هو منطوق أصلاً, وعلى رؤوس الأشهاد, لكان هناك كلام آخر. كل شيء يحمل في داخله أسباب نهوضه وسقوطه, وما العوامل الخارجية إلا محفزات ليس لها فعل الإزاحة أو الدفع النهائي, أما أن نحمل كل المصائب والسقطات الآتية على أشخاص والترويج لذلك, فهو ما لا أقبله كقارئ يعي الأحوال, ويعي أيضاً فنون الكتابة الروائية, وقد أسأل: لماذا التركيز على المضمون, والإشارة من بعيد إلى الفنيات, أو الإلغاز فيها, برغم ان العمل ابداعي؟ وأقول: ان العمل الذي نتصدى له, همش أساسا فنياته, بواقعية الحكي الزاعق, ولم يضع حكيه في محك تساؤلات أو نقد أو رؤية جديدة أو حتى (ثم ماذا) حتى تترتب عليه فنيات ساطعة نركز عليها, فهو لغوي, وإن استظل في مجمله, بالفعل المضارع, بحركته الممتدة والمشرفة طبيعياً على الآتي واحتمالاته الواسعة, إلا أنه جز هذا الإشراف, ووضعه في محل حكي, لا فعل بكربكة لا آخذها على محمل الاجادة والتميز, والزمن الفني ما إن يظهر حتى يختفي خاصة في استرجاعاته الذاتية وأحلامه, لأن المتخيل والمخفي, كتمه المؤلف, بتاريخ حقيقي, داخل جغرافيا نعرف تفاصيلها جيدا, ولذا لم تقاربني الدهشة طوال قراءتي للعمل, وأحسبها رواية جاءت متأخرة عن أوانها ـ هي بالذات, فلو كتبت قبل خمسة عشر عاما, لكان من الممكن الانتصار لها, لجرأتها, ولرصدها تراجيديات كانت في حينها مطمورة, لا يظهر منه غير ذنبها على استحياء, هذا الذنب الذي ظن المثقفون انهم قادرون عليه, وأن مصيره القطع لا محالة! ولكان من الممكن وقتها القول ان عبدالفتاح صبري يستشرف الهزائم المقبلة .. هزائم الثقافة والمثقفين والقيم والأخلاق والذائقة العامة ـ حسب تعبير استاذنا د. طه حسين, ولاعتبرناه الآن مستنبئاً, واستشرافيا, كما اعتبر الشاعر الملهم (أمل دنقل) بعد قصيدته (لا تصالح) أو من ذوي البصر الحديد, والبصيرة المجتباة, ولكنه لم يفعل, وأوقعنا في إشكالية الصداقة أم الصدق؟ ويالها من معادلة صعبة, حاولنا فيها قدر جهدنا, ارتكاب فعل التوازن, رغما عنا. ومن المميزات التي رصدتها في هذا العمل جرأة الكاتب في طرح جوانيات أبطاله وسلوكياتهم, بتلقائية, وبدون رتوش تبريرية, وكذلك التنقل بسلاسة من الحاضر إلى الماضي والعودة, بطريقة غير مفتعلة, واعتماد طريقة النفس الواحد في الرواية, وهي طريقة لم تجرب كثيرا, إلا في أعمال روائية قليلة, لصعوبتها إذا ما تغاضينا عن الهامش الثاني, وواصلنا القراءة بدونه, إضافة إلى الصدق الفني في الطرح, وعدم الاعتماد على توريات أو فذلكات أو اختلافات أو احالات غير مبررة, فهي تقول كل ما لديها مباشرة, تاركة للآخر حريته في الفعل المضاد, دون أدنى إرباك للقارئ, طرف المعادلة الأهم. فوزي صالح