اعطني سترة واقية وارمني في مياه (البحر) هذا هو بالضبط ما تفعله ادارة حرس السواحل برأس الخيمة سنويا, ففي كل عطلة صيفية يستدعي حرس السواحل علانية مئات الشباب من كل الأعمار الى شاطئ المعيريض حيث يرتدون السترات الواقية ويقذفون بأنفسهم إلى مياه البحر دون خوف أو وجل. وفي الواقع فانه يمكن للمرء أن يتفهم دوافع هذا العمل بسهولة لمجرد الوقوف على الشاطئ ومشاهدة الشباب يفعلون كل شيء يروق لهم داخل الماء والفرح يملأ وجوههم, إذن فهم يغسلون الفراغ بالماء. وقال العقيد سالم سلطان العوبد مدير ادارة حرس السواحل ان الذي نفعله على شاطئ المعيريض هو مشروع رائد وعظيم في اهدافه ويتم تنفيذه بالتعاون مع جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية ويطلق عليه اسم الملتقى الصيفي للشباب وكما هي الحال بالنسبة لكل عمل جديد فانه عندما بدأ المشروع نشاطه قبل عامين لم يعر الشباب الأمر أهمية تذكر خاصة عندما دعاهم حرس الحدود الانضمام إلى برامج الملتقى حيث اعتقدوا ان ذلك كغيره من الأنشطة الجافة ولذلك وقفوا موقف المتفرج. ولكن حينما تكشف المشروع على حقيقته وبرز كمشروع يحمل العثارة والمتعة اندفع أولياء الأمور وهم بصحبة ابنائهم الى شاطئ المعيريض. ووصف العقيد العوبد الاقبال في السنتين الأخيرتين كان مفاجئا حيث قفز العدد إلى ألف طالب. وقال نحن نستفيد من البحر الذي يعشقه الشباب في الوصول إلى أهداف رئيسية هي قتل فراغ الشباب واثراء قدراتهم بالمزيد من الخبرات والمهارات والبحرية. ومضى قائلاً: لقد نجحنا في ايجاد موطئ قدم لمشروعنا الذي اخترنا له اسم الملتقى الشبابي في المجتمع وخير دليل على ذلك التجاوب الكبير الذي يحظى به من قبل الجمهور الذي كان دائم الاتصال بنا قبل بداية العطلة الصيفية حيث كان يستفسر عن الملتقى وموعد تنفيذه. مهارات بالقاع وفي الحقيقة فان ادارة حرس السواحل لا تفرض شروطا على الراغبين في الانضمام الى الملتقى الشبابي بل كل الذي يتم في هذا الشأن لا تتعدى كونها اجراءات تنظيمية احترازية يقصد بها درء الاخطاء والحوادث. وقال الرائد أحمد رجب: بالطبع نحن نتعامل مع الشباب وهم داخل الماء وليس على البر وبالتالي يتوجب علينا أخذ المزيد من الحيطة والحذر تجنبا لحدوث أخطاء تجلب كارثة لا تحمد عقباها. واضاف قبل كل شيء تقوم بتسجيل المشاركين واعمارهم في كشوف خاصة وتنظيمهم في مجموعات هي التي يتم التعامل معها داخل الماء. وبعد عملية التسجيل يعهد إلى كل مدرب متخصص في السباحة والغوص بمجموعة ليتولى مهمة تدريبها والاشراف عليها اشرافا كاملاً. وقال نحن لا نقدم للشباب سترات النجاة ثم نتركهم ينزلون البحر ليفعلوا ما يشاءون بل نسعى الى تعليمهم المهارات البحرية بشكل علمي سليم. وذكر ان الفترة السابقة من عمر الملتقى الشبابي حققت نتائج رائعة حيث تمكن أكثر من 90% من المشاركين من اكتساب المهارات البحرية بدرجة امتياز في حين انه لم تسجل اخطاء ولو بنسبة ضئيلة اثناء وجود الشباب داخل الماء أو خارجه. الداء والدواء وربما يبدو هذا المشروع الفريد من نوعه عملاً رياضياً ولكنه في الواقع ليس كذلك فهو ايضا يصب في معالجة القضايا الأمنية, وقال النقيب طارق محمد سيف مسئول قسم العلاقات العامة في شرطة رأس الخيمة اعتقد ان الملتقى هو في جوهره دواء لداء اسمه الفراغ, فكما هو معلوم فان الفراغ الناجم عن العطلة الصيفية يمثل مجالاً خصباً يسعى الشباب لاسيما الأحداث إلى قتله بواسطة الممارسات الخاطئة, والتي يغلب عليها الطابع الاجرامي ولهذا فان الملتقى الذي تنظمه ادارة حرس السواحل بالتعاون مع جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف هو اداة لردم الفراغ بالأنشطة البحرية المختلفة والممتعة. عدم المجازفة وبالنسبة للمشاركين في الملتقى فهم يأتون إلى شاطئ المعيريض راجلين وراكبين عصر كل يوم عدا العطلة الاسبوعية. وأوضح مساعد اول ابراهيم محمد بشير لدى وصول المشاركين الى الشاطئ يجدون كل شيء في انتظارهم بدءا من فريق التدريب البشري وأجهزة السباحة والغوص كما يتم توفير وسائل الانقاذ والاسعاف وماء حلو للاستحمام عقب الانتهاء من مهمة السباحة بالبحر. وقال كل شيء يتم وفقاً لبرامج معدة مسبقاً ومحكمة التنظيم حفاظا على سلامة المشاركين خاصة وان بينهم مجموعة من الاطفال صغار السن لا يمكن المجازفة بحياتهم. ومن الواضح ان القائمين على مشروع الملتقى الشبابي يرغبون في الابتعاد بالبرامج عن الطابع المألوف في المدارس أو الأندية, وقال المساعد أول نصر راشد جمعة: اذا لم تكن برامجنا جذابة وممتعة فان الشباب سيهربون منا وهذا ما نعمل له ألف حساب, وذكر ان ما يجري على شاطئ المعيريض ليس سباحة فحسب بل هي برامج متنوعة تشمل إلى جانب السباحة رياضة الكرة الطائرة وجر الحبل والغوص. كما يتعلم الشباب التجديف وقيادة السفن الشراعية والطرادات السريعة اضافة الى قيامهم برحلات ترفيهية وألعاب شعبية مختلفة. وقال الأمر المثير حقا هو ان من يزور شاطئ المعيريض في هذه الأثناء حيث يقام الملتقى الشبابي الثالث فانه يشاهد منتجعا سياحيا يزدان بألوان المشاركين ومشبعا بالألعاب ومشحوناً بالجماهير الغفيرة التي جاءت لتستمع بقضاء لحظات جميلة. وأردف قائلاً: ان البرامج التي ينفذها المشاركون خالية من الرتابة والجفاف وهذا بالضبط ما يميزها عن الفعاليات الأخرى التي تشاهد كثيراً من المواقع في أنحاء الدولة لاسيما بامارة رأس الخيمة وذكر ان الملتقى يتمتع باجراءات وقائية صارمة في التنفيذ والمراقبة. وقال: بالرغم من حالة الأمان التي تسود ساحة الملتقى فان سيارة اسعاف تقف الى جوار الشاطئ على أهبة الاستعداد تحسبا للاحتمالات الطارئة. ربط الحاضر بالماضي وتشارك جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف في الملتقى الشبابي لطرف رئيسي وهي تسعى من خلال ذلك الى ربط الشباب بالأنشطة البحرية التي ينظر إليها الآن باعتبارها عملاً تراثياً بعد ان كانت قبل عشرات السنين مهمة وضرورية لكسب العيش. وذكر ناصر حسن الكاس رئيس جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف: أنه توجد ضرورة ملحة لكي يتعرف شباب اليوم على البحر ويتقنوا كل الأنشطة المرتبطة ارتباطا وثيقا به. وقال في هذا الصدد لا أتصور أنه توجد فرصة سانحة أفضل من تلك التي هي متاحة حاليا في الملتقى الشبابي الثالث المقام على شاطئ المعيريض لتدريب المشاركين على الأمور البحرية. عض بالنواجز وقبل اكتشاف النفط الذي يعود له الفضل في صنع حياة تقوم على الرفاهية ورغد العيش كانت المهن البحرية تكتسب أهمية لا حدود لها ولكن لم يعد الأمر هكذا الآن إذ انحصرت أهمية البحر في مهنة صيد الأسماك بينما توارت المهن الأخرى خلف مظاهر النهضة الحديثة. وبالرغم من كل ذلك فان جمعية بن ماجد وهي كبرى الجمعيات المهتمة بالتراث في المجتمع لا تزال تعض بالنواجز على جميع الأنشطة البحرية. ومن وجهة نظر رئيس الجمعية ان المحافظة على المهن البحرية هو في الحقيقة واجب يتعين القيام به جيلا بعد جيل لان فيه تذكيراً بما كان يفعله الآباء والأجداد في السنوات الغابرة من صراع مرير من أجل (الديرة) ولقمة العيش. واضاف قائلاً: بالطبع فان دورنا في الجمعية التي تحمل اسم عالم البحار العربي أحمد بن ماجد لا يقتصر على عملية جمع التراث وتخزينه ليكون بعيداً عن الأيادي المخربة وانما ايضا الاجتهاد وباخلاص في عرضه على الناس جميعا بقصد المعرفة النظرية والعملية, ولحسن الحظ لا يزال يوجد في وقتنا الحاضر نفر من أبناء الوطن لديهم الخبرة الوافية في شئون البحر والتي تساعدهم على صقل الشباب وتدريبهم بشكل جيد على المهارات البحرية مثل الغوص والسباحة وقيادة السفن الشراعية وذكر الكاس ان الكرة الآن في ملعب الشباب حيث يتوجب عليهم الانضمام الى الجهود المبذولة لتعليمهم طرق التعامل مع البحر. وقال: حينما نفعل ذلك ويكون الشباب على دراية تامة بالبحر فاننا نكون بمأمن من تطورات الحياة مستقبلاً خاصة اذا كانت عكس ما هي عليه الآن. سليمان الماحي