في مدينة هانوفر التي تقع على أطراف السهل الشمالي الكبير, كل شيء في تلك المدينة يدعو إلى الرحلة عبر الزمن, مدينة كانت شوارعها مزدهرة بالمجاعة, وأحياؤها تزخر بعدد من البيوت والقصور والمساكن, هذه التي أنجبت السفاح هانوفر, عندما أصيب المجتمع بكامله بالتهكم والزهد, هذا الذي وصفه سبينجلر في كتابه قائلاً: (إن الأفق مظلم حقاً, والغروب آت لكننا لا نعرف إذا كان يبشر بتعاسة الليل أو بمجد صباح جديد) , وبعد كتاب (تدهور الحضارة الغربية) الذي عبر فيه عن تشاؤمه قائلاً: (ليس الانسان هذا الكائن الحليم المتعطش إلى الحب, هذا الكائن الذي يدافع عن نفسه عندما يهاجم, لكنه على العكس كائن يحاول إرضاء غرائزه العدائية على حساب أخيه الانسان واستغلال عمله من دون تعويض, وجعله أداة لتحقيق ذاته من دون رضاه, والاستيلاء على أملاكه وإذلاله) . تسببت مرحلة ما بعد الحرب في كثير من البلبلة في البلاد, فالحرمان والهزيمة كلها أمور قامت بتسديد ضربة قاضية لمعنويات الشعب, وكان القلق من الحاضر والخوف من المستقبل مجرد كابوسين, بل جاءا نتيجة وضع مادي سيئ, فتحولت الحياة اليومية إلى كفاح دائم لتأمين الغذاء والوقود واللباس, وأثارت حالة العوز هذه توتراً شديداً في منطقة هانوفر. وفي فيلم بيضة الأفعى لأنجمار برجمان الذي عرف كيف ينقل أجواء هذه الحقبة, نرى حصاناً يقتل في الشارع ويقطع, ثم يباع إلى المارة قطعاً من اللحم الدامي. وهذا يميز الفساد والسوق السوداء في ألمانيا في تلك الحقبة, لكن, لكل أزمة أناسها المستفيدون منها, فعلى سبيل المثال ازدهرت أعمال المهربين الصغار والكبار الذين اختلطوا بالطبقة البورجوازية المحتالة في الأماكن المشبوهة, ذلك ان الفوضى الاجتماعية تترافق وانحلال الأخلاق بالكامل. ويقول معلق الفيلم بأن هذه البيئة الاجتماعية والأخلاقية كفيلة بأن تنجب سفاحين عاشوا اليأس والظروف المضطربة حيث كانت الشوارع مزدحمة بالعاطلين عن العمل والمحطات بالمهجرين. محمد خليفة