منذ أكثر من 70 عاما.. أنشد محمد عبدالوهاب مواله الجميل المفعم بعذوبة الشجن يقول فيه: أشكي لمين الهوى.. والكل عُزَّالي أضحك لهم.. والبكا غالب على حالي آه من عوازلي, وآه من قلبك الخالي لا أدري لماذا ظل هذا الموال بكلماته البسيطة هذه, يلح على الخاطر ونحن نشق طريقنا مبحرين في كتاب (الامتاع والمؤانسة) لصديقنا الذي يصحبنا في تغريبتنا الراهنة (أبو حيان التوحيدي) ؟ لقد جاء كتاب أبي حيان ثمرة 37 ليلة من الحوار المفيد والأحاديث الطلية والمناقشات المؤنسة التي طرقت كل باب من الفن واللغة ومن الأدب والفلسفة.. وبعدها عمد أبوحيان جزاه الله وهو في جواره كل خير الى أن يودع هذا كله في كتاب يقدم فيه الى الناس ذوب نفسه وقدح فكره وثمارا يانعة ناضجة من تحصيله عبر سنوات من الشك واليقين, ومن المعاناة والشظف ومن التطلع والاحباط والحرمان.. وكله من أجل أن يؤنس القارئ ويزجي اليه متعة تروق للفكر وتسعد الوجدان.. كل ذلك فيما ظل أبوحيان فقيراً.. ضائعا.. منسيا وفريسة للجحود والانكار وعدم التقدير. هكذا كان أبو حيان يمتع مجالسيه ويؤنس قارئيه, وكان يضحك في المجالس ونفسه بين جوانحه تبكي حظ صاحبها وقد فاته الكثير الكثير مما كان يستحقه من يسر الحياة ورغد العيش.. الا تصدق عليه, كما أسلفنا كلمات عبدالوهاب: (أضحك لهم.. والبكا غالب على حالى) أو تصدق عليه عبارات: (آه من عوازلي.. وآه من قلبك الخالي) مع تعديل بسيط ولكنه جوهري على التحقيق فلا تظن أن صديقنا آبا حيان كان يهمه القلب الخالي للحبيب المجهول في قليل أو كثير.. ولكن نحسبه كان يئس من جيبه الخالي.. فلم يكن أبو حيان - كما أخبرنا العلامة الأستاذ أحمد أمين - يحتكم من متاع الدنيا سوى على 40 درهما يتعيش عليها طوال أيام الشهر الثلاثين ولما كان الأستاذ أحمد أمين أعرف الناس بمثقال العملة البغدادية منذ ألف سنة حين عاش صديقنا أبو حيان, فقد أجرى أحمد أمين حساباته على أساس أن أبا حيان كان يعيش على ما يعادل جنيها مصريا واحدا في الشهر.. طبعا بحساب الجنيه أيام أحمد أمين نفسه, وربما كان ذلك في عشرينيات أو ثلاثينيات القرن الماضي حين كان للجنيه شَنَّه ورَنَّه.. ومن ثم فقد تصل قيمة دخل التوحيدي الى نحو 20 جنيها أو فلتقل حوالي مائة درهم من عملة زماننا وتلك مبالغ لا يحسد عليها أبو حيان في كل حال رغم أنه كان مفكرا وأديبا وأستاذا وفيلسوفا . وكل هذا بمائة درهم.. يا بلاش! كتب الأستاذ أحمد أمين مقدمة من أجمل وأعمق ما يكون لكتاب الامتاع والمؤانسة ولا يستطيع القارئ أن يفصلها لفرط دسامتها ودقة طرافتها عن متن هذا السفر الكلاسيكي الجميل.. وعلى غير عادة أحمد أمين في أسلوبه المباشر بغير محسّنات فقد آثر أن يسعد قارئه بعبارات فيها ما فيها من بلاغة السرد وعمق التحليل وجمال الايجاز حيث يقول عن أبي حيان التوحيدي: - (لقد مدح وأطرى, وبكى واشتكى, وهدّد وأوعد, فما نفعه مدحه ولا ذمُّه, ولا اطراؤه ولا هجاؤه, فان استفاد شيئا مما عاناه أبو حيان فإنما هو الأدب بما كتب وأَلَّف وبما هجا واستعطف وها أنت ترى أن رجلا مثل التوحيدي كتب نحو 20 كتابا منها الامتاع الذي صحبناه في رحلتنا الراهنة ويقع في 3 أجزاء ولك أن تتصور من بعد ضخامة الجهد الفكري والابداع الأدبي والزاد اللغوي الذي حشده أبو حيان في سبيل هذا الانتاج المعرفي - الابداعي الضخم الحاشد والحافل .. ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا بل الذي استفاد - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - هو الأدب.. أما أبو حيان, الفقير الغلبان فلم يغنه ذلك شيئا بل كسب صلاة النبي.. كما يقول المصريون.. لاعجب أن يكتب أبو حيان عن كتبه هذه الكثيرة الحافلة في عبارات مريرة مازالت ذاكرة العبد الفقير تحفظ كلماتها يقول: - إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم, ولمّد الجاه عندهم, فحُرمت من ذلك كله.. ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة الى أكل الخُضر في الصحراء والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة والى بيع الدين والمروءة, والى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق والى مالا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح في قلب صاحبه الألم) .. هكذا أضاعوك يا أبا حيان.. وأي فتى أضاعوا .. جمعت كل هذه الكتب وما حوته من معا رف ومباحث وما أزجته الى عمود العربية من ضروب الحكمة والفلسفة وأحاديث الآداب والفنون وكان هدفك - كما تقول - عقد الرياسة بين الناس.. تحاكي سيرتك هذه تراجيديا عبقري آخر في تراث العربية هو أبو الطيب المتنبي.. الذي استهل حياته الباهرة بقولته: - أي محل أرتقي أي عظيم أتقي ثم هان به الحال الى أن مدح المتنبي عبدا حبشيا ساقته الأقدار يوما الى أريكة الحكم في مصر المحروسة - كافور الاخشيدي - وربما كان يُنشده الشعر من تحت الضرس حين يقول: قواصد كافور توارك غيره ومن يقصد البحر يستقل السواقيا وهكذا اكتملت فصول المأساة عند الاثنين فلا المتنبي نال إمارة كان يطمح اليها ولا ولاية بل كانت نهايته الفاجعة على يد قوم نكرات مجهولين من قطّاع الطريق, ولا صاحبنا أبوحيان نال المثالة بين الناس ولا عَقَد الرياسة بينهم ولا مّد الجاه عندهم.. بل ظل فريسة التجاهل والتهميش يقصد الامراء والوزراء - كما يقول أحمد أمين - لعلهم يكافئون علمه وأدبه فلم يحظ من كل ذلك بطائل.. ثم تدهورت به الأحوال المادية فكان أن قصد الصحراء يقتات من أعشابها يوم عز القوت في بيت عبقري نابه يسمعه الكبراء حين يتفلسف ثم ينسونه حين يريد أن يأكل ويلبس ويعيش, وهاهم يطرحونه جانبا يكادون ينبذونه نبذ النواة بعد أن يفرغوا من أحاديثه وأسماره وإمتاعه ومؤانسته. مع ذلك, ورغم صداقتنا الطويلة العميقة مع أبي الطيب المتنبي, فنحن نظن أن أبا حيان يفضل أبا الطيب رغم تشابه التراجيديا عند الاثنين.. ذلك هو فضل الأمانة وفضيلة الاعتراف. لقد ظل المتنبي مكابرا حتى آخر لحظات حياته.. ألا تحكي سيرته كيف استغل هذه المكابرة خادمه الخبيث, وربما المتواطئ, حين طلع السراق على المتنبي في الطريق وإذا بالشاعر المسكين يهم بالفرار طلبا للنجاة, وياروح ما بعدك روح فاذا بالخادم اياه ينعي عليه الفرار ممعنا في تذكيره بقولته الشهيرة: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم قال الراوي: فكان أن هتف المتنبي: قتلتني يا عدو الله.. ثم قاتل حتى قتل. من ناحية أخرى, صديقنا أبو حيان قدم لنا سطورا حميمة من أدب الاعتراف قلَّ أن نجد لها نظيرا في آداب العربية, الحافلة - كما لا يخفى عليك - بصنوف التبرير والفخر الكاذب أحيانا ومدح الذات الى حد الخيلاء ألم يعترف التوحيدي بأنه اضطر الى الاستجداء الفاضح.. وطبعا كانت وسيلته هي المداهنة والملق الرخيص؟.. بل بلغ به الأمر الى بيع الدين وسقوط الهمة وضياع الكرامة والمروءة.. ولكم عانى هذا الأديب العالم من هذا كله.. وكم أورثه هذا الوضع المؤسي صنوفا من المعاناة والألم.. وشعورا ممضّا بالاحباط.. فما أبعد الشقة بين هذه النفس الممرورة وبين أن يخرج صاحبها كتابا يبتغي فيه متعة القارئ وإيناسا وحبورا للناس.. وكأنما لسان حال التوحيدي يقول من جديد بصوت عبدالوهاب البلاتيني العذب: اضحك لهم.. والبكا غالب على حالي.