(أدرك الآن أني سعيت العمر لما هو مطلق, وأن المطلق هو قرين الموت, فلا ديمومة ولا ثبات في حياة شيمتها التغيير الدائب) , في هدوء وصمت رحلت الأديبة والسياسية وأستاذة الجامعة الدكتورة لطيفة الزيات والرائدة لجيل من المبدعات في كافة مجالات العطاء العلمي والأدبي في العام 1996. ولدت لطيفة الزيات في مدينة دمياط أقصى شمال مصر في عام ,1923 وتخرجت في كلية الآداب جامعة القاهرة ,1946 وحصلت منها على الدكتوراة ,1957 حيث عملت أستاذة جامعية حتى عام ,1972 ثم رئيساً لقسم اللغة الانجليزية ومديراً لأكاديمية الفنون ورئاسة قسم النقد والأدب المسرحي بمعهد الفنون المسرحية. شاركت الراحلة في مجال العمل الوطني والسياسي, حيث انتخبت وهي طالبة سكرتيراً عاماً للجنة الوطنية للطلبة والعمال عام ,1946 وهي اللجنة التي قادت كفاح الشعب المصري ضد الاحتلال الانجليزي, كما ترأست لجنة الدفاع عن الثقافة القومية منذ عام ,1979 وعضوية مجلس السلام العالمي, وعضوية أول مجلس لاتحاد الكتاب المصريين, وشاركت لطيفة الزيات في اصدار وتحرير الملحق الأدبي لمجلة (الطليعة) الصادرة عن مؤسسة الأهرام, ولم يقف العمل الاجتماعي والسياسي حائلاً دون ممارسة الابداع في صوره المتنوعة, فقد كتبت الرواية والقصة والمسرحية إضافة إلى النقد والترجمة. ومن أعمالها روايات الباب المفتوح (1960) ـ صاحب البيت (1994) ـ الرجل الذي عرف تهمته (1995) ـ والمجموعات القصصية الشيخوخة (1968), وكتابها لحملة تفتيش ومسرحيتها الوحيدة (بيع وشراء) 1994 وفي مجال النقد ألقت الراحلة الضوء على الواقع الثقافي العربي بمؤلفاتها: نجيب محفوظ الصورة والمثال (1989), صورة المرأة في الرواية العربية ,1989 وأضواء مقالات نقدية ,1994 فوردمادوكس فورد والحداثة ,1996 هذا إلى جانب مؤلفاتها باللغة الانجليزية وأبحاثها في النقد الأدبي الانجليزي, فضلاً عن ترجماتها النقدية المختلفة. ولا شك أن جائزة الدولة التقديرية التي نالتها الراحلة قبل عام من رحيلها ,1995 قد جاءت متأخرة, لتكون لطيفة الزيات هي السيدة الثالثة التي تفوز بها بعد الدكتورة سهير القلماوي والدكتورة عائشة راتب, وعن تأخر حصولها على التقديرية تقول د. لطيفة: لا توجد تأثيرات سلبية أو ايجابية لتأخر الجائزة, لأن الانسان قد يعيش ويموت بدون أن يأخذ جائزة الدولة التقديرية, وهذا لا يتعارض مع فرحتي بالحصول على الجائزة. د. سيد البحراوي الناقد المصري يقول: لعل أبرز مظاهر خصوصية لطيفة الزيات هو أنها تلك المرأة الواحدة قد قدمت للعلم إنجازاً متميزاً في عدد متسع من مجالات النشاط الانساني, فهي دون شك واحدة من أهم مثقفي ومثقفات الوطن العربي كاتباته وناقداته, وأساتذة جامعاته ومناضلاته السياسيات, ولا شك أن هذا التعدد في مجالات النشاط والانجاز, كان يحتاج إلى جهد ووقت وذات قوية ومثابرة وهو تعدد لا نجد له مثيلاً إلا في حالات محدودة جداً على المستوى العربي. تجسد رواية (الباب المفتوح) والتي صدرت عام ,1960 تجربة فتاة من أسرة متوسطة تعيش في القاهرة, وتخوض معارك صغيرة مع الآخرين من أجل اكتشاف الذات, والبرهنة على الحضور في ظل واقع مكتظ بالممنوعات, تسيده الرجال وحدهم, ومن ثم تتمرد الفتاة ويتنامى وعيها بضرورة المشاركة في العمل الوطني, وعن تلك الرواية تقول الدكتورة لطيفة الزيات: تجربتي في الأربعينيات, أي أنها تسجيل لرؤيتي للحياة في الأربعينيات) . ويرى الناقد عبد الرحمن أبو عوف: ان هذه الرواية سجل واسع للأصداء السياسية والاجتماعية لهذه المرحلة وأيضاً تصوير بانورامي ملحمي لنماذج من الشباب المثقف والمنتمي, وتقدم في النهاية صورة للفتاة المصرية المثقفة المتحررة التي تناضل جنباً لجنب مع الرجل في تغيير قيم وظروف مجتمعها وتكسب بذلك عمقاً وأبعاداً جيدة في شخصيتها وقدراتها. أما في روايتها (حملة تفتيش أوراق شخصية) فقد انطلقت لطيفة الزيات من البيت القديم من بين الصور الاسطورية للأجداد البحارة في مدينة (دمياط) وقد كتبت في وصفها للرواية: هي قصة فرد في انحدار مزدهر في البداية ومحبوس في قفص في النهاية) . ويرسم الناقد د. علي الراعي خطوط المشهد الروائي والانساني للراحلة بقوله: ان لطيفة الزيات تمتلك القدرة على سبر غور الأشياء, ما أسمته هي نفسها حملة تفتيش في الذات والروح والناس وفي العالم المحيط, لذلك رغم الكوارث الموجعة التي تعرضت لها على المستويين الشخصي والعام, ظلت قادرة على المشاركة والعطاء من أوسع الأبواب. عاشت لطيفة الزيات حياتها بروح الهواية والتجريب والانخراط الواعي في مجالات العمل السياسي والدفاع عن حقوق الانسان حيث أحست بتشكيل رؤية ما للحياة, وهذه الرؤية التي أنضجتها السنوات القاسية من البحث والعناء, وكعادتها ظلت لطيفة الزيات حتى آخر لحظاتها بإشراقتها المعهودة وضحكاتها الصافية.