تخرج السفن الشراعية المدفوعة بسرعة الرياح من خور دبي محملة بالبضائع او فارغة وعلى متنها عشرات الرجال المجهزين, بمجاديفهم, فعندما تهدأ الريح سوف يكون عليهم أن يدفعوا تلك السفينة في عرض البحر بسواعدهم التي تضرب بالمجاديف في الماء الازرق ، فلا وقت للانتظار فالبحر المنبسط يعدهم بمسافات طويلة باتجاه السواحل الاخرى. شكلت تلك الرحلات الطويلة بالنسبة لرجال المنطقة ثقافة خاصة تعرفوا من خلالها على ثقافات الاخرين, لغة, معتقدات, عادات وتقاليد تبادلوها في طريق ذهابهم وعودتهم. وعندما تتوقف رحلات الغوص على اللؤلؤ يتحول الرجال الى مهنة السفر ونقل البضائع, وكانوا هم وسفنهم العصب الاقتصادي الذي يمد الاسواق بالبضائع والعملة النقدية, اما وجهاتهم فكانت على امتداد سواحل الخليج العربي بضفتيه وامتدادا من البصرة الى ما خلف باب المندب, تعبر تلك السفن بوابة الخليج لتبحر في المحيط الهندي الكبير باتجاه القارة الهندية, وتعود الى سواحل بحر العرب باتجاه القرى الساحلية في سلطنة عمان ثم عدن, وكثيرا ما هاجرت بأشرعتها وبضائعها باتجاه السواحل الافريقية. تلك الرحلات خلفت تراكما ثقافيا كبيرا لدى البحار الاماراتي, اكتسب لغة السواحل وثقافتهم ومنهم من قبل العيش هناك لسنوات طويلة وفيهم من تزوج الا ان اغلب تلك الرحلات كانت تأخذ شكل الاكتشاف وتوثيق العلاقات بالعالم الخارجي, وفي اطار الرحلات التجارية اسست المنطقة لحالة من التوازن الاقتصادي الطبيعي القائم على نشاط اولئك البحارة وسفنهم حيث كان التجار يعهدون الى هؤلاء باموالهم وبضائعهم ليهاجروا بها الى السواحل الاخرى في تبادل تجاري نشط لا تعطله هدأة الريح, فالسواعد السمر هي التي سوف تقطر السفينة الى المدن والقرى الساحلية. ومن تلك الرحلات تكونت الاساطير في ذاكرة البحارة كاسطورة (ابو ريادة) وهي شخصية اسطورية يتحدث عنها البحارة باهتمام بالغ ويصفونها بأنها شخصية جبارة تداهم البحارة وهم نيام على سطح السفينة.. ابو ريادة يسرق الاموال والطعام واذا تم تقطيعه بالمنشار او السكين فانه يعود ليتجمع من جديد.. حكى البحارة كثيرا عن ابو ريادة في رحلاتهم وحولوا بطولاته في الهرب من يد البحارة الى قصص واساطير يحكونها لابنائهم الصغار حينما يعودوا اليهم بعد غياب طويل.. ومثل اسطورة ابوريادة تحدث البحارة عن (غبة سلامة) التي يسكنها الجن وهي منطقة بحرية تقع امام بوابة الخليج في المحيط ويعتقد البحارة ان هذا المكان الذي تشتد فيه التيارات المائية والرياح كثيرا ما تقلب السفن وتغرق بحارتها, لهذا اعتقدوا ان ذلك يحدث بفعل الجان الذي يسكن قاعها البحري.. وآمن البحارة بأنه اذا ما رمت السفينة جزءا من حمولتها في عرض البحار فان الجان يهدأ ولا يتعرض للسفينة بسوء.. وطبعا هذا الايمان غير منطقي لان بدراسة بسيطة لموقع هذه الدوامات والتيارات البحرية والهوائية من الناحية الجغرافية نكتشف ان ما يحدث للسفن هو نتيجة التقاء تيارات المحيط الهندي يوازيه التقاء تيارات هوائية خاصة وان السفن تعبر من مضيق ضيق الى فضاء المحيط الفسيح.. اذن هناك سبب علمي وراء ذلك, لكن البحارة وفي تلك الليالي الخالية من قمر وعلى ضوء المصابيح التي تعمل بالفتائل المشتعلة ومع اصوات صرير سواري الاشرعة تصبح المسألة قابلة للخرافة.. وقد اسس البحارة لهذه الاسطورة قصصا كثيرة ارتكزت في معظمها على بطولاتهم التي حققوها وهم يجتازون (غبة سلامة) و(الغبة) بالمحلية العامية (المياه العميقة) وسلامة تعني ان يعبر منها بسلام فقد نجا. سافرت تلك السفن الشراعية من عدة موانئ ساحلية في الامارات قبل اكتشاف النفط ووصول (مكائن الديزل) التي سوف تدفع السفن بسرعة اكبر.. وكان خور دبي محطة كبرى لهذه السفن المحلية وغير المحلية, لهذا شكلت ارصفته الرملية انذاك ملتقيات لمجتمع البحارة من مناطق عدة, التقى البحارة الهنود بالايرانيين والافريقيون بالمحليين وبعض البلاد العربية, وهذا الالتقاء هو ما ولد تلك الخبرة التي اشتهر بها ابناء المنطقة من البحارة. وحينما دقت الحرب العالمية طبول بارودها كان المحيط الهندي مساحة كبيرة لتحرك الغواصات والبوارج الحربية فامتنعت تلك السفن عن الابحار في المحيط وبدأت تبحث لها عن مسارات ساحلية اخرى وشدت الرحال واشرعتها الى السواحل الافريقية تجنبا للغواصات في تلك المرحلة اجتاحت المنطقة حالة من الركود الاقتصادي اوقفت نشاط تلك السفن التي تعرض البعض منها لبارود الحرب بالخطأ. اسس البحارة المحليون ثقافة بحرية وسياحية كبيرة عن المناطق التي زاروها, وقالوا الشعر في المناطق التي زاروها, واكتسبوا لهجات عديدة, فلا تعجب حينما تجد اي واحد منهم اليوم يتلفظ بعض المفردات الافريقية السواحلية.. او غيرها.. لقد ربطت تلك السفن المنطقة بالعالم المحيط ونقلت ثقافة اهلها وتبادلت معها الحياة.