بعد نجاح الحضارة العربية الاسلامية والحركة الوهابية في دعوتهما القائمة على مبادئ منها ضرورة التوحيد والعلم في جميع ارجاء الوطن العربي وشبه الجزيرة العربية, اذ استطاعت القبائل القاطنة في امارات الساحل ان تتشرب تلك المبادئ وعملت جاهدة على استقرار الاوضاع السياسية, الا انها لم تستطع نظرا للوجود البريطاني في المنطقة الذي اجبر حكام الساحل بعد معاناة قاسية بتوقيع معاهدات الحماية 1820م ـ 1892م, فتشكلت على اثرها قوة ساحل عمان فاصبح هناك استقرار سياسي نوعا ما, مما كون للقبائل في ذلك الساحل ما يشبه الاجماع على (ضرورة العلم) من اجل النهوض بالفكر التربوي والتعليمي. (ديمقراطية التعليم) تعني اتاحة الفرصة لكل انسان للتمتع بحق التعليم دون ان يحول بينه وبين ذلك عائق سوى الظروف الاقتصادية والسياسية والمعيشية ـ التي مرت على امارات الساحل. الا ان الفتوحات العلمية التي انجزتها الحضارة العربية الاسلامية في عصرها الذهبي, قد لعبت الدور المتميز في غرس التعليم لدى ابناء امارات الساحل كلا في محيط بيئته سواء كانت على طول السهل الساحلي المطل على مياه الخليج العربي الذي يعتبر البحر بالنسبة للسكان مصدر الرزق الاول او في وسط الصحراء في واحات النخيل او في المناطق الجبلية التي يعتمد سكانها على الرعي. فقد كان هناك اتفاق بين تلك البيئات الثلاث على ان (الانجازات العلمية) المتميزة التي صبغتها هذه الحضارة, في مختلف فروع المعرفة العلمية ـ بمعناها الرحب ـ هي التي وسعت افق هذه الحضارة, واعطتها الصبغة المتفتحة التي تميزت بها, وجعلتها منارة تمازج بين الشعوب القديمة وحضارتها لعدة قرون, ولقد كان لقبائل امارات الساحل آنذاك نصيبا وافرا من تلك العلوم, حيث استطاع ابناء تلك القبائل من خلال الاسفار والرحلات والتبادل التجاري مع الحضارات الاخرى المجاورة مثل حضارة الرافدين والحضارة الفارسية وحضارة الخليج العربي. ان يستفيدوا من علمائها وشيوخها واكتساب المفاهيم الدينية والدنيوية. كما استطاع عدد كبير منهم من تعلم القراءة والكتابة والحساب ومن ثم حفظ القرآن الكريم والحديث, الشريف. ومن بين هؤلاء المتعلمين علي المحمود رحمه الله في امارة الشارقة وعبدالله بن ناصر النعيمي في خورفكان رحمه الله. وعبدالله عبدالرحيم الوسواسي في امارة ابوظبي وغيرهم. وتلك حقائق امتلأت بها الاسفار التي خصصها اصحابها لتاريخ العلوم الدينية استفاد منها ابناء امارات الساحل آنذاك من (الجنسين) الرجال والنساء. اشتغل عدد من النساء في امارات الساحل بالتدريس, فقد كانت النساء تتلقى العلم, عن الرجال الذين تعلموا على ايدي علماء الدول المجاورة مثل العراق ايران والمغرب وموريتانيا والمملكة العربية السعودية, بالاضافة الى بعض علماء القبائل في امارات الساحل الذين اشتهروا بالعلم والورع والتقوى. ويقمن بالتدريس بدورهن للصبيان وقد اعترف مشاهير الرجال في الدولة الان بفضل النساء, فذكر احدهم وأسمه محمد عبدالرحمن انه تلقى تعليمه على يد احدى النساء في امارة دبي وبالتحديد في منطقة ديرة دبي (فريج المرر حاليا) وكان عمرها آنذاك فوق الخمسين عاما وكانت عالمه. هذا بالاضافة الى امثلة اخرى سنوردها في بحثنا هذا وفي موضعها. المطوع والمطوعة هما الرجل والمرأة الصالحان اللذان وهبا نفسهما تطوعا لخدمة الناس, وقد تعددت المسميات التي تطلق عليهما فهم (الملا او الحجية) عند بعض الناس و(الشيخ والفقيه) عند آخرين و (المؤدب او المؤدبة) عند غيرهم. ثم اتسع المعنى ليدل على معلم الصبيان الكتاب او الكتاتيب وهو المكان الذي تتم فيه عملية تعلم القراءة والكتابة. وقيل المكتب موضع التعليم. والمكتب المعلم والكتاب هم الصبيان. ولم يكن التعليم التقليدي عشوائيا بل كانت هناك شروط واجب توافرها في المطوع او المطوعة في امارات الساحل آنذاك. ومنها ان ينوي المطوع او المطوعة بتعليمه القرآن الامتثال لأمر الله تعالى وارشاد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) . ومن اقوى اسباب خلوص نية المطوع ان لا يجعل من تعليم القرآن وسيلة لكسب الرزق. ومن هذا المنطلق اتخذ المطاوعة الاوائل في امارات الساحل بمجانية التعليم او ما يعرف بالتعليم احتسابا هذا من ناحية نيتهم. اما في حالة اعطاء المطوع او المطوعة شيئا من المال على سبيل المكافأة او الجائزة فلا بأس. فقد يختلف الاجر والمكافأة من مطوع الى اخر فمنهم من يحصل على انات او روبية واحدة كل يوم خميس وتسمى الخميسية على حسب كل بيئة. ومنهم من يحصل على انواع من الشاكليت او المكسرات تعرف باسم (النثور). وكل هذا الاجر والمكافأة لا تساوي شيئا في حياة المطوع, لأنهم كان عليهم مجاراة الواقع البيئي والمعيشي وخاصة في وقت الشدة الاقتصادية التي حلت بالخليج عامة وامارات الساحل خاصة. ومما ذكر الكثير منهم عدم اخذ الاجر من باب الزهد في الدنيا ويستشهدون بقول الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن. وهم في ذلك يجتهدون في التعليم اكثر ممن يأخذون الاجر ـ العوض والاحتساب عند الله فكان ارجى في صحة اخلاصه. يستحب ان يكون المطوع كبير السن ومتزوج وذلك انفى للريب. مما يعني ان المطوع في امارات الساحل آنذاك, لابد ان يجتهد ويتفرغ للصبيان في تزويدهم ضروريات الحياة ومتطلباتها وخاصة من صفات الكمال الاخلاقي لأن اثرها المحمود على المدى البعيد آنذاك يعود على الصبي. اذ انه كيفما زادت الخصال المحمودة في المطوع او المطوعة زاد الصبي به تجملا ورفعة. وهذا الرأي أكده مجموعة من الرواد الاوائل امثال التاجر الشيخ علي بن محمد المحمود التميمي, الذي ولد في الشارقة سنة 1268 هـ/ 1852م وتوفي في رأس الخيمة سنة 1937م واخرون, اذ انهم اكدوا على ان يكون المطوع او المطوعة قدوة لتلاميذهم. اختيار المطوع وقد عرفت العادات والتقاليد القديمة في امارات الساحل عددا من (اليات) في كيفية وجوب اختيار المطوع او المطوعة, فاضافة الى كونهما عالمين بكتاب الله فهما واقراء فإنه حتى يتأهلا للتعليم يتوجب عليهم العلم باللغة العربية والفقه الديني. اذ ان هذه العلوم ضرورية آنذاك لمن يقوم بتعليم القرآن, وذلك حتى تيسر لطالب العلم طرق طلبه, وضمانات تعينهم على الاستمرار فيه, كما حدث للشيخ علي محمود الذي اختار مجموعة من خريجي المدرسة البارزين الذين يتمتعون بحفظ القرآن الكريم واتقان القراءة والكتابة بالاضافة الى الثقافة العالية والموهبة الفذة, حيث ابتعثهم عام 1912م لاستكمال الدراسة على يد الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع في قطر وكان عدد اعضاء البعثة 25 طالبا. وقد تكفل الشيخ علي المحمود, بنفقات سفرهم واقامتهم في قطر, وكلف صديقه التاجر عبدالرحمن بن حسن فخرو بتوفير كل ما يحتاجونه من مستلزمات الاقامة والدراسة, وكان من بين الذين ذهبوا الى قطر الشيخ محمد بن سعيد بن غباش وهو من رأس الخيمة والشيخ مبارك بن سيف الناخي من الشارقة. وكان لهؤلاء نصيبا وافرا في اختيار نوع التخصص. ونظرا للحياة الصعبة وضراوة العيش, حيث كثيرا يذهب المطوع الى البحث عن كسب مصادر الرزق, فسكان الساحل وجدوا مصدر رزقهم في البحر, وسكان الداخل وجدوا مصدر رزقهم في الزراعة والرعي والتجارة. اما المطوعة فقد تلتزم بواجباتها المنزلية تجاه زوجها واولادها, وكذلك في حال غياب الزوج في رحلة السفر او الغوص, اما بعض المطوعات فتكون غير متزوجات مما يقتضي عليهن اعداد مستلزمات الحياة العامة بنفسهما, جميع هذه الاسباب وغيرها, ادت في نهاية الامر الى عدم استطاعة المطوع والمطوعة الانتظام احيانا في تعليم الصبيان. فقد تم اناطة تعليم الصبيان نتيجة تلك الظروف الى الاستعانة ببعض الحافظين والحافظات المأمونين شرعا, بأجر او بغيره في جميع مناطق امارات الساحل. الا ان الواقع البيئي وقبائله كان يحث على ان يلي المطوع والمطوعة التعليم بأنفسهم او يستأجر من يعينه اذا كان في مثل كفايته والسبب في ذلك اعجاب الناس بالمكانة المرموقة التي يتبوأها المطوع آنذاك. مكتب المطوع اجمع العديد من المطاوعة والمطوعات الذين قاموا بتعليم الصبيان, بأن مكان موضع المكتب كان غالبا ما يكون في السوق وشوارع المسلمين او في الدكاكين وفي نهاية عهد الكتاتيب اجمع العديد من المطاوعة والمطوعات بأن كان موضع المكتب داخل المنازل. فعلى سبيل المثال, ذكر الدارس (راشد محمد) وهو من امارة دبي بأن موضع المكان الذي درس فيه هو السوق وبالتحديد منطقة (الرأس حاليا), وتكون الدراسة تحت مظلة من السعف او العريش في فصل الصيف وخيمة في فصل الشتاء. بينما ذكر الدارس محمد عبدالرحمن بأن موضع المكان الذي درس فيه هو فريج المرر (الان) وهو احد الشوارع الذي يتردد فيه الناس آنذاك وكانت الوسيلة التي يتم التنقل فيها حسب ما ذكر على ايام اجداده (احد الحيوانات المستخدمة) اما في عهده وبالتحديد في الخمسينيات فكان ينقلون البنات والاولاد في حافلة (اللوري) وتكون الدراسة تحت مظلة السعف في الصيف وخيمة في الشتاء. وكذلك الحال بالنسبة للدراسين في امارة ابوظبي ومدينة العين كانوا يستخدمون الجمال في بداية الامر ثم (اللوري). وقد ذكر الدارس خالد بدر عبيد وهو من امارة دبي, بأن موضع المكان الذي درس فيه هو منزل المطوعة فاطمة بنت الشيخ خليفة بن جمعة بن غيث ومكانه منطقة الجميرا. بالاضافة الى ذلك, فقد مارس بعض المطاوعة والمطوعات وخاصة في المناطق الشرقية والشمالية مثل رأس الخيمة والفجيرة وكلباء وخورفكان ودبا الحصن والفجيرة وغيرها من القرى التابعة لها, الدراسة في منزل المطوعة او المطوعة او في منزل يشتريه احد التجار ويطلب من المطوع او المطوعة ان يعلموا ابناء الحي فيه, واحيانا يستأجر المطوع او المطوعة بيتا خاصا لممارسة التعليم.و احيانا اخرى يختار المطوع او المطوعة البحر او مزرعة قريبة من شوارع الناس مكان موضع المكتب. وذلك للظروف المعيشية الصعبة التي تقف عائقا في عملية التأجير او شراء مكان موضع التعليم. وتكون الدراسة في فصل الصيف في ساحة المنزل. او تحت مظلة السعف او تحت اشجار النخيل بالنسبة للمزارع. اما في فصل الشتاء فكانت تعقد الدراسة في مكان دافئ مثل عمل سياج من سعف النخيل او خيمة من سعف النخيل وما شابهه ذلك. اما بخصوص المساجد فقد تجنبها العديد من المطاوعة والمطوعات وذلك لاسباب كثيرة منها ان الصبيان قد لا يتورعون عن ازعاج المصلين بضوضائهم, وقد كان يحدث نادرا الدراسة في المسجد وللكبار سنا فقط! وهكذا نجد ان موضع مكان المكتب متشابها نوعا ما في امارات الساحل. قبول الطلبة حدد المطاوعة والمطوعات سن الذهاب الى المكتب ما بين السبع سنوات الى الخمسة عشرة سنة للجنسين, وقد عللوا تحديدهم لهذا السن للذهاب الى المكتب لأن السلف الماضين يقرئون اولادهم في سبع سنين, لأنه زمن يؤمر الولي ان يكلف الصبي بالصلاة والآداب الشرعية فيه.. وقد حذر العديد من المطاوعة والمطوعات من ارسال الاطفال الذين هم اقل من سن السابعة الى المكتب لأنهم من الصغر بحيث لا يستطيعون امساك ضرورة انفسهم. اما بخصوص اختلاط الصبيان في المكتب, فقد حذر بعض المطاوعة والمطوعات ورأوا ضرورة فصل الاولاد عن البنات وخاصة في سن البلوغ خشية وقوع المفاسد, فقد رأى احدهم ان لابد من وضع ساتر بين الاولاد والبنات, ورأى فريق اخر ان لابد من تعليمهم على يد المطوعات ورأى فريق اخر لابد من تعليمهم مع بعضهم البعض لعدم توافر المطوعات والمكان معا. ويظهر لنا من هذه الاراء, ان المطوع والمطوعة لا يقتصر عملهم على تعليم الصبيان بل يتعداه الى تصحيح ما يراه من تجاوزات لدى بعض افراد المجتمع, مثل قبول سن التعليم والفصل التام بين الجنسين, ولو ادى ذلك الى قطيعتهم وهجرانهم حتى يعودوا الى جادة الاستقامة والبلوغ. كما اشار عدد من المطاوعة والمطوعات, انهم لم يدعوا الى عدم تعليم الصبية الذين يتصف اباؤهم ببعض الصفات السيئة, فهم يدعون الى تعليمهم مع عدم اظهار الرضا عن اوليائهم والسبب في ذلك الترابط والتلاحم الاجتماعي بين ابناء امارات الساحل. وكان القرآن اهم ما يتعلمه الصبيان في المكتب وهو حسب اجماع رأي المطاوعة والمطوعات وهو ينبوع كل علم نافع. فقد اتخذ المطاوعة والمطوعات عدة طرق واساليب لتعليم القرآن وتوصيله الى الصبيان, فقد عود بعض المطاوعة والمطوعات الصبيان القراءة في جماعة. بمعنى يقرأ المطوع او المطوعة ويرد عليهم الصبيان. ولكن اتخذ بعضهم الحذر من هذه الطريقة والسبب في ذلك, فإن حفظهم (الصبيان) لا يتأتى بذلك, اذ ان من لم يحفظ منهم لا يعلم حالة اذا كانوا على صوت واحد في الغالب. وقد رأى فريق اخر من المطاوعة والمطوعات اتخاذ ما يرونه مناسبا من الطرق لتعليم الصبيان فإن كان من مصلحتهم القراءة جماعة فلا بأس, ولكن على المطوع والمطوعة ان يختبر مدى فهم كل صبي. وفعلا هذا ما كان يحدث في يوم الخميس, حينما يجري المطوع اختبارا لقياس مدى حفظ الصبي فيقولون (فلان غيب) فاذا استطاع تلاوة الآيات مثلا من الحمد الى الفجر يقولون (فلان غيب) يعني حافظ الآيات. بينما يؤدب المقصر منهم. العلوم الاخرى واضافة الى تعليم القرآن الكريم فإنه يتوجب على المطوع والمطوعة تعليم الصبيان وخاصة الاولاد الخط والاستخراج كما يعلمونهم حفظ القرآن, لأن ذلك يساعدهم على الحفظ والفهم. وقد اجمع عدد من المطاوعة والمطوعات وجوب تعليم الصبيان اعراب القرآن وذلك لازم حسب قدرات المطوع, كما ان الشكل والهجاء والخط الحسن والقراءة الحسنة والترتيل. ويرى عدد من المطاوعة والمطوعات عدم الجواز تعليم البنات الخط لأنه كان مكروها آنذاك, وهذا يرجع الى العادات والتقاليد السائدة في امارات الساحل. اما بالنسبة لوسيلة الكتابة فهناك العديدة من الادوات منها العصا الصغيرة التي يكتب بها على الرمل او الطين اللين او تكون الكتابة بأقلام خشبية تكون مدببة من الامام, وهي تصنع من بعض الاخشاب وعند استعمالها يوضع طرفها المدبب في مادة (المداد) المأخوذة من حيوان النغر البحري ثم يكتب بها. او تكون من الورع وهي عبارة عن بعض الخوص الذي يؤخذ من جذع النخلة مدبب من الامام لكي تسهل به الكتابة. وهناك العديد من الادوات الاخرى مثل ريشة النعامة والطباشير والاحجار البيضاء وريشة حيوان القنفذ. كما رأى المطاوعة والمطوعات انه ينبغي لهم من باب التطوع وليس الواجب تعليم الصبيان الحساب والشعر والعربية وجميع النحو. فعلى سبيل المثال فقد حث المطاوعة والمطوعات تلاميذهم على طريقة المناقشة في حق الفهم وابداء الرأي ونقد الفكر, فكثيرا ما كانت تعقب دروس حفظ القرآن الكريم والحديث الشريف مناقشات قد تثار من قبل المطوع والمطوعة, او من قبل الصبيان بقصد الاستخدام واستجلاء المعاني المطروحة من القرآن والحديث, وشرح ما غمض منها واعراب نحوي لبعضها وتفصيل افكار متصلة بها, او بقصد تعليم التلاميذ كتابة الرسائل والقصص واسمائهم. اما كتابة الاعداد الجمع والطرح والقسمة فقد استخدم القطعة الجيرية على الواح سوداء واحيانا بواسطة عصا صغيرة على الرمل. وتتم العمليات الحسابية بواسطة الحصى حيث توضع في حفرة صغيرة من الارض, وتقسم تلك الحصوات في كل حفرة, وبواسطتها يتعلمون التلاميذ الجمع والطرح والقسمة. اما بخصوص الشعر وكتابة الحروف وغيرها, فقد اتبع المطوع والمطوعة عدة اساليب لتوصيل تلك المعلومات, فمثلا ساد هناك اسلوب التلقين والتلقي او الاستملاء او القراءة والشرح, اما طرق تعليم نطق الحروف فقد اتبع عدة طرق ايضا منها, كتابتها على الرمل المبلول بالماء او على اوراق صفراء او على جلد حيوان ما او على عظم كتف الجمل بعد صقله. ضوابط تعليمية ويمكن الاستنتاج من ذلك ان اطعمة الصبيان لم تكن مشكلة ملموسة بالنسبة لقبائل امارات الساحل. فالتي تعيش في المناطق الساحلية فقد كان غذاؤها الرئيسي السمك والخبز. بينما سكان المناطق الداخلية اشتهروا بتربية الحيوان وقد كانوا يأكلون لحمه بالاضافة الى التمر والخبز. على كل حال, من الواضح ان تأكيد المطاوعة والمطوعات على وجوب تناول الصبيان للطعام في المنزل دون المكتب لأنه ستر على الفقير, وفيه احترام لمشاعر الصغار وتجنيبهم المباهاة في الاطعمة, حيث يكون التفاوت بين اطعمة الاغنياء والفقراء, وما قد ينتج عن ذلك من البغضاء والشحناء وتأجج مشاعر الكراهية في نفوس الصغار الابرياء. ومن الممارسات التي ينهى عنها المطاوعة والمطوعات, من احضار بعض الصبيان النقود معهم الى المكتب لشيتروا بها من الباعة المتجولين وخاصة على ايام تدفق العمالة الاجنبية من شبه القارة الهندية. وعلى النهي هنا تتمثل في انها تتلف احوال الصبيان وينكسر خاطر الصغير الفقير منهم والضعيف لما يرى من غيره.. لان ذلك يؤثر على دراسته على المدى البعيد, اذ ان من اضرارها التسرب من الدراسة ومنها يرجع الى بيته منكسرا. وفلسفة المطاوعة والمطوعات التربوية من هذا الموقف تؤكد على احترام الاباء جميعهم على مختلف وضعهم الاجتماعي والاقتصادي من ناحية. واحترام شخصية الطفل وسلامة مشاعره وتجنيبه الشعور بالدونية امام الاطفال الاغنياء من ناحية اخرى. واعني ان مجتمع امارات الساحل انذاك محدود السكان والدخل, الا بعض التجار والبحارة الذين يذهبون الى الهند وفارس وافريقيا وحين عودتهم يجلبون معهم الهدايا والنقود لاسرهم واقاربهم. مما جعل المطاوعة والمطوعات يحذرون الصبيان الاغنياء وغيرهم من جلب هداياهم معهم وذلك حتى يقطع الطريق على ابناء الذوات من ابراز قدراتهم المادية وشعورهم بالاستعلاء على زملائهم الآخرين, مما يضمن من ثم شعور الجميع بنوع من المساواة والاخاء. الدور الاجتماعي لم تكن العلاقة بين المطوع او المطوعة والطالب علاقة عابرة. بمعنى انها تقتصر على الفترة الزمنية التي يقضيها الطالب لدى (المطاوعة والمطوعات) بل كانت تتجاوز خارج نطاق المكتب الى المنزل والشارع والدكاكين, بالاضافة الى والده ووالدته واخوته ولكن كل تلك العلاقات ضمن نطاق حدود معينة, اما بالنسبة لأولياء امور الطلبة كانوا يترددون ويبادرون بالسؤال والزيارة من بعيد وقريب اثناء فترة التعليم وبعدها سواء كان ذلك في الصباح اثناء ذهابهم الى العمل او الى الدكاكين, او في فترة المساء حين عودتهم من تلك الاماكن وكل ذلك يصب في الاطمئنان على اولادهم, ومن ثم الاستماع الى المطوع, بغية التفقه في مسألة دينية او ما شابه ذلك, واثناء هذه الزيارة التي تأخذ شكلا منتظما في اغلب الاحيان وحسب قضاء المصلحة احيانا, اذ انهم يستمعون الى ملاحظات المطوع الايجابية منها والسلبية على اطفالهم وسيرة سلوكهم.