العلاقة بين الحجر والانسان بدأت منذ أشعل الانسان بحجر الصوان ولم تنته بل ومع معرفة أي نوع جديد من الأحجار تتعزز العلاقة, لهذا اختار أن يقتنيها, وأن يصنع منها أدواته النادرة, حتى قبل أن يكتشف خواصها الكيمياوية والفيزيائية. ونتيجة للارتباط الوثيق بين الانسان والحجر منذ أقدم العصور يمكننا أن نقرأ تاريخ البشرية من خلال تاريخ الحجر, فللآثار والقلاع والمقابر وما فيها من حلي وأدوات نادرة تظهر شغف الانسان قديماً بصناعة الحجر. وظهر كثير من صناع المهرة عبر التاريخ سواء في البناء أو النحت, أو قطع الحلي النادرة التي تمحورت صناعتها وفنونها في الحجر الكريم, الذي كان ولا يزال هدفاً لكل قوة اقتصادية, فالماس والياقوت والذهب وغيرهما من الأحجار الكريمة شكلت اسبابا للحروب, كما نقل لنا التاريخ أن الكثير من المعاهدات السلمية قامت بعد أن قام أحد الحكام بمنح حاكم آخر قطعة نادرة من هذه الأحجار الكريمة. وعرف الأدب العربي الكثير من قصص الأحجار الكريمة حيث ان الأرض العربية جادت ولا تزال بالكثير من المعادن وأنواع الحجارة الكريمة, كما اشتهرت البحار التي تطل عليها بالدرر والمرجان, وكانت سببا لتنشيط تجارة الجواهر بين العرب وبين غيرهم من الشعوب على مدى العصور, لهذه الأسباب خصت الأحجار الكريمة بالكثير من الدراسات والتحليل, وكان العلامة أبو الريحان البيروني هو أول وأشهر من قدم دراسة متكاملة عن جواهر الأحجار الكريمة, كما وضع شهاب الدين أبو العباس كتابا عن فنون صناعتها يحمل عنوان (أزهار الأفكار في جواهر الأحجار) كما قدم الفيلسوف الكندي كتابا هاما عن الأحجار الكريمة. الهام شعري وحبكة للاسطورة الرجل هو أول من اهتم بدراسة الأحجار الكريمة وأنواعها وصفاتها, لكن النساء وحدهن انفردن باستعمالها والتزين بها, ولدى بعض النساء علاقة حميمة مع الأحجار الكريمة ليس فقط فيما يتعلق بالتزين بل بشأن التطير, وحالات الحب والعشق, فالمحب والعاشق يحاول دائماً إهداء الدر الثمين لمن يحب, وفي الكتب كثير من هذه الأحاديث عن ولع العاشقين بالأحجار الكريمة. فخالصة جارية هارون الرشيد كانت لا تتزين إلا بالدر الثمين (الماس, والزبرجد, والعقيق) في إحدى ليالي السمر أراد الرشيد أن يهدي خالصة حجراً نادراً من الماس على شكل قرط فالبسها إياه أمام الحضور وتابع اللهو والاستماع إلى الغناء, وكان الشاعر أبو نواس حاضرا مجلس الرشيد فقام له مادحاً بشعره, فلم يلق أبو نواس أي اهتمام من الخليفة الذي كان منشغلاً بخالصة, فاستاء من اهتمام الخليفة بالجارية وتجاهله, وخرج من المجلس, وكتب على جدار القصر. لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة وعندما علم الرشيد بذلك غضب وأمر رجاله بالقبض على الشاعر, وعندما وصل الحرس بأبي نواس طلب منهم أن يتركوه للحظة فهجم على الجدار ومحا بثوبه نهاية حرف العين من ضاع وضاع وعاد للحرس. وحين وقف الشاعر أمام الخليفة الغاضب الذي قرر أن يفتك به سأله لماذا قلت شعرا فيه ذم لي ولخالصة؟ أجابه الشاعر أن ما وصله كان من قول الواشين وطلب منه أن يبعث رجاله المخلصين ليروا ما كتبت, فسأله الخليفة إذا كان هذا من الواشين فماذا كتبت أنت فأجابه أبو نواس لقد كتبت: لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء در على خالصة فضحك الرشيد وقال ان هذا شعر ضاعت عيناه فأبصر. وقيل عن الدر في الكتب القديمة بأنه أصل الجوهر, ويتشكل في أذن حيوان بحري يصعد من البحر وقت المطر ويفتح أذنيه ليلتقط بها المطر ويضمها, ويرجع بها إلى البحر وينزل بقراره, ولا يزال طابقاً أذنه على ما فيها خوفا أن يخالط بأجزاء من ماء البحر حتى ينضج ما في أذنه ويصير دراً, فان كانت القطرة صغيرة كانت الدرة صغيرة, وان كانت القطرة كبيرة فالدرة كبيرة, وإذا كان في بطن هذا الحيوان شيء من ماء البحر كانت الدرة كدرة, والدر نوعان كبير وصغير, تصل الكبيرة منه إلى مثقال. خواص الدر من خواص الدر انه يفرح القلب, ويحسن الوجه ويصفي دم القلب, وإذا خلط مع الكحل شد عصب العين. كما قيل عن الياقوت بأنه سيد الأحجار الكريمة وأصول ألوانه أربعة هي الأحمر, والأصفر, والاسمانوجي ويتولد منه ألوان كثيرة, وأعدلها الأحمر الخالص الرماني, الشبيه بحب الرمان الأحمر ويأتي بعده الأحمر المشرب ببياض, ثم الوردي والخمري, والعصفري, واردؤه الأزرق الذي لونه يشبه زهر السوسن واقله قيمة الأبيض. ومن خواصه انه لا يعمل فيه الفولاذ, ولا حجر الماس, ولا تحرقه النار, ويورث لابسه مهابة ووقاراً, ويسهل قضاء الحوائج, ويدر الريق في الفم, ويقطع العطش, ويدفع السم, ويقوي القلب. ولقصص الأحجار الكريمة باع طويل في حياة العرب والمسلمين, ويحكى أن رجلاً أصاب يوم القادسية راية كسرى المرصعة بالجواهر والتي كانت قيمتها ألف ألف ومائتي دينار. ويقال انه عثر في دار أحد أمراء الجيوش في سنة 510 هجرية على ألف ألف دينار, ومن الدراهم مئة وخمسين أردباً (والأردب مكيال ذهب) وخمسة وسبعين ألف ثوب من الديباج ودواة من الذهب قدر ما عليها من الجواهر واليواقيت بمئتي ألف دينار, وعشرة بيوت في كل بيت منها مسمار ذهب قيمته مئة دينار على كل مسمار عمامة بلون, وعشرة صناديق مملوءة بالجواهر التي لا يوجد مثيل لها, وسبع مئة كأس بفصوص الزمرد. أسرار وأسرار وهذا الاهتمام بالأحجار الكريمة ليس فقط لقيمته المادية, وانما لأهميته وتأثيره على النفس والحياة, فالزمرد يسمى الزبرجد وهو ألوان أخضر وزنجاري وصابوني ويكون الحجر منه خمسة مثاقيل وأقل, ومن خواصه انه يدفع العين, ويفرح القلب ويقوي البصر ويصفي الذهن وينشط النفس. علاقة الأحجار الكريمة بالنفس البشرية: لكل حجر من الأحجار الكريمة صفات لها تأثير على النفس منها سلبي ومنها ايجابي فحجر البلخش, رغم ان قيمته مقاربة لحجر الياقوت إلا انه يورث قبض النفس وسوء الخلق والحزن ولها ألوان أخضر وأحمر وأصفر. أما عين الهر فهو حجر يتكون من معدن الياقوت, والغالب عليه البياض الناصع بإشراق مفرط وفي ماهيته سر إذا حرك يمينا تحركت يسارا وبالعكس, ومن خواصه إذا علق على العين أمن عليها من الجدري. أما الفيروز فهو نوعان اسحاقي وخلنجي واجوده الاسحاقي الأزرق الصافي, ومن خواصه النظر فيه يجلو البصر ويقويه, وينشط النفس, وقيل ما افتقرت يد تختمت بفيروز, وإذا مضى على خروجه من معدنه عشرون سنة نقص لونه حتى ينطفئ. أما العقيق فهو بأرض صنعاء اليمن, وهو ألوان وهو يوجد عليه غشاوة ويحمى عليه ببعر الإبل ثم يبرد ويكسر, وقيل بأن العقيق يوجد بالهند ولكن اليمن أجود منها بالعقيق, خواصه يورث للمتختم به الحلم والأناة وتصويب الرأي, يسر النفس ويكسب حامله وقاراً وحسن خلق, ويسكن الحدة عند الخصومة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تختم بالعقيق لم يزل في بركة) , أما المرجان فهو بين النبات والمعدن لأنه بتشجيره يشبه النبات, وبتحجره يشبه المعدن ولا يزال لينا في معدنه فإذا فارقه تحجر ويبس. والنظر في المرجان يشرح الصدر, ويبسط النفس, ويفرح القلب, ويذهب بالداء المحتبس في العين, ويسكن الرمد, وسحاقته المخلوطة بالخل تجلو قلح الأسنان وإذا وضع على الجرح منعه من الانتفاخ وأنواعه كثيرة أحمر, أزرق, أبيض, وأصله من البحر. الماس والأساطير أما الماس فالأساطير حوله يقال انه موجود في واد بالهند مشحون بالحياة, ويأتي من يريد استخراجه من ذلك الوادي ويضع مرآة كبيرة فتأتي الحيات لتنظر خيالها في المرآة فتفر من جانب الماس, وينزل صائد الماس ويأخذ ماله من الماس. كما قيل انهم ينحرون الخراف ويلقون لحمها في الوادي فيلتصق بالماس فتأتي الطير تخطف اللحم وتصعد به الى الجبال فتأكل اللحم وتترك الحجر فيأخذه صاحب اللحم. ويقال ان الحيات لها مشتى ستة أشهر في مكان ومصيف ستة أشهر في مكان آخر فإذا ذهبت لمشتاها ومصيفها أخذوا الحجر في غيبتها. هذه الخيالية من الماس هي التي جعلت الانسان يشغف به وخاصة المرأة رغم ان الجميع يعرفون بأن الماس موجود في المناجم وله خواص علمية, ولكن من عجيب أمر الماس انه إذا أريد كسره جعل في أنبوبة قصب وضرب فيتفتت, وكذا إذا جعل في شمع أوقار وإذا وضع عليه دم تيبس وقرب من النار ذاب. ويعتبر الماس من السموم القاتلة والقطعة الصغيرة منه إذا حصلت في الجوف ولو بقدر السمسمة وخرقت الأمعاء, ومن خواصه الجلية انه يتعرق عند وجود السم في الطعام المسموم. الرجل اهتم بالبحث عن الأحجار الكريمة وبحث كثيرا في ماهيتها, والمرأة شغفت بها وتفردت في استعمالها, وربما يعود ولع المرأة بالأحجار الصامتة بأنها تحولها حين تتزين بها إلى كائن حي يتحرك وتدب به الحياة, وتنعكس منه المعاني, خاصة حين دخلت الحجارة الكريمة في صناعة الحلي. ليس هذا فحسب فالرجل يشتري الحلية المرصعة بالأحجار الكريمة هدية لمناسبة سعيدة وغالبا ما تكون للمرأة ولهذا استمدت الأحجار الكريمة قيمتها المعنوية اضافة الى قيمتها المادية. وأصبح تصميم الحلي والأحجار الكريمة التي تزينها فناً عالمياً وساهم فيه عدد من الفنانين العالميين مثل (بيكاسو ـ وسلفادور دالي).