قمة (دينالي) الاسم الذي يميل هنود الاتابا سكان ألاسكا الى إطلاقه على أعلى قمة توجد في أمريكا الشمالية وعلى وجه التحديد في قلب براري آلاسكا. تقع سلسلة أقواس جبال آلاسكا القريبة من سلسلة الجبال الاليوتيه على بعد 600 ميل من جبال (رانجيل) , والى الجنوب منها تتفرع سلسلة جبال (مك كنيلي) التي يطلق عليها الهنود اسم زوجة دينالي, وتليها سلسلة من القمم الجبلية المستدقة, وهي المجموعة التي تكون العمود الفقري لمتنزه دينالي والمنطقة المجاورة المحظورة (المحمية), وعلى بعد ستة ملايين اكر تقع رابع اكبر وحدة من الأراضي التي تشكل المتنزه الوطني. تتميز هذه المساحة من الأرض بأنها أكثر مناطق آلاسكا سهولة في الوصول إليها إذا اعتبر السائح مثلا ان الوصول إلى المناطق الأخرى سيكون محظوراً بسبب أنظمة الحماية البالغة التعقيد التي تفرضها السلطات على المنطقة لحماية الحياة الحيوانية والنباتية فيها, ويضاف الى ذلك ما تتمتع به المنطقة من شعبية واسعة لدى السائحين بفضل تنوع اشكال الحياة فيها ولاسيما الحيوانية. وربما خالج المرء أثناء عبوره أي من تلك الحدود الجبلية شعوراً بأنه يسير على حافة نهر جليدي حيث يتحول الثلج الى اللون الأزرق المتحرك في كل اتجاه مما يبعث الحماس في نفوس المتسلقين الحالمين بالوصول الى أقصى ما يمكن أن يبوح به المكان. أزهار الدفلى وعنب الدب والازاليا الألبية واكليل الجبل تبدو هي الوحيدة رغم نعومتها التي تقاوم ظلال الجبال العملاقة بالتستر تحتها غير أنها في الوقت ذاته كالغابات الاستوائية قادرة على أن تجني في أسفلها أشكالاً متعددة من الطحالب والنباتات, ولذلك فهي من الأماكن المفضلة لدى البيولوجيين ايضا. تطوير الخدمات افتتح المتنزه الوطني (ماونت مك كينلي) سابقا في سنة ,1917 وفي سنة 1980 تحول اسمه الى دينالي ناشيونال بارك, وخلال السنوات التي سبقت عام 1950 لم يفكر في ارتياده أكثر من 6000 شخص, غير ان فترة التسعينيات شهدت زيادة كبيرة في اعداد السائحين المتدفقين على المنطقة. وفيما تشيد فنادق ومطاعم ومحلات بيع الهدايا وتعرض قطع من الأرض للبيع فان المسئولين في متنزه دينالي يطالبون بالمزيد من التعديلات والخدمات الضرورية للنهوض بهذا الجزء الذي لم تصل اليه الخدمات بعد وكذلك يفعل كبار القادة السياسيين المذعورين من تذبذب مستويات انتاج البترول في الحقول الشمالية. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في كل مكان قد عاد ليطرح نفسه هنا في دينالي فما هو مدى التغيير الذي يجب أن يطرأ على المنطقة حتى تصل الى مستوى الطموح؟ وما هو حجم ما يمكن الاحتفاظ به من أشياء لم تشوهها أطماع البشر, وهل يمكن لاهالي دينالي الاحتفاظ بمثل هذه الأماكن التي يقصدها الانسان لتنعش روحه والدهشة الطبيعية الصادقة وتحمله على التغيير. بالنسبة لمكتشف قمة دينالي عالم الاحياء الطبيعية (تشارلز شيلدون) بدا اكتشاف تلك البقعة من الأرض من الناحية العملية على جانب كبير من الاهمية باعتبار انه يشكل محمية طبيعية لكبار الحيوانات, وكان ذلك بين عامي 1906 ـ 1908. في حين أخذت الحياة تعود بشكل آخر الى سلسلة القمم الجبلية المجهولة بفضل الجهود العظيمة التي قام بها شيلدون لاعمار المنطقة, وبدلاً من اعتماد سكانها من الصيادين على المردود المادي القليل الذي كان يأتي عن طريق بيع لحوم الحيوانات الضخمة في مدن المناجم القريبة ساعد مشروع السكة الحديدية الذي تنبأ بأهميته على تطوير حركة التبادل التجاري في هذه المنطقة, اضافة الى الجهود المالية الأخرى التي ساهم بها الى جانب الكونجرس في سبيل الحفاظ على تلك المساحة من الحياة. موسم الحياة ان السائح ليؤخذ بما يمكن أن نسميه العالم الآخر الذي يتكاثر فوق القمم الجبلية ما أن يذوب الجليد عن أجزاء منها, الحياة التي تبدو وكأنها مخصصة لقطعان الرنة بمجرد حلول الصيف في شهر مايو حيث تستأنف الغزلان رحلتها باحتفالية كبيرة الى الأعلى الى المرتفعات التي تحتضن العشب والحيوانات الأليفة ومنها الخراف ليبدأ موسم الهجرة والحياة على القمم الصخرية الغنية بالبراعم ونسمات الهواء المنعشة التي تسري مقذوفة مع بلورات الثلج الشفافة. في سنة 1922 عمل المسئولون على توسيع المتنزه ليصل الى منطقة نهر (نينانا) في الشرق ليحتل مساحة عن الأرض التي تقوم عليها السكة الحديدية وليوفر ذلك مدخلا يطل على المناظر الطبيعية التي يشتمل عليها المتنزه, وفي سنة 1932 اضيفت بحيرة (وندر ليك) أما الآن فإن أقرب ما يمكن أن يصل اليه السائح المتجه الى الغرب من دينالي هو مدينته (سانت بطرس بيرج) الروسية. وكان (جيمس وكرسام) أحد رجال القانون في مدينة فيربانك قد قاد أول محاولة لقهر تلك القمة الجبلية في سنة ,1903 ومع أن محاولته باءت بالفشل الا ان احدى تلك القمم الجليدية ما تزال تحمل اسمه, ومنذ ذلك الحين تتابعت محاولات الباحثين عن الذهب والثروة في مساحات من تلك المنطقة مثل (كانتيشنا هيلز) شمال بحيرة وندر ليك. خرائط القمة بعد تسلقه قمة مك كينلي في عام 1942 قاد رسام الخرائط (برادفورد وشبرن) فريقاً آخر في سنة 1947 انضمت اليه زوجته (باربرا) لتصبح أول امرأة تصل الى القمة, وبعد وقت قصير اشرف بنفسه على تأسيس الجمعية الوطنية لرسامي الخرائط لوضع أول خارطة لتلك شاملة القمة, وخلال عمله وهو على ظهر طائرة تبين له احتمال شق طريق موصلة اليها, وفي سنة 1951 اكتشف ممراً آخر يعرف الآن باسم (وست بترس) . ووفق الشروط التي تشتمل عليها اتفاقية سنة 1971 الخاصة بملكية الأراضي حصل المواطنون من أصل أمريكي على أراض يقع قسم منها في المساحة التي يشغلها المتنزه الوطني, وهو ما أخذ يهدد الحياة البرية والمحميات الطبيعية والمتنزهات لاسيما تلك الاجزاء التي تزعم ملكيتها لاعمال التنقيب عن المعادن. وبعيداً عن هذا المشهد القاتم فان مشاهدة جبال دينالي تمنح المرء فرصة الاستمتاع بتجربة العيش في السفاري الأمريكية الفريدة من نوعها, وفي هذه البرية التي ما زالت يد الانسان بعيدة عن أجزاء كبيرة منها يقتنص أشخاص كثيرون ومنهم الباحثون فرصة وجودهم هناك ليعبروا عن حالة الامتزاج الفذة التي يرى فيها الانسان تجمعاً طبيعياً متكاملاً مؤلفا من الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة تعيش في حالة من الانسجام, ومع ذلك فإن جدلاً واسعاً حول انقراض الذئاب بات يثير بعض الاسئلة لدى هؤلاء الباحثين حول ضرورة اعادة الاعتبار للحيوان الذي اشتهرت به المنطقة منذ القدم وأصبح يشكل جزءاً هاماً في سلسلة الجهود المبذولة من أجل المحافظة على الحياة البرية وتوفير نوع من التوازن المطلوب بين البيئة وبين الكائنات الحية. ذئاب وحملان وانت تقف فوق قمة جبل (كاثيدرال ماونتن) تشاهد جوقة من الحملان الوديعة تمرح فوق مساحة صغيرة من الأعشاب والزهور ذات التويجات البيضاء ثم تتبادل القفز على الصخور باتجاه المنحدرات المغطاة بالثلوج وسرعان ما تتجمع كأنها تتشاور, كما تشاهد في أي لحظة الذئاب والدببة والعقبان الذهبية والعواصف الثلجية والصخور ذات الحواف الحادة والانهيارات الجليدية والجاذبية الممعنة في اثارة أحجار المنحدرات والأنهار الثلجية المتفتتة في كل مكان .. وكلها قوى تقطع وتشكل الجمال. ومنذ سنة 1987 تمكنت امرأة هي (كارول مك انتير) تعمل حاليا في مركز البحوث التابع للمنتزه تمكنت من تحديد مواقع 112 عقابا ذهبيا في المنطقة التي تقع فيها قمة دينالي, وتعلق كارول على هذا الاكتشاف بقولها بأنه يجسد أعلى مستوى لتكاثر هذه الطيور في الاسكا, وبالاضافة الى هذا النوع من الطيور الجارحة فإننا ما زلنا نقتفي الى الآن آثار مواقع صقور الباز التي لا تقوم ببناء أعشاش خاصة بها وتعتمد في بنائها على أعشاش العقبان الذهبية الجاهزة غير المستعملة. أما غذاء هذه الطيور فيتراوح بين جيف الحيوانات الضخمة والقوارض وصقور الهار والغربان والبوم, غير ان المتنزه ليس هو المكان الوحيد الذي تفضل تلك الجوارح الاقامة فيه خاصة لدى حلول الشتاء ولمعرفة المزيد من عاداتها لابد للمرء أن يتابع تحركاتها داخل وخارج حدود دينالي وأن يعرف شيئاً عن رحلة الشتاء التي تستقر بعدها العقبان في الجزء الجنوبي الشرقي من ولاية كولورادو. ومع ذلك فان أحداً لا يمكنه أن يتوقع مثلاً رؤية الطيور البحرية في منطقة مثل قمم منتزه جبال دينالي الشاهقة, لولا أن أعشاش هذا النوع من الطيور التي تقضي عادة فصل الشتاء على سواحل المحيط الهادي في المنطقة الجنوبية من الولايات المتحدة موجودة فعلاً هناك في السهول الجرداء. منطقة لا تزال خطرة لكن الرسالة الأهم التي يلتقطها المرء لدى مشاهدته هذا التناقض الكبير بين البيئة وكائناتها الحية تتجسد في الشعور بأنه ليس من السهل على أحد أن يعتاد على ذلك المكان الذي يعاني من نقص التسهيلات المادية وتعريض حياة الانسان للخطر بالنظر الى اتساع رقعة المكان وترامي أطرافه الى الحد الذي لا يمكن التحكم فيه, ولبيان هذه الحقيقة فان بعض الحراس المتجولين في المنطقة من الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل هناك لم يغامروا الى الآن بالاقتراب من حدودها الشمالية الغربية المعروفة باسم بحيرة (مينتشو مينا) حيث يقع المتنزه الذي يحمل الاسم نفسه, كما أن جزءا من الرسالة يتعلق بالدهشة التي تصيب المرء لدى عبوره السهول الجرداء ذات الألوان المتغيرة باستمرار لاسيما خلال فصلي الربيع والصيف, في هذه الأثناء تنبت غابات الصنوبر فيتلون الفضاء باللون الذهبي وألوان أخرى كالرمادي والأحمر هي ألوان الحيوانات والطيور ويمكن حتى مشاهدة أسماك السلمون التي تتكاثر في البحيرات المجاورة وطيور الأوز التي تتأهب للانطلاق معلنة عن رحيلها بصوت عال, وأنواع الكركي السيبيري ذات الأعناق الطويلة المتجهة جنوباً عبر سلسلة جبال سيبيريا, وكلها أشياء تبدو كالحلم, ولكنها تمنح الرائي أسلوباً مختلفاً للرؤية والاحساس والادراك, ينطلق بشكل مباشر من الالتقاء بالحياة في أشكالها الكبيرة الحجم.