قال (فيدياس) أحد أعلام الفن الإغريقي القديم: (نحن قوم نحب الجمال بشكله الطبيعي البسيط) . والبساطة في الفن مقررة لكل ما يصدر عن الانسان النابغ, وهي مقررة في الفنون والآداب كافة من شعر وأدب وتصوير وموسيقى وغيرها, تلك البساطة التي هي مرمى كل أديب وهدف كل فنان, وهي في النتيجة نهاية النضج ومنتهى الاختبار, ولذلك دعاها الشعراء ورجال الأدب بالسهل الممتنع, ويحسن بنا أن نقول أن البساطة الفنية في الواقع هي خلاصة منتقاة لمجموعة من الجهود المتكاتفة التي اختزلها الفكر خلال حالات شتى من اضطراب نفسي وجهد فكري ودرس عملي تبلور كله وتكرر حتى بات في النتيجة هذه القطرات العزيزة النادرة في قارورة التراث الانساني. والبساطة في الفن لا تعني الخور والهزال ولكنها تبني أسسها على المتانة وقوة التركيز والعلم الصحيح القائم على الادراك الكامل والفهم العميق لحقائق الأشياء ويتمثل كله في صورة من الصور أو انتاج من ألوان الفكر الرصين. الفنان (سيد محمد سيد) له تاريخ طويل في الحركة التشكيلية وتبدأ قصته في الأسرة حيث كانت لا تعترف بالهواية, وكان الأهم عندها هو تحصيل الدروس, وبعد الضغوط على الفنان ترك الدراسة واتجه للعمل في الورش, والفنان مواليد القاهرة 1931 ـ حي الخليفة ـ بدأت موهبته في العام التاسع من عمره بالرسم على الجدران والزخرفة على أسقف البيوت في الحي الشعبي وفي سن السادسة عشرة التحق بالورش الأجنبية لكي يتعلم (النقاشة) وتعلم كيفية مزج الألوان إلى جانب الزخرفة ورسم الطبيعة الصامتة وتلقى أساسيات الفن الجداري على يد الخبراء الايطاليين. محاكاة واستمر عمل الفنان بالزخرفة والرسم مع محاكاة الفن العالمي من كروت الفنانين العالميين حتى التقى مع الفنان (الحسين فوزي) الذي وجهه كثيراً حيث نصحه باستلهام أعماله من الطبيعة, فالطبيعة خير معلم وكانت هذه نقطة البداية الحقيقية في حياته, قام بعد ذلك برسم البائعين الجائلين ثم كان يدفع لهم أجر ما أخذه منهم من وقتٍ. كان أول معرض للفنان بمركز شباب الجزيرة 1966 وفي العام نفسه أقام معرضاً بالمركز الثقافي الألماني وتلا ذلك العديد من المعارض حتى وقتنا الحالي منها المركز الثقافي السوفييتي ,1968 أتيليه القاهرة ,1973 المركز الفرنسي, المركز الثقافي الأسباني, أسبانيا, وكان آخر المعارض بقاعة الدبلوماسيين ,1999 وللفنان مقتنيات بمتحف الفن الحديث بألمانيا, ومصر, ودار الأوبرا ومتحف قطر. مر الفنان بالعديد من المراحل كان منها التجريدية والتي غلب فيها اللونان الأسود والأزرق على كل الألوان وكان ذلك في الستينيات واستمر حتى جاءت مرحلة أخرى (بين التنقيطية والتكعيبية) حتى عام 1977 وفي بداية 1978 جاءت مرحلة البيت الريفي وكانت أهم المراحل الفنية عند الفنان ونرى في لوحات الفنان الأخيرة أريج اللون الأبيض الطاهر فيظهر هذا اللون كبطل من أبطال اللوحة عنده. في الأعمال دأب ومثابرة اذ ينتج لوحات مليئة بتغيرات الظل والنور فيؤكد الفنان على الفورم في أعماله وتغيرات الأضواء والظلال. انحاز سيد محمد سيد للمباني الصامتة عله يجد في إبداعه مميزات أخرى عن الطبيعة الحية, فاختار الخطوط الصارمة مع الإبداع في اختيار ألوان منسجمة, كما صنع أسطحاً خشنة تمتاز بها أعماله الفنية. يعلمنا الفنان في لوحاته البيضاء كيف يكون الهمس بالألوان مع الأضواء والظلال في جو هامس مع الشمس فأبدع من خلال الإضاءة لوحات دافئة تكاد تخطف الأبصار. جو صوفي في أحضان تلك المباني الساكنة يأخذنا إلى جو من الصوفية يتميز بالبراءة والحرارة فنكاد نسمع إيقاعها بين المساحات الضوئية والسطوح الخشنة فيأخذنا من خلالها إلى احتمالات عديدة تكون بعيدة عن غمرات الحياة الصاخبة. ويقول الدكتور أحمد نوار عن البناء عند سيد: (يذكرنا الفنان بإبداعات الانسان الذي أبدع بيوته من الطين واللبن في سيوة, وبيوت النوبة قبل بناء السد العالي, فنجد بساطة البناء التشكيلي ويسر تحريك الأشكال فنقع على المستطيل, والمربع والمثلث داخل مسطح محدد تسطع فيه شمس مصر بقوة خلاقة, فالبناء الضوئي جزء لا يتجزأ من البناء الجمالي العام بالفعل المعاكس للظل .. وتتجلى علاقات النوافذ بالأبواب والفراغات الداكنة, لتنطق ببعدها الانساني) . مع الفنان سيد محمد سيد وابداعاته نعيش في دوامة السكون ودسامة الألوان وطلاسم الأضواء والظلال فتموت الظلال ويحيا الوهج, كما يعبر الفنان عن ألوان ذات خصوصية فتعطي في النهاية رؤياه الخاصة ورغم تصورنا لها كنغمة واحدة إلا أنها في النهاية رؤياه الخاصة تعبر عن مقطوعة موسيقية مختلفة عن الأخرى. فالفنان سيد محمد سيد موهوب منذ صغره, مسكون بالخيال في تصويره لتلك البيئة الساكنة التي أبدع منها لوحات عديدة ونغمات هامسة مختلفة في بساطة فاتنة, كما ان أسلوب الفنان من حيث البساطة كان متفقاً مع بساطة تلك البيئة التي أراد أن يصورها. الفنان سيد أمام إحدى لوحاته لوحة التنقيطية التكعيبية لوحة أنسة المباني