ما ان انهت المطربة العراقية فريدة محمد علي وفرقة موسيقى المقام بقيادة الفنان محمد كمر حفلاتها في لندن, حتى عادت الى هولندا حيث تقيم لتشارك في مهرجان موسيقي تراثي (موسيقى العالم) الذي يهتم بالموسيقى التقليدية للشعوب ولتتجه من هناك الى السويد لتشارك في مهرجان (ري اورينت) ، لتحيي ثلاث حفلات ما بين استوكهولم ومالمو, وقبله كانت قد لبت دعوة للغناء من قبل جمعية (مقام) في مدينة ليل الفرنسية كما كانت قد غنت في بيروت مشاركة في مهرجان (مسرح المدينة), واليوم تستعد فريدة وفرقتها التي تتألف من عازفين درسوا الموسيقى التقليدية والحديثة في معاهد وكليات الفنون للمشاركة في مهرجان الموسيقى العربية والذي سيقام من قبل معهد العالم العربي في باريس. ليس ذنب الفنانة فريدة محمد علي ان لا تكون مشهورة في البلدان العربية او معروفة كنجمة غناء بين الجمهور العربي, بل هو ذنب الاعلام العربي الذي يجري وراء اسماء لامعة حتى وان لم تكن تتمتع بمواهب غنائية اصلية, والغريب ان الاعلام الغربي والاوروبي بصورة خاصة بل وان الجمهور الواسع من الاوروبيين المهتمين بالموسيقى الشرقية والموسيقى التراثية والتقليدية يعرفون جيدا من هي هذه الفنانة التي تحمل في حنجرتها تراكمات ثقافة صوتية اصلية ومتوارثة الى جانب ثقافتها الموسيقية اذ كان الفنان استاذ العود منير بشير قد اعلن منذ بداية الثمانينيات عن موعد مع صوت اصيل وموهبة مثقفة تحمله تلميذته فريدة اذ تقول (كان استاذي الراحل منير بشير يدرسنا آلة العود في معهد الدراسات الموسيقية وكنت ادرس ايضا آلة القانون قبل ان اصبح مدرسة في ذات المعهد, وكان بشير يتابع خطواتي في دروس اداء المقام حيث ليس هناك اي صوت نسائي يؤدي هذا الفن الغنائي الصعب وذات يوم تلقيت دعوى من الاذاعة والتلفزيون وعرضوا على اغنية كانت قد اعجبتني وما ان علم الاستاذ منير بشير بذلك حتى غضب مني وقال لي (انت تملكين صوتا رائعا وتؤدين المقام وتريدين ان تخسري تلك الهبة الربانية) . الصوت الاوبرالي وعلى مدى سنوات طويلة بقي المقام, وهو فن غنائي معروف في التراث الموسيقي العراقي والتركي والايراني حكرا للاصوات الرجالية حتى ظهور الفنانة فريدة محمد علي التي تتمتع بطبقة صوتية عريضة وبموهبة غنائية متميزة حيث تصف الصحافة الاوروبية صوتها بـ (الصوت الاوبرالي) واستطاعت ان تخترق حاجز المقامات وتؤدي اصعبها واحلاها منذ منتصف الثمانينيات يوم فاجأت الجمهور العراقي المتحمس لهذا اللون الغنائي وفي مهرجان يوم الفن وتعلن الصحافة الفنية مولد مطربة مقام جديدة, بل وجددت في روح هذا الفن الغنائي المشهور والذي عرفه العرب من خلال اصوت اساتذة المقام مثل محمد القبانجي ويوسف عمر ورشيد القندرجي ومحمد العاشق والمطرب ناظم الغزالي, وان تمزج بين اداء المقامات والطرب من خلال الاغاني والمواويل مؤسسة فنا تطريبيا خاصا بها. ولكنها بالتأكيد لم تنج من هجمات اعلامية تعرضت وما زالت تتعرض لهامن قبل بعض قراء المقام الذين لم يتحملوا ان يخترق صوت نسائي يتمتع بكل مزايا النجاح حلبتهم تحت ادعاء ان المقامات لا تصلح ان تؤديها امرأة من غير اعطاء اي مبرر لذلك خاصة بعد ان برهنت فريدة نجاحها في هذا الفن بل وطورت فيه وهذا ما يشكل تهديدا مباشرا لقراء المقام التقليديين الذين يصرون على ان يبقى هذا الفن اسير قوالبه الجامدة والتي تعود للعصر العباسي. تقول فريدة في ردها على تلك الحملات (ليس كل قراء المقام هاجموني بل ان هناك استاذي الفنان حسين الاعظمي والذي اعتبره من المجددين في هذا الفن وقف ولا يزال الى جانبي وقبله كان استاذي شعوبي ابراهيم, اما الذين يصرون على وضع الشمع في آذانهم كي لا يسمعوا الا انفسهم فليس لي اي رد عليهم سوى ان اواصل مشواري بنجاح واقول لهؤلاء لست اول امرأة غنت وأدت المقام بل هناك من غنت المقام قبلي وقبل عشرات السنين امثال سليمة مراد وصديقة الملاية وزهور حسين ومائدة نزهت وكان عمالقة المقام واساتذته يقفون الى جانب تلك المطربات ويشجعونهن من غير الشعور بالقلق على مستقبلهم او مستقبل المقام) . مقامات صعبة وحتى ترد على منتقديها من موقع المتمكنة من موهبتها فهي لا تلجأ فقط لاداء المقامات البسيطة والتي غالبا ما يدعي قراء المقام بأن (تلك المقامات تصلح للاصوات النسائية) بل اختارت ان تؤدي اصعبها, تقول (اديت حتى اليوم اكثر من عشرين لونا من الوان المقام وبالصيغة الفنية المتكاملة من التحرير الى التسليم وتمكنت باقتدار من اداء مقامات صعبة مثل اللامي الذي ابدعه الاستاذ الراحل محمد القبانجي ومقامات الحكيمي والمخالف والبهيرزاوي والشرقي رست وحجاز كار كرد وحجاز ديوان, اقول انه ليس هناك من ادى كل المقامات الموجودة حتى الان وكانت جرأة كبيرة مني حين اقدمت مؤخرا على اداء مقام حجاز ديوان الذي اداه من الرجال يوسف عمر وحسين الاعظمي فقط كونه مقام صعب ويتضمن كل الاسس الخاصة باداء المقام بدءا بالتحرير ليتضمن الجلسة والميانات والقطع والاوصال وهو يدخل ضمن المقامات الصوفية ويعتمد على قصائد من الشعر العربي الكلاسيكي) . هذا النوع من الغناء يعتمد على قصائد من الشعر العربي الكلاسيكي لشعراء مثل ابو العلاء المعري والمتنبي والجواهري الى جانب قصائد شعبية كان قد كتبها الشاعر البغدادي الراحل الملا عبود الكرخي وعلى موواويل وبستات تنتهي بها وصلات المقام عادة تقول فريدة (ان هاجس قارئ المقام هو البحث المستمر بين دواوين الشعر العربي لانتقاء ما يصلح من القصائد لادائها فليس من السهل على من يكتب اليوم الاغاني ان يكتب قصيدة تصلح لادائها كمقام كما ان علي كقارئة مقام عدم تكرار القصائد التي تم اداؤها في السابق سواء من قبلي او من قبل قراء المقام الاخرين) . ان ما يجعل المطربة فريدة محمد علي متميزة عن سواها من قراء المقام هو مزجها بين اسلوب والوان الغناء الاخرى والمقام العراقي ذلك ان قراء المقام قيدوا انفسهم بقواعد وقوالب المقام ولم يتحرروا منها بحجة ان قواعد وقوانين المقام يجب ان تبقى منزهة ولا يجب المساس بها من اجل التجديد بينما نلاحظ ان استاذ المقام محمد القبانجي كان قد جدد كثيرا في المقامات بل وابدع مقامات جديدة واشهرها مقام اللامي وجاء من بعده يوسف عمر الذي نقل المقام من برجه العاجي ومن نخبويته الى باقي الناس كما يعد حسين الاعظمي اليوم من خيرة من جدد بالمقامات, فهذا النوع من الغناء هو ابداع فني شأنه شأن الشعر والرسم والموسيقى والمسرح والرواية وكل هذه الفنون خضعت للتجديد بما يتلاءم وروح العصر.