اذا حاولت مرة, وفي سعي بريء نحو الحصول على معلومة تهمك او بدافع الفضول الصرف, ان تفتح قاموس اوكسفورد الموسيقي على نص عن الموسيقى اليهودية, فستفاجأ بصفحات أربع من القياس الكبير والحرف الصغير. تظن أنه قاموس اختصاصي فعلا. لكنك اذ تبحث عن النص المتعلق بالموسيقى العربية لن تجد شيئاً الا العبارة: (راجع الموسيقى الشرقية) . وتحت عنوان الموسيقى الشرقية ستجد نصف صفحة تشمل الموسيقى الاندونيسية واليابانية والهندية والعربية وغيرها, تعمم عليها صفات تكاد تمسها او لا تكاد. الم يقال ان نظريات الموسيقى العربية واحدة من أهم العلوم القديمة؟ وأن كافة آلات الأوركسترا الحديثة يمكن تقصي تاريخها الى أصول عربية؟ وأن أسماء الكثير من الآلات الموسيقية الغربية أصلها عربي؟ (قيثارة: guitar, رباب: rebec, عود: lute, نقارة: naker الخ) ألم تطرح دراسات عن دور النظريات الموسيقية العربية (وأخص بالذكر دراسات الفارابي) في نمو الموسيقى الاوروبية الكلاسيكية في القرون الوسطى؟.. ماذا حدث؟ أين نص الموسيقى العربية في القاموس, ولماذا حل محله او محل غيره نص حول الموسيقى اليهودية؟ ما هي الموسيقى اليهودية أصلاً؟ فالقاموس لا يتحدث عن موسيقى اسلامية او موسيقى مسيحية. ما هي الموسيقى اليهودية؟ ما هي آلاتها وسلالمها او مقاماتها؟ ما هي ايقاعاتها؟ وهل هي فعلا تراث حضاري ام أنها ابتكار اختلقته الصهيونية في محاولتها لخلق تراث حضاري يهودي؟ أقدم الأدلة وجود موسيقى مرتبط بالدين اليهودي تعود الى العهد القديم حيث ترد في التلمود أسماء آلات موسيقية ليست إلا جزءاً من الآلات المستخدمة في المنطقة التي انتشرت فيها الديانة اليهودية, ويعجز القاموس عن ذكر آلة واحدة يمكن ان تنسب لليهودية بصفة خاصة. فبعد تدمير الرومان للمعبد اليهودي في القدس عام 70 ميلاديا, شاع تقليد يمنع استخدام الموسيقى الآلية في الكنيسة حداداً على المعبد المفقود والى ان يعاد ترميمه. وبذلك تختفي الموسيقى الدينية اليهودية منذ القرن الأول الميلادي. استخدمت الموسيقى الغنائية على حساب الآلية في الكنيسة فأصبحت النصوص الدينية ترتل ترتيلاً بدون إيقاع مع الكثير من التزيين وهذا ما كان من الممكن اعتباره نمطاً غنائياً لو أنه تطور ضمن الخط نفسه لكن المصادر تذكر ان اليهود الغربيين خاصة ومع انتشارهم في أنحاء العالم باتوا يقتبسون أغاني المناطق التي يعيشون فيها ويطبقون نصوصهم الدينية عليها حتى أصبحت جزءاً من تقاليدهم الكنسية. وظهر في القرن السادس عشر عدد من الموسيقيين اليهود الايطاليين الذين ألفوا أعمالاً غنائية كلاسيكية بكلمات عبرية لاستخدامها في الكنيسة. يذكر المصدر أنه ليس هنالك ما هو يهودي في الموسيقى الا كلماتها. وقد لحنت بالأسلوب الكونتربنتي السائد في إيطاليا القرن السادس عشر. تراتيل وموسيقى وفي نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر اعيد استخدام الموسيقى الآلية بشكل جزئي لكنها بعد غيابها طوال ما يزيد على سبعة عشر قرنا كان لابد لها أن تبدأ من حيث كان غيرها قد وصل, فأصبحت الموسيقى الدينية اليهودية شبيهة الموسيقى الكنسية المسيحية بكورالاتها الهارمونية واستخدامها لآلة الأرغن. في أواخر القرن التاسع عشر ظهر مرتل يهودي اسمه سولتزر اشتهر بصوت لم يكن في فيينا وقتها له مثيل. تمكن سولتزر من إحياء الموسيقى في الكنيس وتطويرها فأصبح كل كنيس في أوروبا يقتدي بأسلوبه. لكن الموسيقى التي كتبها سولتزر كانت موسيقى ألمانية صرفة نهجت أسلوب المدرسة النمساوية الألمانية بالتزام تام. ما لبثت حركة سولتزر التقويمية ان انتشرت في المجتمعات اليهودية حول العالم, وأصبحت اكثر المعابد اليهودية في الولايات المتحدة تغني أناشيد كورالية بمرافقة ارغن عازفه غير يهودي بسبب تحريم استخدام الآلات على اليهود يوم السبت. وهكذا بلغ امتزاج الموسيقى الدينية اليهودية بالمسيحية اوجه. حاولت بعض المعابد اليهودية الاورثوذوكسية الحفاظ على التقليد الترتيلي القديم كما تفعل الكنائس المسيحية الاورثوذوكسية. لكن الاعتماد على تقليد موسيقي ديني واحد في الكنيس كان أمراً صعباً بسبب تنوع الخلفيات الحضارية واللغات والبلدان ليهود العالم. اذن فالموسيقى الدينية المستخدمة في العبادة اليهودية ليست الا جمعاً من التراثات الموسيقية لمناطق متعددة بدأت في الشرق ثم انتشرت في كافة أنحاء اوروبا, لكنها لم تحقق هوية واضحة أو أسلوباً أو آلات او ايقاعات او سلالم خاصة بل اكتفت بجمع ما وقع تحت يديها من تقاليد موسيقية للشعوب التي خالطتها. اما الموسيقى الشعبية في المجتمعات اليهودية فقد راكمت كماً كبيراً من الأغاني ذات المحتوى الديني او الأخلاقي. أقدم مجموعة منشورة لهذه الأغاني تعود الى القرن السادس عشر حيث قام رجل اسمه اسرائيل نجارة بجمع هذه الاغاني ونشرها في صفد عام 1587 تحت عنوان (أناشيد من اسرائيل) . وقد حظيت مجموعته تلك بشعبية كبيرة في الشرق الادنى. ما فعله نجارة هو أنه استعار او بالادق سرق عدداً كبيراً من أغاني بلدان شرقية متعددة وأضاف اليها بعض الاغاني ذات الطابع الشرقي من تأليفه. ويذكر المصدر ان الألحان في ذلك الكتاب شرقية لكنها ليست بالضرورة يهودية. سرقة السلم الموسيقي راكم اليهود الأشكينازيم (الغربيين) أدباً غنائياً خاصاً بهم منذ القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر لكن أغانيهم في الغالب كانت مستعارة اما من الكنيس او من الاغاني الشعبية الألمانية. اما اليهود الشرقيون (السفرديم) فقد استخدموا أساليب اكثر شرقية جعلت الغرب يعتقد احياناً بأنها حصراً يهودية. ففي حين استخدمت موسيقى الاشكينازيم سلم الماجور او العجم وهو الاكثر استخداما في الموسيقى الغربية, تذكر المصادر ان يهود السفرديم استخدموا سلالم تحتوي فاصلة ثانية زائدة بين الدرجة الثانية والثالثة من السلم واخرى بين الدرجة السادسة والسابعة وهذا ليس الا سلم الحجاز في الموسيقى العربية. وهكذا واصل اليهود سرقتهم للموسيقى العربية. في أوائل القرن الماضي بدأ موسيقي يهودي اسمه ادلسون بنشر معجم الألحان العبرانية الشرقية عام 1914. تلاه بدراسة موسعة للموسيقى في المجتمعات اليهودية نشر عام 1929. وتلت هذه الدراسة مجموعة كبيرة من الدراسات التي تتناول ما أصبح يسمى بالموسيقى اليهودية. وفضلا لاهتمام الكثير من الأسر اليهودية بحكم التقليد بتعليم الموسيقى للأطفال, برز عدد هائل من الموسيقيين اليهود المتفوقين في القرن العشرين اكثرهم من العازفين وبعضهم من المؤلفين الذين بدأوا الان يدخلون الحاناً شرقية في موسيقاهم ليساهموا في خلق مفهوم الموسيقى اليهودية. فموسيقى المؤلفين اليهود الذين ينتمون الى القرون السابقة للعشرين (وبعضهم مشهور مثل مندلسون وأوفنباخ) لم تتميز بأسلوبها القومي عن أسلوب موسيقى البلدان التي انتمى اليها هؤلاء المؤلفون بشيء. لكن مؤلفي ما بعد الصهيونية من اليهود حرصوا على المساهمة في خلق هوية موسيقية يهودية تنفي انتماء اليهود للحضارات التي وجدوا فيها من جهة, وتكرس فكرة ارتباطهم بحضارات الشرق الادنى من جهة اخرى, وهذا بالطبع يعد قمة الاحتيال. من المدهش ايضا ان يضم نص اختصاصي في معجم موسيقي هذا الكم الهائل من (المعلومات) التاريخية التي تخضع لاتجاه سياسي معين وتأويل خاص للتاريخ. أذكر من الأمثلة الكثيرة صيغاً مثل: (في صراعهم من أجل الارض الموعودة) أو (عندما تسلب ارضهم) او (عرق مضطهد أينما ذهب) أو (افتقدت الأغاني الشعبية اليهودية لروح حب الحياة الوطنية بسبب حرمان اليهود من امتلاك الارض ونفيهم الى المعسكرات.. على عكس الاغاني الاسرائيلية اليوم) ثم يصيغ النص نكسة 1948 بصورة (طريفة) اذ تتجاهل فلسطين تماما يقول: (في عام 1948 انتهى الانتداب البريطاني وأصبحت اسرائيل دولة مستقلة) ويتابع الى ذكر المؤلفين الاسرائيليين. لسنا هنا بصدد مناقشة هل توجد موسيقى يهودية ام لا, ولكن ان يضم معجم اوكسفورد الموسيقي نصا هو في اكثريته سرد تاريخي وتوجيه بروباجاندي عن الموسيقى اليهودية. وان يفتقد لنظير له عن الموسيقى العربية او حتى عن أية موسيقى عريقة اخرى كالموسيقى الهندية او الصينية, فهو نقص لا يمكن تجاهله وتعصب يصعب السكوت عليه في مؤسسة علمية يفترض ان تكون غير انحيازية, مؤسسة يضع الكثير من الباحثين, ومنهم العرب, ثقة عمياء في موضوعيتها.