في مقهى دمشقي قديم يقع عند الطرف الشرقي للجامع الأموي يسمى مقهى النوفرة كان الحكواتي يجلس على كرسيه الخاص ليقرأ كل يوم حكاية من حكايات عنترة والزير سالم والسير الشعبية الاخرى وكان جمهور المستمعين الذي يملأ المقهى ينقسم الى قسمين دائما وفق شخصيات الصراع الذي تتحدث عنه الحكاية.. في هذا المقهى وقبل ان يدخل التلفزيون الى البيوت الدمشقية ويستقطب الناس في سهراتهم أمام شاشته الفضية كان الناس يتجمعون في هذا المقهى أيضا لمشاهدة فن خيال الظل او ما عرف به من خلال شخصيته الشعبيتين المعروفتين كركوز وعيواض حيث كان الحوار بين هاتين الشخصيتين يقدم المواقف الساخرة التي تخلق المتعة والتسلية وكانت هاتان الشخصيتان تقومان في بعض الاحيان بالتعليق الساخر والنقد لبعض الاحداث التي يعيشها الناس في حياتهم اليومية. فما هي حقيقة مسرح الظل وتاريخه ولماذا يكاد ان يختفي الآن؟ لقد عرف هذا الفن في مرحلة العصر الوسيط ويذهب بعض المهتمين به الى انه جاء من الهند او منطقة جنوب شرقي اسيا حيث وصل الى العرب عن طريق المغول والسلاجقة وقد انتشر في البداية بعد ان جاء الينا عبر فارس والاناضول في مدينة القاهرة اعتمد مسرح خيال الظل على الادب الخيالي والاساطير الشعبية والحكايات المستمدة من الحياة العادية وكانت الحكاية التي يقدمها تقوم على الفكاهة والمفارقة في طرحها لمواقف اجتماعية وسلوكية من الحياة وكان عالم الحكاية في الغالب هو الحمام ـ المقى االسوق. ولذلك كان هذا الفن يعكس طبيعة الحياة المعروفة عند الناس وما تطرحه من مشاكل ونقائص يلجأ هذا الفن من خلال المبالغة الى تقديمها حيث لا يلتزم الكراكوزاتي في عروضه بالمنطق في تسلسل الاحداث وتتابعها كما لا يهتم في عرضه بقايا الزمن والمكان اذا كان جهده يتركز على تقديم كوميديا تحاول اظهار جوانب الخلل في الشخصية واللبس في اللغة ولم يكن يحاول ان يلجأ الى تداخل الحوار لكي يظل متحكما في المشهد والمواقف الى ان يصل الى الموعظة التي يسعى لتقديمها او الوصول اليها في نهاية العرض لقد اعتمد في خيال الظل على رسوم الشخصيات ذات الملامح والاشكال المعبرة بالاضافة الى حركة الشخوص على شاشة العرض وفق ما يتطلبه الموقف وطبيعة الحوار التي كانت تعتمد على المبالغة والمفارقات في اللغة للتأثير في المتفرج وخلق المتعة لديه. لم يكن مسرح خيال الظل يهتم بتقديم الحكايات والمواقف الساخرة فقط بل كان يقوم بالدعاية لبعض الحوانيت بصورة كانت تجعل الناس يزدحمون في هذه الحوانيت في اليوم الثاني وقد لجأ كركوز الى تجسيد الشخصيات الانسانية بكل ما فيها من طيبة وشرور بالاضافة الى تمثيل الشخصيات الاجتماعية المختلفة خاصة شخصية الزوج الذي يخاف زوجته ويخشى سلاطة لسانها اما عيواض فكان يأخذ طابع الجدية والرصانة في شخصيته التي تحاول ان تقدم الحكمة والاشعار والامثال المعبرة وكانت هذه الشخصية تستغل سذاجة وطيبة شخصية كركوز وسرعة غضبه للايقاع به وصنع المقالب التي يعدها له والى جانب مسرح خيال الظل كانت هناك جوقة موسيقية تجلس في مقدمة المكان الى جوار خيمته وتحاول ان تقدم مقطوعات موسيقية خلال اوقات الراحة في العرض خاصة وان هذه الجوقة كانت تأتمر بأمر الكركوزاتي وتؤدي دورها وفق متطلبات العرض. اذا كان فن خيال الظل هو الفكرة الاولى التي مهدت لظهور السينما فما هي الادوات التي تستخدم فيه؟ ان مسرح خيال الظل يتألف من شاشة صغيرة من قماش ذات شكل مربع اي شاش ابيض, والالعاب المستخدمة في هذا الفن مصنوعة من جلد الحيوانات وهناك مصدر ضوئي يقع في النقطة الابعد وهي التي تعكس خيال الالعاب. اما الالعاب المستخدمة فهي مصنوعة بشكل مسطح تتحرك فيها الاطراف (الايدي والارجل) ويتم تحريكها بواسطة عصا مثبتة في رأس اللعبة يقوم لاعب خيال الظل فيها بأداء أصوات الشخصيات مما يتطلب منه ان يستطيع اداءها بشكل تمثيلي ناجح ومتنوع لكي يشد اليه الحضور ويجعلهم من خلال التلاعب والتلوين في الاصوات واللغة ان يدخلهم في الاجواء المحببة التي تودي الى تفاعلهم مع العرض.