ثلاثون سنة من الابداع السينمائي هي مسيرة المخرج الايراني داريوش ميهرجي , وهو المخرج الوحيد الذي عمل قبل الثورة في ظل نظام الشاه وعمل ايضا بعد قيام الثورة الإيرانية, حيث حقق فيلمه الاول (ماسة 33) عام 1968 نجاحا كبيرا, كما حقق فيلمه (البقرة) ، عام 1969 نجاحا لا يقل أهمية عن فيلمه الاول وكان بمثابة جواز مروره لدى النظام الحاكم الجديد, وفتح الطريق هو ورفاقه أمام السينما الايرانية لتأخذ طريقها إلى الساحة العالمية. في سن المراهقة كان يحب الموسيقى, وتمنى أن يدرسها ليصبح مؤلفا موسيقيا أو (مايسترو) , إلا أنه خلال تلك الفترة وجد في نفسه ميلاً للسينما من خلال متابعته للأفلام الاجنبية التي كانت تعرض في طهران من خلال المهرجانات التي كانت تستضيفها في ذلك الوقت , وكان عمره لا يتجاوز السادسة عشرة, ومن شدة عشقه لهذا الفن الساحر بدأ القراءة عن فنون التمثيل والاخراج, وكان لابد من صقل موهبته من خلال لدراسة فقرر الذهاب الى الولايات المتحدة لدارسة السينما في معهد السينما بلوس انجلوس على حسابه الخاص.. وبعد فصلين دراسيين تحول الى دراسة الفلسفة كاختيار أول , وكانت السينما اختياره الثاني. يقول داريوش: خلال دراستي في الولايات المتحدة قابلت أحد المنتجين, وكتبت سيناريو لأحد القصص الغرامية الايرانية, وكان الاتفاق ان يتم انتاجها من خلال الانتاج المشترك بين امريكا وايران, وبعد انتهائي من الدراسة عدت الى ايران لاخراج الفيلم, لكننا فوجئنا أن التكاليف مرتفعة جدا, فصرفنا النظر عن الفيلم, ثم أخرجت بعد ذلك فيلما تجاريا اسمه (ماسة 33) لم يكن من نوعية الافلام التي أطمح اليها, الا أنه فتح الابواب أمامي لاخراج فيلمي الثاني (البقرة) عام 1969 وهو أول الاعمال ا لتي بدأت بها مشواري الفعلي في الاخراج. قصة البقرة وكان الكاتب الايراني غلام حسين سعيدي صديق طموح ودرب, ومن خلال متابعتي لكتاباته وقع الاختيار على قصة (البقرة) وكتبت لها السيناريو, ومنذ البداية كان واضحا أن الفيلم ليس من نوعية الافلام التجارية, وهو ما دفعنا للتقدم لوزارة الثقافة بأن تمد لنا يد العون, وتدور أحداث الفيلم في قرية نائية فقيرة ماتت فيها بقرة أحد الفلاحين وما صحب ذلك من أحداث أدت في النهاية الى جنون الفلاح صاحب البقرة. وقد أثار الفيلم اعتراض الرقابة, ولذلك فقد لجأنا الى تهريبه لعرضه في المهرجان, وأمام نجاح الفيلم أضطرت حكومة الشاه في ذلك الوقت الى عرضه محليا بشرط التنويه إلى أن الاحداث وقعت قبل حملة الشاه لتحديث ايران. وبعد الثورة كان الفيلم محل رضى النظام الجديد على الرغم من موقف الحكومة المتشدد من الفنون عامة, الا أن الخميني عندما شاهد الفيلم أعجب به بشدة كونه يحكي عن حياة المقهورين والفقراء. تأثير السينما الإيرانية ويشير المخرج الايراني إلى أن السينما الايرانية كان لها تأثير قوي على المجتمع على الرغم من الرقابة المتشددة وكبت الحريات, وكانت (السافاك) (المباحث) تلاحق صاحب كل كلمة حرة وتزج به في السجن, الا أن الشعب كان يتوقع من الفنانين والكتاب والشعراء التعبير عن مشاكلهم, ومناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية, وكنت ضمن ابناء جيلي نتناول القضايا الاجتماعية وحياة المقهورين برؤية نقدية غير مباشرة من خلال رموز خاصة تعبر عن واقع الحياة في ايران. وعن كيفية عمله في ظل حكومة الثورة يوضح (صورت اعمالا محدودة من الافلام الوثائقية ساعدني على تقبل حكومة الثورة لي بمساعدة شعبيتي قبل الثورة, والحقيقة أنا أول مخرج سينمائي تلجأ اليه الثورة .. وكان أول أفلامي بعد الثورة هو (المدرسة التي ذهبنا اليها) وتضمن نقدا للنظام الشمولي والدكتاتورية من خلال شخصية ناظر مدرسة متشدد. غير ان الرقابة منعت الفيلم مدة عشر سنوات والعجب أن الفيلم جاءني مشروعه عن طريق هيئة حكومية هي (مؤسسة أفلام الأطفال والشبيبة) ولكن تغيرت الأمور بعد إتمام الفيلم وجاء مسئولون جدد وجدوا في الفيلم نقدا للنظام, ولهذا منعوه لعدة سنوات, ثم أجيز وحقق جوائز عديدة. ودعى فيلمي (المدرسة) لمهرجان كان, وحصلت على تأشيرة, ولكن تقرر منع الفيلم وعدم إرساله للمهرجان, وبقيت في باريس في نفس الوقت الذي حدثت فيه تغيرات سياسية في إيران, عزل رئيس الجمهورية الحسن بني صدر, وكان فيلمي (الدائرة) قد عرضه التلفزيون الفرنسي, كما قام موزع فرنسي عرض أفلامي السابقة مما حقق لي سمعة طيبة, ومن هنا كان عرض التلفزيون الفرنسي أن أقوم بإخراج فيلم لحسابه, منحوني حرية أن أختار أي موضوع أشاء, ولما كنت معجبا بالشاعر رامبو وقرأت قصائده وأنا صغير فقد قررت إخراج فيلم عنه في 70 دقيقة, وقد قدم في أكثر من مهرجان. ويعتقد داريوش ان كل أفلامه سواء قبل الثورة أو بعدها لديها مشكلات مع الرقابة.. لأنهم يحاولون تفسير الفيلم تفسيرا أيديولوجيا. السينما الأخرى وعن رؤيته لجيل السينمائيين بعده, يؤكد ان فيلم (البقرة) مهد طريق السينما الجديدة, حيث تعرض لحياة المقهورين في ظل ظروف غير إنسانية, وهذا النوع من السينما كان محل ترحيب من النظام الجديد, حيث لم تكن هناك شجاعة كافية لقبول أفلام فنية عالية, والجيل التالي لي لم يتأثر بي بالضرورة, لأنني كنت جزءا من حركة سينمائية كنا قد شرعنا فيها قد تسمى (السينما الأخرى ) , وأنتجت أفلاماً عن قصص بسيطة وعن ناس مقهورين, ولكن هذه الحركة لم تقدم الكثير من الأفلام وبعد هذا خبت وانتهت, ولم تنجح تجاريا, وبعد الثورة عادت هذه الحركة بطريقة أو أخرى. ويحكي داريوش عن أمير نادري موضحاً إنه من جيلي وبعد الثورة أخرج أفلاما هامة مثل (القداء) .. و(الصحراء والريح) .. ولكنه لم يتحمل الأوضاع في إيران ولهذا تركها إلى أمريكا وما زال هناك. وعلق على (سينما المرأة) في إيران.. وحضور تسع مخرجات أو أكثر في السينما الإيرانية.. ومحاولتهن تناول قضايا اجتماعية عامة وليس تحديدا قضايا المرأة برؤية نقدية غالبا هناك سبب أساسي ليس لظهورهن وحدهن.. بل لظهورنا جميعا مخرجات أو مخرجين.. هو أن دولتنا كانت قد منعت الأفلام الأجنبية.. أغلقت دونها الأبواب, ومن أجل قيام صناعة سينما وطنية كان لابد أن يشجعوا الإنتاج المحلي, كما أرادوا أن يؤكدوا حضور ونشاط المرأة في مجتمعنا وهو أمر حقيقي, ولهذا ظهرت مخرجات نساء سرن في طريق الحركة الجديدة أو السينما الأخرى التي كنا قد بدأناها من قبل, وقد حققنا نجاحا وقبولا محليا وعالميا.. وعددهن يزداد. ومازالت هناك رقابة في بلدنا ـ وإن تخففت ـ لكن المشكلة هي فيما يتصل بعرض أفلام على مستوى فني عال.. بسبب نقص دور العرض.. إن جاليلي مثلا أخرج ستة أفلام ولكن لم يشاهد الجمهور أيا من أفلامه هذه, ولهذا يبدو أن الحكومة لا يهمها أن يقوم مخرجون بإخراج أفلام لا تعرض إلا في المهرجانات الدولية ولجمهور أجنبي.. ولهذا تجد أن الرقابة ناعمة أو متسامحة بشأن توزيع الأفلام الإيرانية في الخارج.. ومن هنا لا تعرض بعض الأفلام الإ يرانية ـ إذا عرضت ـ إلا في دور عرض صغيرة ولفترة قصيرة. أزمة التذاكر السينما عامة في أزمة وذلك لأن تذاكر دور العرض مخفضة للغاية.. إن بطاقة الدخول عندنا لا تتعدى ثلث دولار.. ولهذا فإن من بين 60 أو 70 فيلما تنتج سنويا فإن 90% منها لا يحقق الربح المرجو رغم أن الدولة تقدم لها سلفة, ولهذا فإنه إذا زادت الدولة سعر بطاقة الدخول فإن الأمور ستتحسن. ويؤكد المخرج الايراني داريوش إن السوق العالمي تتحكم فيه الأفلام الأمريكية مما يهدد السينمات الوطنية بالإندثار, كما أن الاتجاه العام في العالم اليوم ليس نحو أفلام الفن أو الموضوعات الإنسانية بل إلى أفلام الإثارة والحركة ولهذا فإن كثيرين من المخرجين يحاولون وضع عناصر تجارية في أفلامهم حتى يسوقونها ولكن في إيران رغم أن بعض السينمائيين يحاولون إدخال شيء من هذه العناصر التجارية فهذا ليس الشائع أو الملزم, ومن هنا فإنه ينبغي على بلاد تهتم بأفلام الفن مثل الصين أو تايوان أو إيران ألا تهتم كثيرا بالعنصر التجاري. ولكن المشكلة التي تقابل مهرجانات السينما الدولية ذات المرتبة (أ) هي محاولة عرض أفلام جيدة على مستوى عال, هو عدم توفر هذا النوع, حيث يهتمون في كل مكان بإدخال عناصر تجارية في أفلامهم ومما يهدد الموقف الحالي للمهرجانات الدولية. وقد انتهى داريوش مؤخراً من مكساج فيلمه الذي أطلق عليه اسم The Mix من المكساج.