لقد حول كتاب المسرح الايرلنديون الغرب الموحش الى جنة من الرومانسية. ومع ذلك فإن السؤال الذي يتبقى الان هو: بعد قرون من الاحتفاء بالموروث التقليدي المسرحي الايرلندي, هل تختلف توجهات ابناء ما يعرف بالجيل الثالث من كتاب المسرح الايرلنديين، عن توجهات الاجيال التي سبقتهم خاصة ما يتعلق منها بالتعامل مع هذا الموروث؟ يكاد الكاتب المسرحي الايرلندي المتألق مارتن مكدونوف مؤلف العديد من الاعمال المسرحية العالمية المعروفة في بريطانيا وامريكا مثل: (ملكة جمال لينان) و(الغرب الموحش) و(أعرج راينشمان) وزميله المؤلف المسرحي العالمي الشهير (كولن مكفير سون) يكادان يكونان اول كاتبين مسرحيين ايرلنديين ممن يطلع عليهما الجيل الثالث يتكشفان شيئا استثنائيا يتعلق على وجه التحديد بالغرب الايرلندي. المنطقة الشهيرة بوحشتها. ومع ان اهتمام الكتاب الايرلنديين بالغرب يعود الى زمن بعيد جدا حيث يستطيع المرء ان يلمح شيئا من ذلك لدى كتاب كبار سبق لهم القيام برحلات استكشافية الى تلك الانحاء الكئيبة, نذكر منهم على سبيل المثال (جون ميلنجثون سنج) خلال السنوات الاخيرة من القرن العشرين وبرين فريل خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات الا ان جانبا حيويا من هذا الاهتمام بدأ يظهر على يدي هذين الكاتبين الشابين وبشكل مختلف مكن النقاد من تحديد هذا الانتقال نحو جيل جديد من كتاب المسرح المبدعين ايضا. الحياة الموحشة ومع ان العديد من القراء مازالوا يتذكرون الاعمال المهمة التي وضعها كتاب المسرح الايرلنديون الذين استهوتهم تلك الحياة الموحشة واشتهر من خلالها مؤلفون مثل سنج في مسرحية (الشباب المستهتر الذي ينتمي للغرب) في سنة 1966 الى جانب مسرحيته المعروفة (الرقص في لوخناسا) سنة ,1993 الا ان اعمال مكدونوف ومكفيرسون تفسح المجال للسؤال عن مدى توافقها مع هذا التوجه نحو الغرب شديد العزلة في المسرح الايرلندي. ان هذا الاهتمام بالمكان والزمان يوحي بأن ما يعرف بالغرب الايرلندي هو في الواقع شيء مختلف. وابتداء بالارض فإن المنطقة ليست سوى ارض جرداء صخرية منفرة اقل خصوبة مقارنة بالاجزاء الشرقية من ايرلندا. وتتناقل كتب التاريخ بعض الحكايات التي وردت عن ان (اوليفر كرومويل) وقواته اجبروا المزارعين الكاثوليك في ايرلندا على ترك اراضيهم بتخييرهم بين التراجع غربا او الموت, اما الجحيم او الغرب, مما حمل هؤلاء الناجين على العيش في عزلة متواصلة على مدى قرون, والى اليوم فإن الغرب الايرلندي مازال يعاني من مشكلات كثيرة تتعلق بحياته الاجتماعية والسياسية التقليدية المحافظة كما تظهر نتائج التصويت على بعض القرارات المهمة اضافة الى ذلك فإن الغرب لايزال يتحدث اللغة الايرلندية القديمة التي يعتقد الاخرون بموتها. وبالنسبة للكتاب الايرلنديين وكما يرى العديد من النقاد فقد بدأ الاهتمام بالغرب كجزء من البحث عن الجذور القومية الريفية. كما اتاحت المنطقة بعد ذلك مكانا متنازعا عليه بين الحضارة والطبيعة الوحشية. لكن المرحلة التي شهدت تأجج المشاعر الوطنية التي تميل الى الاستقلال عن بريطانيا هي ذاتها المرحلة التي شهدت ولادة مؤسسات وطنية ايرلندية فيها على سبيل المثال مسرح (دبلن آبي) الذي جسد فيما بعد الصرح الثقافي الذي قاد الى قيام مؤسسة سياسية قومية ايرلندية. اما الاعلان عما كان يعرف بـ (احياء التراث الادبي الايرلندي) المشروع الثقافي الذي شارك فيه كتاب ايرلنديون كبار مثل الشاعر الكبير (وليم بتلر يتسي) و (ليدي اوجستا جريجوري) و(جي. م. سنج) فقد نجح على نحو كبير في اضفاء مسحة من الرومانسية على الغرب كما نجح في بناء مشروع شعري ومسرحي وادبي قائم على الموروث الميثولوجي الاسطوري القديم الذي عرفته المنطقة. انتقاد المجتمع وفي مسرحيات سنج مثلا (الشاب المستهتر) على وجه التحديد وهي مسرحية تقترب في صياغتها من مسرحية الغرب الموحش لدونوف برزت بوضوح وللمرة الاولى معالم المدرسة (الواقعية) وفي الادب المسرحي. وقد عكف سنج على الاعلان عن مواقفه تجاه بناء ثقافة ايرلندية غربية نقية وهاجم المجتمع الابوي الذي يضع السلطة في يد الرجل ومن جهة اخرى المفاهيم التقليدية الخاطئة المتعلقة بالمرأة ولم يستثن من مواقفه تلك الكنيسة الكاثوليكية. على الرغم من كل شيء الا ان سنج لم يكن قادرا على رسم صورة متماثلة للغرب, خاصة حين لقيت مسرحيته الشهيرة الشاب المستهتر معارضة شديدة تحولت الى اعمال عنف قادها جمهور مسرح (آبي) في سنة 1907 ليلة الافتتاح وكان لذلك علاقة برفض المتفرجين الوجه الريفي الساذج لايرلندا بوصفها عالما من القمع والعنف. اما اعمال (شين اوكاس) الدبلنية كمسرحيات (ظل القناص) و(الجرافة والنجوم) و(جونو وبايكوك) فقد عملت على عقدان بناء موضوعات سياسية اكثر حدة وواجهت مقاومة شديدة في سنة 1920. لقد كان عقدان من الثورة والانقسام والحرب الاهلية كافيين لحمل الامة الايرلندية الجديدة على البقاء في موقع الحياد اثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يتمكن الكتاب الايرلنديون من مواصلة العمل في مجال المسرح حتى الستينيات لدى حصول برين فريل على جائزة (توني اوارد) للابداع لتشهد الساحة العالمية عودة اخرى للكتاب المسرحيين الايرلنديين المتميزين وبرين هو من الكتاب الذين تأثر اسلوبهم بالاضطرابات السياسية والنفسية التي مر بها الايرلنديون لاسيما في مرحلة الستينيات سواء كان هؤلاء ممن يقيمون في الداخل او الخارج, وقد حرص هؤلاء على تناول الموضوعات العادية المألوفة باسلوب يمت بالصلة للواقعية الاجتماعية الجديدة. وللحديث عن برين فريل لوحده فهو من مواليد ايرلندا الشمالية سنة 1929 وقد حققت اعمال مسرحية كتبها شهرة عالمية واسعة لم يحلم بها وهي اعمال نذكر منها مسرحيات (فيلادلفيا) (وها انا قادم) سنة 1964 و(العشاق) و(مولي سونيي) . الموروث التقليدي يقول فنتان او تول في كتابه المسرح الامريكي شهدت مرحلة التسعينيات ظهور جيل جديد من كتاب المسرح الايرلنديين من امثال كولن مكفيرسون وسبستيان باري, ومارتن مكدونوف, وغيرهم. وقد بدأ هؤلاء في جمع القطع الادبية ذات العلاقة بالموروث التقليدي الايرلندي المبعثرة هنا وهناك لترى النور. وبخلاف ما فعله الرعيل الاول من الكتاب المسرحيين الايرلنديين في مطلع هذا القرن فإنهم لم يعملوا على اعادة احياء هذا العالم القديم كجزء من مشروع قومي كبير. كما انهم وبخلاف ابناء الجيل الثاني لم يكونوا مقيدين بالنضال حتى الموت من اجل الموروث التقليدي القديم. ولكنهم وببساطة مهتمون بالنظر والبحث في هذه الاجزاء المميزة للمجتمع القديم البائد. ان كلا من مكفيرسون ومكدونوف قد وجد طريقه الى النجاح من خلال هذه البيئة الغربية. كما ان مكفيرسون مؤلف مسرحيات (سانت نيكولاس) و(السد) الذي اشتهرت اعماله على مسارح لندن ونيويورك ووصلت الى العالمية يؤسس اعماله المسرحية على فهم جديد للمسرح يحوله الى مجموعة من الحوارات الشعرية الهادئة البسيطة على مستوى الحياة اليومية لكنها مليئة بالعمق. وفي مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز يقول مكفيرسون, انه انعتاق كبير, وانت في المسرح ان تسمع قصصا مثل هذه فيتحول الجمهور الى الشخصية الثانية وتصبح النتيجة لقاء حميمي مع هذا الجمهور وينقضي الوقت مع شخصيات مألوفة تحفز على المناشدة الكونية من اجل الحياة في جماعة واحدة. ورغم ان اعمال مكدونوف تشد الجمهور الى عالمه الذي يتألف من شخصيات غير عادية وحوارات عاطفية وسخرية سوداء بنفس الدرجة الا ان ذلك الاحساس بالروح الجماعية لم يتشكل لدية تماما. فمسرحيات دونوف تدور في عالم منهار رغم كل شيء وكما يعبر (اتول) عن ذلك فإن اشخاص مكدونوف هم اناس تخطاهم الاخرون بسبب التغيرات الاجتماعية القاسية, ولم يعد احد منهم يمتلك شيئا سوى التقهقر الى الداخل. فهم لا يجدون مجالا للمشاركة في حرب مثلا بل ان ما يجدونه هو الحرب الاهلية التي لا نهاية لها ضد اناس يحبونهم في الواقع. ومسرحية (ملكة جمال لينان) يمكن مقارنتها بالاعمال المسرحية الجيدة التي ظهرت في بداية القرن مع وجود انعطاف غير متوقع يلجأ اليه مكدونوف ويتمثل في السخرية القاسية السوداء والواقعية الكئيبة التي تعبر عن نفسها الى ابعد الحدود. كما ان روح التشاؤم التي تميز اعمال مكدونوف تفصله عن اسلافه رغم انه يستخدم نفس اللغة. اما (روبرت برستين) فقد قال عنه, ان مشاهدة مسرحية (ملكة جمال لينان) تشبه الجلوس امام وجبة غذائية مشبعة بعد التقيد بحمية لا تحتوي الا على الخضروات والمقبلات. فحتى قبل معرفتك ما بها شعوب اليك شهيتك كما ينتابك شعور بأنك قد تغذيت باساليب كنت قد نسيت بأنها ممكنة.