بعد مرور اكثر من خمسين عاما على احتلال اسرائيل لفلسطين. نحاول تقصي الاعمال المسرحية التي شكلت القضية الفلسطينية محورا مهما, وحيزا كبيرا من مساحات محاورها, وموضوعاتها, لنتبين الدور الذي مارسه المسرح في توعية الشعب العربي ازاء هذه القضية.. المسرح الذي يلعب دورا كبيرا في التوعية. ورأى ذلك الكاتب والمخرج المسرحي الالماني المبدع برتولت بريشت, عندما كتب يقول في مسرحيته (الام الشجاعة) : (ترى كيف سيكون في وسعنا ان نحض شعبنا على التخلي عن موقفه القدري ازاء خطر قيام الحرب والام كوراج او الشجاعة كانت ستكون مسرحية اكثر فاعلية, لو ان لعنات الام المنهالة على هامة الحرب. في النهاية فقد ترجمت الى افعال ملموسة. يجسد المسرح هذه المأساة ويزرعها في الذاكرة.. حتى لا ننسى.. وحتى نتفهم الحاضر, لعلنا نستدرك الآتي, عندما نحول الاستنكار والتذمر الى افعال ملموسة, ويتحول المسرح حينئذ الى مؤسسة ثورية, كما يقول المخرج المسرحي المصري كرم مطاوع: (تعتمد القضية القومية اساسا, والتاريخ العربي كأحد مصادر التراث القومي, المتلاحم مع الواقع, حتى نتعلم الرد على التحديات العدوانية المختلفة الاشكال) . لم يتحول المسرح الى مؤسسة ثورية, ولكنه اعتمد القضية الفلسطينية موضوعا له كما اعتمدها الشعر, والرواية والقصة, والسينما. فكتب الشعراء مثل ابو سلمى, سلمى الجيوسي, ومحمود درويش, ومعين بسيسو, وعز الدين المناصرة, وسميح القاسم وغيرهم, وكانت دواوينهم تعرف فلسطين. وكذلك الرواية والقصة, لقد كتب جبرا ابراهيم جبرا, وغسان كنفاني, وحليم بركات عن القضية الفلسطينية وعن علاقة الثورة بالانظمة العربية والشعب العربي. اما المسرح العربي, فقد ارتبط بالقضية الفلسطينية ليس بالسياق التطوري, ولكن بزمن تداخلي انطلاقا من مراحل نسعى الى تقصيها من خلال المسرحيات العربية التي تناولت هذا الموضوع. ولكن قبل الشروع في قراءة هذه الاعمال المسرحية, ينبغي القيام بتصنيفها وفق نوع المسرح الذي قدمت من خلاله. لأن بعضها قد انجز ضمن المسرح الفلسطيني. وبعضها الاخر قد تم عرضه من قبل فرق مسرحية عربية ومخرجين عرب تبنوا القضية من بينهم المسرحي العراقي جواد الاسدي, الذي تناول الموضوعات الفلسطينية. والتزم بالقضية الفلسطينية وآمال الشعب الفلسطيني, وثورته المسلحة ضد الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.. من هذا المنطلق ظهرت فرقة المسرح الوطني الفلسطيني في اواخر الثمانينيات, وهي بدورها قد تأخرت عن الظهور. ونعزو ذلك الى درجة الايمان بدور المسرح في توعية الجماهير وحثهم على الثورة, ثم اصبح لهذه الفرقة وقع خاص على حركة المسرح العربي, وأكثر من ذلك فالاسدي يعتبر ان المسرح الوطني الفلسطيني كان قد شكل رافدا من روافد المسرح العربي, بمعنى انه ذو هوية وخصوصية معينة. لذلك عمل الاسدي على نمو المسرح الفلسطيني بمنأى عن الخطابة والسياسة, فرسم آلية هذا المسرح التي يجب ان تقوم على دراسة واقع الانسان الفلسطيني, ودراسة تراثه, ومستواه المعرفي, والجمالي, ودراسة آفاق حضوره الفاعل من خلال استمراره رغم الحصار, والموت.. قدمت هذه الفرقة اعمالا مسرحية متعددة: (خيوط من فضة) , و(رقصة العلم) , و(الاغتصاب) . واتسعت دائرة الاعمال المسرحية التي تناولت هذه القضية, ومنها (القيادة) من تأليف الشاعر السوري ممدوح عدوان ومن تمثيل زيناتي قدسية. وتدور هذه المسرحية حول تفاصيل معاناة الانسان الفلسطيني, وهمومه, وهواجسه, ولم يعد هذا الموضوع يقتصر عرضه على رجل مسرحي سوري او فلسطيني, او عراقي, بل صار هما قوميا, يأتلف المسرحيين العرب, ويجتمعون حول عمل مشترك خاص بالقضية, فقدم اتحاد الفنانين العرب مسرحية (واقدساه) عام 1988, وهي من تأليف الكاتب المسرحي المصري يسري الجندي, ومن اخراج المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي, وفريق تمثيلها كان فريقا عربيا. ثم برزت عروض مسرحية اخرى كتبها واخرجها مبدعون مسرحيون عرب: مصريون, وسوريون, ولبنانيون, وغيرهم.. وهنا لابد من الاشارة الى عدم تمكننا من تقصي كل الاعمال التي دارت حول القضية الفلسطينية لدراستها, لهذا اخترنا بعض الاعمال التي تعبر عن مسار هذه القضية. لم يشأ المسرحيون ان يفوتوا تدوين تاريخ الاغتصاب الصهيوني لفلسطين, لذلك قامت تجارب مسرحية جادة في مرحلة السبعينيات, وتحديدا بعد هزيمة 5 يونيو. فظهر تأليف النصوص التي تؤرخ لهذه المأساة, مثل مسرحية (ويز مانو بن جوري) للمخرج, والكاتب المسرحي اللبناني جلال خوري. وهي مسرحية جذرية, وتعتمد على منهج جدلي يعيد انتاجا حقيقيا للاحداث التي ادت الى انشاء دولة اسرائيل, ثم ربط خوري العلاقة العميقة التي تقوم بين انشاء دولة اسرائيل, والفائدة التي تعود على العالم الرأسمالي: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الامريكية, وعموم العالم العربي, فبحثوا عن منطقة تشكل موقعا استراتيجيا او اقتصاديا لا يضاهى, فكان فلسطين.. ونفذوا وعد بلفور. اذا كانت مسرحية خوري قد حللت اسباب اغتصاب فلسطين, فإن مسرحيات اخرى ظهرت ولم تكثف بالتصدي لعرض اسباب الاحتلال, تتحليل عناصر القضية الفلسطينية وتوضيح مخاطر افقها فحسب, بل تصدت لها بالتقييم والحكم, واكثر من ذلك بالدعوة الى اتخاذ موقف من العدو, اي الدعوة الى فعل ثوري من اجل الانتصار, فهي تستبطن السياسي كما يقول محمود امين العالم في كتابه (الوجه والقناع في مسرحنا المعاصر) ص ,80 ولكنها تستظهره, اذن ان القضية هي فلسطين السليبة, قضية عربية ولكنها قضية انسانية.. انها ازمة الضمير الانساني في عصرنا. وتركز هذه المسرحية على آلية التخطيط لهذا الاحتلال عندما تكشف عن ان هرتزل, فيلسوف التعصب اليهودي سرعان ما يتقدم ليؤكد ان دولة يهودية في فلسطين, او في سوريا ستكون امتدادا للحضارة الغربية, بنيت هذه المسرحية لمخاطبة العقل العربي بالوقائع الصلبة, وبالحقائق المباشرة منذ بداية المأساة (وعد بلفور) الى تنفيذ الوعد, ثم الى مجازر 1948, وصولا الى نكسة يونيو 1967, وبداية العمل الفدائي. اعتمدت هذه المسرحية, كونها تصب في السياسي, اسلوب المسرح التسجيلي الوثائقي الذي يستند الى الوقائع, والتفاصيل, وهي من شروط المسرح التسجيلي الذي يرمي الى بعد سياسي, ليطرح حقائق القضية ووقائع, والتفاصيل, وهي من شروط المسرح التسجيلي الذي يرمي الى بعد سياسي, ليطرح حقائق القضية ووقائعها, ثم يعرض الى تضاريسها الخارجية, والى القيم العميقة للثورة الفلسطينية, وتتناول المسرحية كيفية التفريق بين اليهودية والصهيونية في الحكم. وهذا ما ركز عليه الكاتب المسرحي السوري سعد الله في مسرحيته (الاغتصاب) حين دعا الى الحوار مع اليهودي غير المعتدي, وغير المغتصب, والمؤمن بحقوق الشعب الفلسطيني. المسرح بعد النكسة كان المسرحيون العرب يعولون على المسرحي الغربي, اقتباسا, ترجمة, واعدادا.. وكانوا يتنافسون مسرعين لزرع كل عنصر مسرحي غربي في مسرحهم العربي, من حيث الشكل, او التأثر بالتيارات.. والمدارس الفنية الحداثية.. وظهرت الدعوات في مرحلة الستينيات لتتخلى عن الشكل الغربي, والقيام بالبحث في تراثها العربي ليعبر من خلاله عن رؤانا, وهمومنا. ولكن هذه الدعوة كانت بانتظار الحافز الحقيقي الذي سيفجر كل امكانيات التعبير. ووسائل المشكلة, وجاء الحافز, وكان انهزام العرب امام اسرائيل بتاريخ 5 يونيو 1967.. فبدأت الاصوات تعلو. والكتاب المسرحيون العرب يناضلون لكتابة النصوص التي تعبر عن تلك المرحلة. وكانت الهزيمة الهزة التي استوقفت معظم المبدعين المسرحيين العرب. فوجدوا انه لابد من اعادة النظر في آلية التأليف المسرحي, وضرورة التشديد على تأليف نصوص محلية, تستطيع ان تعبر عن واقع الانسان العربي, وقضاياه, وهواجسه. فبرز كتاب مسرحيون عبروا عن هذه الهزيمة مثل الفريد فرج, وسعد الله ونوس, وعصام محفوظ, وغيرهم من الكتاب.. ومن المخرجين الذين وضعوا نصوصهم: جلال خوري, وروجيه عساف, ونضال الاشقر, ورأى هؤلاء جميعا ان الوقت قد حان للتعبير عن الذات. فظهرت مسرحية (حفلة سمر من اجل 5 يونيو) لسعد الله ونوس و (القتل) لعصام محفوظ وغيرهم وارتأى معظم هؤلاء التعبير بشكل او بآخر عن مدى اهتمامهم, والتزامهم بالقضية الفلسطينية, والتعبير عن رؤيتهم المختلفة للهزيمة, وتحليل اسبابها, لأن الهزيمة لحقت بمعظم الشعوب العربية, مصر, سوريا, ولبنان.. مع الاشارة الى ان المضمون العام للمسرح يرتبط تحليله, ورؤيته بالظروف الخاصة التي تتميز بها اوضاع كل بلد, وواقعه السياسي, والثقافي, سواء كان في لبنان, او في سوريا, او في مصر او في لبنان, ولكن المشترك بين هذه الاعمال المسرحية العربية ظل الدفاع عن القضية الفلسطينية, والدفاع عن حقوق الشعب العربي, بعدما كان دفاعا عن الشعب الفلسطيني. وعبر عن ذاك سعد الله ونوس برؤية مختلفة, لأن الهزيمة تستدعي رؤية وبعدا فكريا ينتقل من حالة التحريض الى تأمل العلاقة مع الذات, ويدعونا ونوس في مرسحية (حفلة سمر من اجل 5 يونيو) الى محاكمة انفسنا, ومحاكمة المسئول والانظمة العربية التي ادت مواقفها المتخاذلة, والمتواطئة ضد مصلحة شعوبها, الى الهزيمة. وفي لبنان, ايضا, عبر الاخوان الرحبانيان عاصي ومنصور عن هذا الواقع الاليم من خلال مسرحية (جبال الصوان) (1969) وتشير قصتها الى مقاومة اهالي جبال الصوان لجيش غريب. يريد ان يكسر الحدود التي يرمز اليها بوابة, ويدخل جبال الصوان, فيقاومه احد ابنائها الابطال مدلج ويستشهد على البوابة, وبعد مضي عشر سنوات, تظهر ابنته غربة التي اختفت بعد استشهاد ابيها, وتدعو الناس الى المقاومة, ولكنها تدعو الى تمرحل الشكال النضال. والمقاومة.. فتحدث الاعتقالات ويسقط الشهداء.. فتستشهد غربة عند عتبة بوابة جبال الصوان, وصمود الاهالي على القتال, والتحرير, ويهرب المحتل ورجاله. وتعبر هذه المسرحية عملا سياسيا تحريضا يحث العرب على المقاومة ضد العدو الصهيوني. واتجه المخرج المسرحي اللبناني روجيه عساف والمخرجة المسرحية اللبنانية نضال الاشقر في المسار نفسه, اذ عرضا مسرحية (مجدلون) عام 1969 من ضمن اعمال محترف بيروت للمسرح, وقد اسساه معا, وذهبت هذه المسرحية ابعد من التعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني, وهي لا تدعو الى الانضمام للثورة والقتال جنبا الى جنب مع الفلسطينيين المقاومين, كما اوحت هذه المسرحية بالزمن الذي جزأ فيه الاستعمار العالم العربي, ووضع الحدود بين لبنان وفلسطين وفقا لمعاهدة سايكس بيكو.