في روايتها الشهيرة (طفل زهرة الاقحوان) الصادرة سنة 1984 تصور الروائية اليابانية (فوميكو انيتشي) (1905 ـ 1986) حياة رجل وامرأة عجوزين كلا على حدة. وفيما يبذل (ساكو راداي يوسين) جهداً كبيرا في تدريب ممثل شاب يحلم ، بأن يحل محله في العمل بعد موته فيشعر بالسعادة المترتبة على ذلك التقمص الروحي لشخصية الشاب, فان (تانووتش سيكى) التي تنبذها اسرتها وهي في سن 89 فتعاني من الوحدة تجد خلاصها على يد محام ناشيء يعاني من الفشل فتدفعه للوصول الى النجاح لتشعر بالسعادة. تجسد انيتشي مرحلة مهمة من مراحل الادب الياباني الحديث. لاسيما وان اعمالها الروائية قد ساهمت بشكل واضح في البحث في مشكلات الحياة العاطفية وعلى وجه التحديد العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع الياباني المعاصر وهو ما تسميه المؤلفة الدعوة الى التجديد الروحي. والى جانب شهرتها كروائية عالمية تعد الكاتبة اليابانية الراحلة فوميكو انيتشي واحدة من اهم الباحثين في الادب الياباني الكلاسيكي. وكانت شهرة انيتشي قد بدأت لدى نقلها رواية (حكاية جينجي) من اليابانية القديمة الى الحديثة في سنة 1972 (وهي ملحمة رواية تاريخية) في 10 مجلدات ويعتبرها الكثيرون اول عمل روائي مكتمل على مستوى العالم وتبعتها بترجمة العديد من الأعمال الادبية الكلاسيكية القديمة. في سنة 1965 حصلت انيتشي على العديد من الجوائز المحلية اليابانية عن نقلها من اليابانية القديمة الى الحديثة العمل الكلاسيكي ناما ميكو مونوجا تاري: او (حكاية الحظوظ العاثرة) الى جانب مساهماتها العديدة في ترجمة اعمال كلاسيكية. دراسة متنوعة ولدت فوميكو انيتشي في طوكيو في سنة 1905 وتوفيت على اثر نوبة قلبية. والدها هو (يويدا كاشوتوشي) عالم اللغويات الشهير. وتلقت تعليمها بكلية البنات اضافة الى دراسة اللغات الانجليزية والفرنسية والادب الصيني والمسرح الياباني الحديث. ومنذ المراحل الاولى من طفولتها عرف عن اينتشي ارتباطها الشديد بالمسرح واهتمامها بمتابعة الاعمال المسرحية الكلاسيكية القديمة التي تعود الى مرحلة (ايدو) الاخيرة. كما اظهرت نضجا غير عادي لدى تناولها بالقراءة كل ما كان يصادفها من موضوعات تتعلق بالمسرح والرواية. ففي سن الثالثة عشرة كانت انيتشي قد تعرفت على كتاب مثل (ادجار الان بو) و(هوفمان) و(اوسكار وايلد) والعديد من الكتاب اليابانيين مثل (كسووكا ايزومي) 1873 ـ 1839 و(كافو ناجاي) 1879 ـ 1959 و(جوئنتشيرو تانيزاكي) 1868 ـ 1965. في سنة 1926 نشرت اول اعمالها المسرحية مسقط الرأس وهي نص مسرحي من فصل واحد. ثم تبعتها مسرحية (ليلة صاخبة في اواخر الربيع) سنة 1928. غير ان كتاباتها الروائية لم تظهر قبل سنة 1939 حين اصدرت اول عمل قصصي بعنوان (الكلمات التي تشبه الريح) . غير ان بعض هذه الاعمال لم يلق النجاح الذي لقيته اعمالها الاخرى خلال تلك المرحلة. مرحلة تأسيس وفي الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية اعادت انيتشي تأسيس نفسها كروائية مهتمة بمعالجة قضايا المرأة. وفي سنة 1953 فازت بجائزة ادب المرأة عن رواية (ايام الجوع) اما هذه الرواية فهي عمل يتميز بالقسوة ويروي قصة حياة اسرة يعاني افرادها من سوء المطالع والحرمان المادي والعاطفي غير ان سنوات الانتظار كانت هي العمل الاكثر التصاقا بالهم المباشر للمرأة اليابانية وبالمعاناة الناجمة عن تسلط الرجل في المجتمع الياباني الذكوري الذي لم يكن للمرأة في ظل العيش فيه حق تقرير المصير او حرية الاختيار ولاسيما على صعيد حياتها العائلية حيث تتزوج بطلتها (تومو) وهي في سن الخامسة عشرة من موظف حكومي بسيط يحمله النفوذ الذي يصل اليه في السنوات الاخيرة على الارتباط بعلاقات متعددة مع نساء كثيرات ويجبر زوجته على الانصياع لرغبته في العيش مع امرأة اخرى بعد فقد الامل في انجابها للأطفال. ورغم موافقة الزوجة على العيش تحت سقف واحد مع كل واحدة من اولئك النسوة اللاتي يرتبط بهن زوجها. الا ان الكاتبة تنجح في رصد معاناة المرأة بشكل دقيق قلما يجد له المرء مثيلا في اعمال روائية اخرى. فمن خلال ما يصدر عنها من تصرفات تليق بها كسيدة محترمة تمسك بزمام الامور وتتعامل برفق وحنو مع كل واحدة من اولئك النسوة تتمكن انيتشي من ابراز معاناتها في المشهد الاخير وهو مشهد يصور تومو التي تحتضر وتوصي زوجها بان لا يدفنها في التراب وان يكتفي باغراقها في الماء. كما ان لحظة الموت هي اللحظة الوحيدة التي تعبر فيها تلك المرأة عن شعورها الحقيقي تجاه ما يفرضه المجتمع وعلى حمل زوجها المتغطرس على الاستماع الى تلك المعاناة التي استمرت طوال اربعين عاما. الوجه المؤلم وللكاتبة ايضا اعمال مماثلة لا تقل اهمية عن سابقتها تدور حول المرأة. وكلها مليئة بالموضوعات التي تصور الوجه الداكن الاكثر سلبية من معاناة المرأة اليابانية المتمسكة بالتقاليد ومنها المحافظة على المظاهر الزائفة للحياة الاسرية السعيدة. وقد نجحت الكاتبة في استيحاء عناصرها من الموروث القصصي الياباني الكلاسيكي ومن الموروث الادنى الذي يعود الى مرحلة ايدو الاخيرة. وهي تستند الى ظاهرة اجتماعية مهمة تشكل نموذجا للطفرة العاطفية في المجتمع الياباني الذي مر خلال العصور الوسطى بما يمكن ان نسميه بالصحوة العاطفية التي تحرص المؤلفة على ابرازها وتناولها بالبحث والدراسة الدقيقة. ففي رواية (الساحرة) الصادرة سنة 1965 تعمل بطلة القصة (شيكاكو) اخيرا من اجل ما تسميه بالاستقلال الاقتصادي الذي يؤدي بدوره الى التأثير على حياتها الزوجية وبحثها عن اي وسيلة للخلاص من تلك المشكلات. وفي رواية (الاقنعة الصادرة سنة 1958 نجد ان حياة بطلتها مستوحاة من واقع حياة رواية (حكاية جينجي) (روكوجو) المرأة الذكية الفاتنة. واحدى هذه الروايات هي (القناع التوأم) التي تتحدث عن المعاناة التي يمر بها رجل متخصص في تمثيل الادوار النسائية على المسرح يصل الى خريف العمر فيتعلق بفتاة شابة ويمنحه ذلك القوة على تحقيق المزيد من النجاح. اما (زهرة الكرز العجوز) فتروي حكاية ام تربت على التقاليد الاجتماعية القديمة التي تهمش دور المرأة في المجتمع وفي علاقتها بالرجل الا ان المرأة تتأثر بالتوجهات الثورية لابنتها خاصة ما يتعلق منها بمسائل كالحب والعاطفة التي تفتقدها في حياتها الزوجية, ولكن الصراع يبلغ ذروته لدى اتخاذها قرارا بالخروج على ما تسميه الاعراف البالية. معاناة شخصية فيما تلقي قصصاً مثل (الاجنحة المجروحة) سنة 1962 و(قوس قزح والروح الحارسة) 1968 الضوء على معاناة الكاتبة الشخصية خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعد تلك المرحلة لدى انهيار حياتها الزوجية وتعرضها لظروف مرضية قاسية تمكنت من اجتيازها بصعوبة وهي الأعمال التي استحقت عليها الجائزة الادبية في سنة 1972. تقول انيتشي في تعليقها على حياة احدى بطلات روايتها (لم تذق طعم السعادة في حياتها. وعندما تدرك المرأة ان حياتها الزوجية تافهة فانها تهرب الى عالم وهمي تذوق فيه طعم السعادة) . والمقولة السابقة تجسدها بالتأكيد كل اعمالها الروائية التي تدور احداثها حول معاناة العديد من النساء وعلى سبيل المثال بطلتها الكاتبة التي تعوض حالة العطش العاطفي الذي يعتري حياتها الزوجية بتقمص شخصية احدى الكاتبات الرومانسيات المعروفات في العصور القديمة. اما ابطالها الذين يزحفون نحو الشيخوخة فهم يسعون دائماً الى التجديد العاطفي. وتؤكد المؤلفة على ان هذا التجديد يساعد على شعورنا بالخوف من الموت. يتميز اسلوب فوميكو اينتشي القصصي بالشاعرية وبالقدرة على استخدام تقنية ابداعية فريدة هي تقنية القصة في داخل القصة والمقاربة بين الواقع والخيال. وعلى الرغم من تنوع موضوعاتها الا ان ما يلاحظه القاريء بشكل عام هو التركيز على الموضوعات التي تدور حول العوالم النسائية الداخلية وحول الدور الحقيقي الذي يجب ان تلعبه المرأة في المجتمع الياباني الحديث.