شكلت الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة لنفسها صورة سلبية للشرق عموما والعرب خصوصا, أسهم في ترسيخها ارث الحروب الصليبية ومواجهات العصر الوسيط, وأسسها مبدعون غربيون عظماء من العهدين الكلاسيكي وعهد الأنوار, وهي صورة تراوح بين رؤية غائمة ومحدودة ولكن ايجابية كتلك التي قدمها شكسبير, وأخرى شديدة الاطلاع والدقة ولكن ماكرة ومعادية أحيانا كتلك التي نشرها فولتير, وبين هذه وتلك قدم الشاعر الألماني المبدع يوهان جوته رؤية أخرى للشرق, تحتفي بالآخر, وتعلي من شأنه, وتسعى لفهمه, فجاء شعره (الديوان الشرقي الغربي) انتصارا للروح, وتبشيرا بالقيم المثلى وعناقا للإنسان في كل زمان ومكان. لكن من هو جوته؟ ما هي أهم أعماله؟ وكيف تسنى له أن يتجاوز الرؤية التقليدية في الغرب المعادية لكل ما هو شرقي؟ بل كيف تسنى له أن يطل على الشرق, من نافذة فولتير السلبية, ليخرج بصورة ايجابية كتلك التي قدمها شكسبير؟ ثم ما هي العوامل الموضوعية والشخصية التي دفعته دفعا في هذا الاتجاه؟ وأي اتجاه؟ ولد يوهان فولفجانج جوته 28 أغسطس 1749م بفرانكفورت من أسرة بروتستانتية, وقد تلقى دروسا مبكرة في اللغة الانجليزية إلى جانب لغته الألمانية, والتحق بجامعة ليبزيج سنة 1765 لدراسة القانون, وفيها كتب وعمره تحت سن البلوغ 1766م محاولتين كوميديتين هما (نزوة عاشق) و(المتواطئون) , كما تعرف سنة 1769م على سوزانا فون كليتنبرج, وهي امرأة متأدبة على المذهب التقوي, ومنها نهل محبة هذا المذهب وانساق وراء التصوف ودراسة الكيمياء, وكان الأمران وقتها لا يزالان مرتبطين لحد ما. الشعر الشعبي ولما اختار مواصلة دراسته 1770م في مدينة ستراسبورج, تعرف هناك على الأديب والفيلسوف الألماني يوهان هردر الذي تصادف وجوده للعلاج, وكان لهذا اللقاء أثر في حياة جوته, حيث فتح أمامه هردر لأول مرة عوالم شكسبير وهوميروس الشعرية, ولفت انتباهه إلى الشعر الشعبي, وأكثر من ذلك أطلعه على نظريته الذاتية التاريخية الشهيرة التي عرضها في كتابه (أفكار في فلسفة التاريخ) , وتزداد أهمية هذا اللقاء إذا عرفنا أن هردر (1744م - 1803) كان أديبا من طراز ملحمي خاص, ورائد (الحركة) العاصفة والاندفاع في الأدب, كما يعتبر مؤسسا للنزعة الذاتية الإنسانية في علم التاريخ. وفي ستراسبورج أيضا تعرف على جاكوب لنز الذي كان وقتها أديبا شابا, وتبادلا معا التأثير, وعند عودته اشتغل لماما في المحاماة, واستقر في موقع قانوني بالقصر الامبراطوري, وهناك عاش 1772م تجربة حب فاشلة أدت به لفرط مرارتها أن يسترجعها بعد سنوات في عمله (عذابات) , ومر بتجربة وجودية صعبة اتضحت حين أشهر 1773م بفرانكفورت تراجعه عن المذهب التقوي, لينكب على دراسة نظرية سبينوزا العلمية والفلسفية, لكنه بسرعة لفت الانتباه حين نشر مقطوعته (كلافيجيو) 1774م التي قال انه كتبها في ثمانية أيام وأتبعها في نفس السنة بنشر عمله (عذابات الشاب ورثر) وهي رواية ذات نكهة خاصة, وفي نفس الظروف تعرف على شارل أوجست وريث عرش فايمر الذي سيصبح ولي نعمة جوته, بعد أن ماتت كليتنبرج في نفس الأيام تقريبا. وفي سنة 1775م استقر جوته في هايدلبرج ليكون مستشارا مفوضا لدى الوريث شارل أوجست, الذي أسبغ عليه شيئا من نعمه, وأعطاه دارا في فايمر, وبسرعة رقاه إلى وزير مكلف بالشئون الثقافية والمعادن والغابات, وعندها كتب مسرحيته (إيفجينيا) 1779م, ولعب هو نفسه فيها دور (أورست) , وفي بلاطه تعرف على الشاعر المسرحي الخالد فريد ريش شيلر (1759م - 1805م) المؤرخ والشاعر الذي أنتج مسرحا غنائيا راقيا يقف في مسافة وسطى بين المآسي الكلاسيكية والمسرح الشكسبيري, ومنذ لقائه مع جوته سيصبح كل واحد من الاثنين وجها للآخر, بل إن القارئ يكاد يعتقد انه أمام جوته وهو يقرأ شيلر في (قطاع الشرق) و(مؤامرة فييسكي) و(فتاة أورليان) وغيرها. وأثناء دراسة جوته المكثفة للتشريح وعلم العظام 1781م كتب (ملك الأولنس) , وانكب 1782م على دراسة الجيولوجيا, لكنه اضطر لقطع هذا الدرس بعد أن عينه الامبراطور جوزيف الثاني وزيرا أولا ورقاه إلى رتبه نبيل, وعندما زار البندقية 1786م تعرف هناك على الرسام الألماني فلهلم تشباين ومنه تعلم أسرار الفن التشكيلي لتضاف ملكة أخرى من ملكات العبقرية إلى فضاء جوته. وابتداء من 1787م بدأت (جوته: الأعمال الكاملة) تظهر في أربع مجلدات في ليبزيج, كما تعرف على زوجته الأثيرة كرتسيان فولبيوس التي ما هي سوى شقيقة الروائي كرستيان أوجست (1762م - 1827م) , وهنا بلغ أوج نضجه, وبدأ دفق ابداعه, فكتب ما بين 88 - 1790م (مرثية الرومان) , و(تقريظات فينيسية) و(إيجمونت) , ولانه أصبح شخصية معتبرة في الأوساط الجامعية بكل ثقله لينتزع كرسيا لصديقه الأثير شيلر في جامعة بينا 1789م. كما ظهرت (توركاتوتاسو) ودراسته (انمساخ النباتات) 1790م, وفي 1791م نشر (مساهمة في علم المناظر) , لكنه بسرعة عاود الكرة في محاولاته الأدبية فجاءت (أحاديث مع مهجري ألمانيا) 1793م, ورواية (رنار) 1794م, وهي نفس السنة التي أصدر فيها مع شيلر مجلة (ساعات) . وبدأ في كتابة (سنوات تأدب فلهلم مايستر) الذي سيظهر 1795م في أربعة أجزاء, وأعقبها برواية (هيرمان ودوروتي) 1798م. قمة النضج ومع نهاية القرن أصبح جوته رجلا خمسينيا أدرك قمة النضج, بعيدا عن اندفاع الشباب وجموحه, دون أن يقترب من ضعف الشيخوخة واستسلامها, وهنا أصبح محجا يتردد عليه المبدعون للأخذ من ينابيعه, فقد زاره خصيصا 1798م الشاعر الرومانسي الألماني فريد ريش نوفاليس (1772م - 1801م) صاحب (أناشيد إلى الليل) وتلميذ فيخته الشهير, كما تردد عليه في نفس السنة فريدريك شلنج (1775م - 1854م) , الفيلسوف والأديب الكبير, غير ان سنة 1799م كانت علامة فارقة في حياة جوته, إذ اطلع فيها على أعمال فولتير, وهنا بدأت علاقته بالشرق, الذي ملك عليه جوانحه, وتحت تأثير الحماس الشديد سارع بترجمة بعض أعمال فولتير (1694م - 1778) , مثل (تكريد) , وخاصة - وهذا الأهم - كتاب حكيم فرنسا عن حياة (محمد) صلى الله عليه وسلم. في 1801م شارك جوته في تمثيل مسرحية (الحكيم ناثان) لليسنج (1729م - 1781م) , وهي مسرحية فلسفية بورجوازية, تعلي من قيم التسامي والتبتل, وكان ليسنج معروفا بولائه لشكسبير, وعدائه الشديد للمسرح الفرنسي الذي خصص له دراسات هجائية مثل (فن المسرح في هامبورج) , وكان تبني جوته لأعمال ليسنج يبدو تعبيرا عن موقف مناوئ للثقافة الفرنسية, بما فيها فولتير الذي فتح عينيه على الشرق, وذلك لفرط اختلاف رؤية الرجلين لهذا العالم. وعندما اجتاحت قوات نابليون فايمر في معركة يينا, 180م كان رأس جوته في مقدمة المطلوبين, لكنه أفلت بمعجزة, وعاود نشر الأدب 1809م فظهرت (ألفة اختيارية) وهي دراما روائية فيها وصف للخطيئة وادانة للرذيلة, كما نشر 1810م دراسة جمالية تجريدية عنوانها (نظرية الألوان) , وأسهب في الانغماس في الفنون خاصة أثناء صداقته مع بيتهوفن 1812م, لكنه ظل يتقلب على نار جمال وروعة الشرق دون انقطاع, وبدأ منذ 1813م ينظم مقطوعات من (الديوان الشرقي الغربي) , في حين تفرغ سنة 1714م للقراءة في أدب الشرق, وتحدث في هذه السنة عن قراءاته في شعر الشاعر الايراني حافظ, وفي أعمال فولتير الشرقية, واستمر حتى 1818م حين ظهرت له (الرحلة إلى ايطاليا) ودراسة نقدية هي (القديم والحديث) نشرها باحدى الدوريات, وظل يروج خلال هذه السنة لديوانه الشرقي الغربي حتى ظهر بطبعته النهائية 1819م. مع مطلع 1823م نشر جوته (مرثية مدينة مرينبند, وخص المبدع بيرون بدراسة معمقة 1824م, وأشرف بنفسه على طباعة أعماله الكاملة في أربعين مجلدا 1826م, ثم انكب 1827م على مخطوطة الجزء الأول من (فاوست) وهي نفس السنة التي لازمه فيها الكاتب الرومانسي الشهير أوجست فلهلم شليجل, كما تردد عليه كثيرا الفيلسوف هيجل, وفي 1828م كان أهم مريديه الذين لازموه هنري هاينه والشاعر البولندي مايكفيتش. وفي 1829م نشر جوته أخيرا (سنوات أسفار فلهلم مايستر) كما أعد الجزء الثاني من (فاوست) , ونشر مراسلاته الشجية مع شيلر, وكان آخر ما كتب المشهد الخامس من فاوست الثاني سنة 1831م, وفي يوم 22 مارس 1832م كان آخر ما لفظ جوته من كلام قوله (انقطعت الأنوار) , ومات, أو بالأحرى دخل صفحات الخلود والعبقرية من كتاب التاريخ, وأغلق دفة الكتاب وراءه. شرق فولتير مع ان جوته لم يخص الشرق من ابداعاته سوى بأعظمها (الديوان الشرقي الغربي) , فإن فولتير خصه بقدر كبير من أعماله, وكشف أكثر من مرة عن مصادره التي يعتمد عليها, وهي مصادر متنوعة أولها القرآن الكريم في ترجمة أندريه دي ري لمعانيه 1647م التي ذكرها كمصدر لمسرحيته عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم, ثم موسوعة هربلو الشرقية 1697م, وتاريخ سيمون النقدي لعقائد وعادات أمم الشرق 1680م, وتاريخ المصريين القديم لرولان 1730م, وتاريخ جنكيز خان لبيتي دولاكروا الأب 1710م, وكذا الترجمة الفرنسية للديانة المحمدية لهادريان بلاند وهو كتاب منصف لحد ما, هذا اضافة إلى اطلاع فولتير على بعض الرحلات مثل رحلة إلى الشرق لتيفينو 1665م, ورحلات إلى الهند لدولاهاي 1674م, ورحلة تافرينه إلى الهند وتركيا وايران 1676م, والرحلة الطبية إلى بلاد المغول لليبرنييه, وكذلك رحلة إلى الشرق للوكا الصادرة 1704م, وكذا ترجمة (ألف ليلة وليلة) ابتداء من 1704م. كما اطلع على مسرحيات وروايات أوروبية مليئة بالرؤى عن الشرق, كمسرحيات شكسبير (العاصفة) و(عطيل) و(تاجر البندقية) ومسرحية موليير (البورجوازي المهذب) 1670م, و(بجزيت) 1672م لراسين, وكذلك قرأ (أرزيس وأزميني) و(الرسائل الفارسية) لمونتسكيو) , و(الطائر الأبيض والحلي الناطقة) 1710م لديدرو, و(وردة الشوك) 1730م لأنطوان هاملتون, و(المرعاة والصوفا) 1740م لكريبيون الابن, وكلها روايات وأعمال طافحة بمشاهدة الشرق, مبهورة بسحره وألقه وجماله. وكان من الطبيعي بعد هذا الاطلاع الواسع أن يكون للشرق ذلك الحضور في أعمال فولتير, فقد تعرض له بالدراسة المسهبة في موسوعته (مقالات في العادات) وكذلك في دراسته عن (عصر لويس الرابع عشر) , وفي مسرحياته خاصة منها (محمد) صلى الله عليه وسلم, 1742م و(زايير) 1732م, و(زليم) 1740م, كما ان له أكثر من عشرين قصة عن الشرق مثل (بابك والفقهاء) 1750م, و(مغامرات هندية) 1766م, و(أميرة بابل) 1768م, و(الحمال الأعور) , وخاصة (زاديج أو القدر) 1748م, وهي نفس السنة التي نشرت فيها سابقتها. والميزة العامة لهذه القصص هي انها تأتي في قالب رحلة مقرونة بترجمة لحياة أحد أبطال القصة, ومن خلال وصف دقيق لحياة ومغامرات البطل يطل فولتير على عالم الشرق, ويرصف طريق الإنسان الشرقي في العالم, بما فيها من النعيم والجحيم, ويعلي أحيانا من شأنه وينثر عليه (تأملات عميقة في معاني الحرية, والمروءة, والشجاعة, وقداسة الواجب, والاخلاص, وتفاهة المال, وقيمة الحب) , وفي المقابل يتخذ فولتير الإنسان الشرقي, أحيانا أخرى, مشجبا يعلق عليه كل الآثام والرذائل الانسانية, وينسب إليه الغدر والخسة والانغماس في التهتك والمجون. بل إنه ينسب إلى العرب عادات غريبة مثل عبادة الشمس والنار, وعادة (حريق الترمل) ولكن الأبرز موقف فولتير الموضوعي غالبا في تناوله لحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم, خاصة إذا عرفنا ان عصره ما زال حديث عهد بعصر الحملات الصليبية الثقافية المعادية لكل ما هو إسلامي, فقد وصف فولتير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (كان رجلا عظيما قام بأكبر دور يمكن لإنسان أن يقوم به على وجه الأرض) , وكان هذا الوصف الحافل والموضوعي نادرا من فولتير الذي هاجم آباء الكنيسة, وسخر من أبطال التاريخ, وكان لسانه نارا متقدة. ومع هذا فإن رؤية فولتير للشرق كفضاء جمالي ملهم وساحر, كانت مشوشة ومليئة بأوهام عصره, ولعل خير مثال على ذلك أو بالأحرى شر مثال, روايته (زاديج أو القدر) , التي تصور مغامرات بطلها, في الصحراء مع البدو (قطاع الطرق) , ومع نساء الصحراء الطافحات بجميع أنواع الشرور والآثام, المستسلمات لكل أشكال الخطايا والشهوات. واللواتي تتجسد فيهن قيم الحسد والكيد والمكر والخيانة والغدر. لقد عايش بطل الرواية بعض (قطاع الطرق) من بدو الصحراء الساكنين في القفار, ومن خلالهم صب على العرب صفات سلبية كثيرة, يمكننا أن نستعين بتلخيص لها, فهم (أنانيون, شهوانيون) يحتقرون الفقراء, أما نساؤهم, فجميلات جمالا يفوق كل وصف, كهاتيك اللواتي نجدهن في لوحات عصر النهضة. وما حاول زاديج أن يفهم عالم هؤلاء الشرقيين, كانت الألغاز والأساطير والغموض والسحر تحول دون ذلك, و(هكذا مضى في طريقه تثقله هذه الأفكار والخواطر المهلكة, وتعشى عينيه سحابات الألم, وتعلو وجهه صفرة الموت) , يهيم على وجهه في الصحراء, تتبدل تحت قدميه دروب الحياة النازحة, ولا يدرك غايته الوجودية في فهم العالم المحيط به, وتراوده الصبايا, ويمسك الكهنة بتلابيبه يخترقون به مسافات تؤدي إلى الميتافيزيقا, ويصرح له أحد النساك بالحل النهائي (اعلم ان الأشرار أشقياء دائما, وهم محنة تمتحن بها قلة من الأخيار متفرقة في ربوع الأرض, لذا فإن الشر هو مصدر الخير,... ولا وجود للصدفة, فكل شيء هو اما امتحان واما عقاب) وهذه الرؤية القدرية - على طريقة فولتير - يذكر بالعنوان الثاني للرواية وربما الحقيقي - في الواقع - أي (القدر) . وبصفة عامة, فإن رؤية فولتير للشرق كانت مشوشة غامضة متناقضة, تعكس في الواقع, حنقه كمادي تجريبي ملحد على العالم الروحي في الغرب الوسيط, ورفضه الشديد لواقع مجتمعه الفرنسي وما يعتمل فيه من فساد وتهتك, فآثر أن يتخذ الشرق كبش فداء يعلق عليه كل صفات مجتمعه السلبية, دون أن يخاطر بدفع الثمن لذلك. كان الشرق كوجه للآخر عند فولتير, متنفسا يعبر من خلاله عن رؤيته للتاريخ والمجتمع الغربيين, لكن أجيالا أوروبية لاحقة, تبنت هذه الرؤية مقلوبة, فترسخت لديها رؤية سلبية لكل ما هو شرقي, فضاع معنى الدرس الفولتيري, حينا وراء التفاصيل المغلوطة, وحينا آخر وراء التغني بالحب والنثر المجوني الجامح كالجياد الهاربة. رؤية أخرى وعلى العكس من فولتير, كانت رؤية جوته للشرق أكثر جمالية وإنسانية, وأعمق معنى وأكثف دلالة, هذا رغم ان فولتير, كان النافذة الأولى التي أطل منها مبدع ألمانيا على الشرق, لكنه تجاوز هذه النافذة بسرعة, فراح يدافع عن أشياء في الشرق اعتبرها فولتير مشينة, من منظور يعتبره جوته مشينا, وهكذا أصبح فولتير هو (الشائن الذي يجب سحقه) وجاء (الديوان الشرقي الغربي) لتحقيق هذه الغاية. لقد أعلن جوته انه أراد بالديوان الشرقي الغربي, أن يؤسس لأدب إنساني, يعبر عن الآخر ولا يستبعده, وقد أسمى هذا الأدب بالأدب (الكلي) , لانه يطمح إلى أن يجعل الفعل الشعري طريقة للاتصال بالعالم, واستراتيجية في وصف أدواته, وسبيلا للتبشير بقيمه, وبذا كان جوته أديبا إنسانيا بالمعنى العريض, ولم يواجه الشرق كآخر بتلك الدهشة الاغرابية الفولتيرية. لقد كان الشرق بالنسبة لفولتير لغزا, في حين تعامل معه جوته كحقيقة, وكانت قصص فولتير تطلب من العالم أن يدور حولها, في حين كانت أشعار جوته تدور حول العالم, اعتقد الأول ان ثقافته الأوروبية هي مركز العالم, وأن الثقافات الأخرى هوامش حولها, وآمن الثاني بالمساواة والمؤاخاة بين جميع القيم والثقافات الإنسانية. لذا اتجه جوته إلى الشرق يصور القيم الجمالية, ويتغنى بها, دون عقد, وبدأ بمجتمعه الغربي حين أراد تسجيل الآثام والشرور, فخص ذلك بمعظم رواياته, وكانت هذه القسمة تعبيرا عن تصور واع بأن القيم الروحية والأخلاقية, تأتي من الشرق, وأن قيم الشقاء والكدح الأرضي بكل عذاباتها تأتي من الغرب, وعن الروح يمكن التعبير بلغة كثيفة وفضاء تعبيري لا محدود, وهذا ما يوفره الشعر, أما مشاهد المجتمع المادي الحسي المرتهن لمآسي الواقع اليومية بكل تفاصيلها وتفاهاتها, فلا مجال للتعبير عن كل ذلك إلا من خلال السرد الروائي والقصصي. وليس خلاف جوته مع فولتير في رؤيته للشرق فقط, وإنما في تصوره الوجودي للعالم, وأسلوبه البلاغي, وطريقته في السرد, فجوته من هذه الناحية, يعتبر رائدا للرواية الحديثة, واستمرارا للمسرح الشكسبيري, أما فولتير فكان على النقيض من كل ذلك. على ان أحد أهم أسرار عداء جوته لفولتير ومحاولته تجاوز رؤيته للشرق, وطريقته في فهم العالم وتمثيله, ترجع لأسباب شخصية أيضا, فجوته كان تلميذا روحيا لهردر كما أسلفنا, ومنه تعلم مناوئة عصر الأنوار الفرنسي, وكراهية فولتير على وجه خاص, خاصة إذا عرفنا ان نظرية هردر في (فلسفة التاريخ) كانت تقف على طرف النقيض من نظرية فولتير المادية, فهو يدعو للذات كمحرك للتاريخ, ويعتقد ان المنهج العقلاني لا التجريبي هو أنسب الطرق لتحصيل المعرفة الحقيقية. واشتهر عن هردر تسفيهه لكل ما هو فولتيري, وعداؤه الشديد لجميع الاتجاهات المادية, وأكد أكثر من مرة ألا مجال لها في الأدب والفكر, وعلى هذا الطريق سار تلميذه جوته, وزادت الأمور في غير صالح فولتير ومدرسته الفرنسية, حين اشتدت الروابط بين جوته وليسنج المجاهر بعدائه لأدباء باريس, والمتحمس لمسرح شكسبير الشعري. قدم إذن جوته مسرحا وشعرا يحتفى بالشرق ويحبه ويعلي من شأنه, وسطر ديوانا وأدبا (كليا) برسم جميع البشر, ولكن كل ذلك لم يقدر له الرواج, وإنما غطت عليه غرائبية فولتير وحذلقته, التي وقفت مع غيرها, وراء تصور قطاعات واسعة في الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة عن الشرق والعرب, وهو تطور ظالم وخاطئ في الكثير من جوانبه. وما زالت قطاعات أوسع في الثقافة الغربية في أيامنا هذه تنظر إلى العرب نفس النظرة من وراء نظارات فولتير, بكل ما تحمله هذه النظارات من أوصاف سيئة. أما ألق الشرق وروعته الطافحة من أشعار ومسرح شكسبير وجوته, فلا أحد يذكره الآن, فقد انسحب على استحياء من الذاكرة, وارتحل مضيئا كسوقي في المعبد, وحلت محله صورة غائمة, الموضوعية فيها أثر بعد عين, وأما الابداع فلا أثر ولا عين. وهكذا تبدو العودة لشعر جوته وشرقه, واعادة قراءتهما, هي الخطوة الأولى لتصحيح صورة الشرق في الغرب, ولا بديل عن قراءة نصوص جوته, لان أي تعليق عليها لن يكون كافيا, بل لعله سيكون تشويها لجمالها الآسر, تماما كاضافة شارب للموناليزا. بقلم: الحسن المختار