انماط التعليم ووسائله ودرجة التقنيات المستخدمة فيه اضافة الى مناهجه وفلسفة القائمين على وضعه وتعاطيه من (مربيين وأولياء امور ومعلمين) كل هذا وغيره يعتبر جزءاً مهماً من ثقافة المجتمع, ووسيلة لقياس مدى تطوره وتغيير عقليته الجماعية. في (بيان الثقافة) لهذا العدد الثالث والعشرين نسلط الضوء على ثقافة التعليم في مجتمع ما قبل الطفرة الاقتصادية, ذلك التعليم الذي يطلق عليه تعليم المطاوعة او ما يعرف في بعض المجتمعات العربية بتعليم (الكتاتيب)! وهو التعليم الذي اشتركت فيه معظم مناطق العالم العربي كما اشتركت في جغرافيا واحدة ساهمت في تشكيل تاريخها في كافة العصور. ولعل وعي بعض الرجال وتفتحهم ونيلهم حظاً وافرا من العلم الديني والدنيوي اضافة لما تيسر لهم من اسباب السفر والتنقل والاطلاع على تجارب الشعوب, اضافة الى اليسر المادي الذي كان ينعم به بعضهم والاهم الحس الاجتماعي العالي الحريص على خير ابناء المجتمع, دفع ببعض الرجال الى تبني مشاريع تعليمية دينية تجلت في مدارس المطاوعة او في البعثات التعليمية لبعض دول الجوار او المبادرة لافتتاح مدارس برغم بساطتها, الا انها كانت اول الضوء في طريق نور التعليم. والمطوع او المطوعة, رجل او امرأة من قلب المجتمع توفرت لهما فرص التفقه في القرآن (قراءة وفهماً) اضافة للالمام بنحو اللغة ومبادئ الحساب وبعض الشعر وعلوم اللغة, وفوق ذلك كله كان هناك رغبة داخلية في التطوع لخدمة ابناء المجتمع بتعليمهم (ومن هنا جاء لقب المطوع او المطوعة) فهذان المعلمان او المؤدبان كانا يعلمان الفتيات والصبيان بدون اجر الا ما كان يدفع على سبيل الهدية او المبلغ الرمزي الاسبوعي يوم الخميس والذي يسمى (الخميسية). وابتداء بسنوات بداية القرن العشرين وحتى الجيل الذي ولد على ضفاف الستينيات كان كل الصغار يذهبون صباحاً ومساء لمنزل المطوع او المطوعة ولاتزال الذاكرة على ما تراكم عليها وما غشيها من احداث وقراءات وحصص لا نهاية لعددها على مقاعد التعليم النظامي, لاتزال هذه الذاكرة تعج بحكايات الصبية والفتيات وضوضائهم ومشاكساتهم واصواتهم الجماعية وهم يرددون خلف المطوع (سعيد الخدري) ايات القرآن, او خلف المطوعة (عوشة) اساليب الاعراب. لقد كان بيت المطوعة او المطوع, بيت تعليم وتربية وتأديب, فلم يكن المطاوعة يتوانون لحظة عن تأديب التلاميذ حتى بالضرب ان لزم الامر, ومع ذلك فلم يكن الضرب هو الوسيلة الوحيدة في التعليم والتأديب, حيث يؤمن المطاوعة بفلسفة تربوية غاية في الوعي والنضج وتستحق التأمل بالفعل. لقد عرف عن المطوع او المطوعة انهما ما كانا يسمحان للتلاميذ باحضار طعامهم معهم (فقط زجاجة ماء للشرب) وقد كان ذلك السلوك ينطلق من حرصهما على احترام مشاعر الصغار وتجنيب الفقراء منهم شعور الاهانة والاغنياء شعور المباهاة امام زملائهم, هذا اضافة للتأكيد على عدم جلب النقود معهم للمدرسة او الهدايا التي قد يكون آباؤهم قد أحضروها لهم من اسفارهم, اضافة لتأكيدهما على ضوابط تعليمية لا يتنازلان عنها كالفصل بين الجنسين وتحديد سن الحضور للمدرسة و... الخ. لقد كان للمطوع او المطوعة اللذين يتم الحديث عنهما هذه الايام باعتبارهما شكلا من اشكال التعليم البدائي وهو لم يكن بدائيا ابدا ـ فلسفة ورأي وحضور في الهيئة الاجتماعية بحسب ظروف وتقاليد وامكانيات ذلك الزمان وان الاطلاع على تجربة التطوع التي انطلقا على أساسها ضرورية جدا لانها البداية لتعليم مجتمع حرمته كل الظروف من نور العلم في وقت كان فيه العالم يخرج ابناءه من اعرق الجامعات وفي حقول العلم الدقيقة. انها الجغرافيا التي وضعتنا في منطقة القلب من العالم والتي جعلتنا لعبة في يد قوى الاستعمار وحرمتنا دهوراً من ثمار الحضارة.. انها الجغرافيا العامل الوحيد الثابت في صنع التاريخ كما قال ديجول ذات يوم.