ماذا لو وجدت نفسك في موقف (روبرتو كارلوس تافاراس) وكيف ستتصرف؟ سؤال تتوقف اجابته على معرفة من هو (روبرتو كارلوس تافاراس) هذا, وما هو الموقف الذي وجد نفسه فيه. حدث ذلك يوم الثاني عشر من مايو عام 1997.. ذلك اليوم الذي لن ينساه (روبرتو) ابدا, اذ سيبقى في ذاكرته كأسوأ يوم مر به طوال سنّي حياته العشرين. في صباح ذلك اليوم الذي لم يكن بهيجا كان الفتى (روبرتو) يستقبل بعض الزبائن في مصنع تلميع الرخام الذي يملكه والده في (بوكامارانجا) ويقوم بتلبية طلباتهم عندما اندفع رجلان مسلحان داخل المصنع, وفي لمح البصر كانا يقتادانه معهما الى الخارج دافعين به الى سيارة اجرة كانت تنتظرهما لينطلقوا الى سفوح تلك السلسلة الجبلية المسننة التي تمتد من شمال كولومبيا الى جنوبها. ومنذ تلك اللحظة اصبح (روبرتو كارلوس تافاراس) رقما احصائيا يمثل واحدا من بين الف شخص انتزعوا من وسط أهاليهم وسلخوا عن حياتهم لأسباب لا دخل لهم بها, يلفها الغموض حينا وتغدو معروفة أحيانا, اما في حالة (روبرتو) فقد اكتشف خاطفوه بعد حين ـ وان كان ذلك قد تم متأخرا ـ أنهم قد أخطأوا في خطفه اذ لم يكن هو الشخص المقصود لولا أن سوء حظه قد أوقعه في طريقهم, ومع ذلك فان الندم لم يتملكهم كثيرا اذ اعتبروه هدفا اقتصاديا, وجعلوا الافراج عنه مرهونا بالحصول على فدية مالية لكون المال عنصرا ضروريا بالنسبة للقضية التي يعمل لأجلها خاطفوه, وهم اعضاء في مجموعة كولومبية يسارية تخوض حرب عصابات, وهكذا اصبح (روبرتو) في مفهومهم دفتر شيكات يمشي على الارض. مرت شهور تآلف خلالها (روبرتو) مع عملية اختطافه, وتعرض لمواقف صعبة, يذكر واحدا منها لايزال محفورا في ذاكرته, يقول (روبرتو) انه بينما كان خاطفوه يفرون من احدى دوريات الجيش المجهزة قال لهم وقد أنهكه التعب بعد ثماني ساعات من صعود التلال بسرعة كبيرة بين الاشجار الشوكية انه لم يعد قادرا على السير خطوة واحدة وان عليهم ان يطلقوا النار عليه في مكانه, غير ان قائد المجموعة كان له رأي آخر عبّر عنه بقوله: (ليس هناك ما يمنعنا من قتلك, ولكنك تشكل أهمية اقتصادية بالنسبة لنا, اذن ما عليك الا ان تنهض وتتابع المسير) وهذا ما فعله مرغما بعدما أحس بأنه قد فقد انسانيته. كانت عائلة (روبرتو) هي الحافز له على متابعة السير ومن ثم الحياة. وكما قال لاحقا فان تذكره لعائلته كان مصدرا للقلق والقوة في آن واحد. وفي ظروف قاسية انعدمت فيها وسائل التفاهم بينه وبين خاطفيه الا فيما ندر, تم نقل (روبرتو تافاراس) من مخيم قاعدة المتمردين ليمضي ستة اشهر وستة عشر يوما اضطر اثناءها للنوم وهو جالس في العراء ـ في بعض الاحيان ـ والمطر ينهمر عليه. وفي تلك الاثناء سعى مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر جاهدا لابقاء (روبرتو) على اتصال بذويه, وهي مهمة حركت مشاعر الغضب من جهة والامل من جهة اخرى, حيث كانت اللجنة تكرر التأكيد للخاطفين أن أخذ الرهائن مخالف للقانون الدولي والانساني لأنه يسبب معاناة شديدة للبشر الذين يفترض ان يكونوا محترمين من جانب المقاتلين لأنهم خارج معمعة الحرب, وكانت المجموعة توافق اللجنة الرأي على ان أخذ الرهائن مخالف لاتفاقيات جنيف, ولكنهم كانوا يضيفون بأنهم (يريدون ان يأكلوا) غير ان مثل هذه التبريرات لا تعني شيئا على الاطلاق بالنسبة لـ (روبرتو) ولضحايا الاختطاف من جميع انحاء العالم, فتجربته ـ حسب رأيه ـ كانت قدرا أصعب من الموت (اذا كان عليّ ان أمر بمثل تلك التجربة ثانية, فأنا أفضل ان يتم قتلي في الحال) !! هل كان بالامكان فعل اكثر من ذلك تجاهه؟ يفكر (روبرتو) لبرهة ثم يجيب بـ (لا) . وعندما سئل عن خاطفيه أجاب: (انهم ينفذون الأوامر, وهم لا يعرفون ما يحس به ضحاياهم) ولو حدث والتقى بهم لاحقا في احد الشوارع بعد صدور عفو عام عنهم ـ على سبيل المثال ـ فكل ما سيفعله في مثل هذه الحالة هو أن يقوم بشرح معاناته دون اي شعور برغبة في الانتقام. فتكرار الشرح والتفسير والتعليل بأن المعاناة شيء واقعي محسوس يترك بصماته المستديمة وليست مجرد شيء مبهم. اما المقاتلون الذين يتسببون في احداث عذابات لا ضرورة لها فهم الخاسرون في النهاية لأنهم يخسرون تفهم أقرانهم من البشر وبذلك يعرضون فرص الوصول الى اعتراف بانتصاراتهم أو قضاياهم للخطر. قصة الرهينة السابق (روبرتو كارلوس تافاراس) ليست إلا واحدة من مجموعة قصص مؤلمة جمعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر أثناء حملة (الناس والحرب) بمناسبة الذكرى الخمسين لاتفاقيات جنيف. وهو لم يكن ولن يكون أول ولا آخر رهينة تختطف بسبب قضية لا ناقة لها فيها ولا جمل, فها نحن نعيش منذ سبعة وخمسين يوما مأساة إنسانية تنقلها لنا كاميرات الصحف والتلفزيون من جزيرة جولو في جنوب الفلبين حيث تحتجز جماعة (أبو سياف) الفلبينية إحدى وعشرين رهينة في ظروف سيئة أدت إلى مرض أغلبهم ويحتاج بعضهم للنقل إلى مستشفى بشكل عاجل. وقبل أيام قالت الأنباء ان الجماعة طلبت دفع مليون دولار عن كل رهينة, معتبرة هذا المبلغ تعويضا عن (مأكل ومبيت الرهائن) وهو تبرير ساذج يكشف الأهداف الحقيقية لعملية الاختطاف التي ستنتهي كجميع العمليات السابقة التي قامت بها المجموعة وانتهت بدفع فدية. المبلغ الذي يطلبه الخاطفون مقابل مأكل ومبيت الرهائن في أحراش غابة من غابات جزيرة جولو في ظروف سيئة يجعلنا نتساءل عما سيطلبونه فيما لو كانوا قد أنزلوهم في أحد فنادق مانيلا من فئة الخمسة نجوم في اطار مهمة لم يكلفهم أحد بها! ما يهمنا في الموضوع هو الحالة النفسية للرهائن التي عبروا عنها بالاعراب عن خيبة أملهم بسبب تعثر المفاوضات التي طالت ونقص المعلومات الدقيقة حيث يقول الرهينة الألماني فيرنر فاليرت وزوجته المريضة ريناتي: (يصعب علينا تحمل هذا الوضع. لقد احتجزنا كرهائن لمدة طويلة جدا سببت لنا بالفعل مشاكل ذهنية وجسدية) . الملفت للنظر أيضا في هذه العملية الروح المعنوية العالية والحالة النفسية الجيدة التي بدت فيها الرهينة اللبنانية ماري معربس وهي تقوم بمساعدة المرضى من المختطفين. صيف 1986 أتيح لي في الولايات المتحدة الالتقاء بأحد الرهائن الأمريكيين الذين اختطفوا في لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية حيث أفرج عنه بعد ثلاث سنوات. في هذه المقابلة روى لي معاناته خلال محنة الاختطاف ومشاعره التي تراوحت بين الاحساس بالاقتراب من حافة الموت في بعض الأحيان والشعور بالأمان نتيجة التأقلم مع الوضع في أحيان أخرى. الغريب في الأمر ان علاقة من نوعٍ ما تنشأ بين الرهينة والخاطفين تدفع طرفا منهما في لحظات معينة إلى التعاطف مع الطرف الآخر وتفهم موقفه. وقد رأينا رهينات تزوجن من خاطفيهن ورهائن انضموا إلى الجماعات التي اختطفتهم. وهي حالة يجد لها علماء النفس تفسيرا علميا رغم صعوبة اخضاعها للمنطق. الرهينة الأمريكي السابق قال لي انه ما زال يتلقى جلسات علاج نفسي لازالة آثار المحنة التي تعرض لها كي يستعيد توازنه النفسي ليعود شخصا طبيعيا رغم مرور ما يقارب العام ـ وقتها ـ على الافراج عنه. الغريب أيضا انه كان يحمل الشعور نفسه الذي تحدث عنه (روبرتو) تجاه خاطفيه, فهو لا يشعر تجاههم بالرغبة في الانتقام بقدر ما يرغب في ايصال المعاناة التي قاساها إليهم علّه يحرك لديهم بقية من ضمير إن كان ثمة بقية. ترى.. هل كنت ستحمل الشعور نفسه لخاطفيك لو وجدت نفسك ـ لا قدّر الله ـ في موقف (روبرتو كارلوس تافاراس) وأقرانه؟ أضم هذا السؤال إلى سؤال البداية, وأعترف بأنني لا أملك الجواب. أما السؤال الأهم الذي أتوق لمعرفة جوابه فهو عن شعور أولئك الذين يضعون أصابعهم على الزناد وهم يسوقون أمامهم أناسا عزلاً لا حول لهم ولا قوة وضعتهم الظروف في طريقهم معتقدين انهم قد حققوا النصر لقضيتهم, بينما هم في حقيقة الأمر يخسرون تلك القضية, ويخسرون ما هو أهم منها وهو الانتماء إلى عالم البشر الذين يهدرون إنسانيتهم ويحولونها إلى سلعة يتاجرون بها. ويا لها من تجارة خاسرة لو كانوا يعلمون أو يشعرون!