لن أتحدث اليوم عن الحمار الذي وجد نفسه حراً طليقاً, يجوب تلال وروابي الريف الفرنسي بعد أن كان سجيناً ووحيداً في حظيرة عملت خصيصاً للحيوانات السائبة, ولن أشرح كيف تمكنت الجمعية الفرنسية للرفق بالحيوانات من تخليصه بعد مرافعات استمرت طويلاً, لكني سأقتنص خبراً عن الممثل الأمريكي الكوميدي جيري لويس الذي وجد نفسه أمام مطالبة قانونية وموقف حرج أمام الناس جميعاً, فقد طالبت ادارة احد المستشفيات الاسترالية هذا الممثل بدفع مبالغ مالية نظير خدمات صحية قام بها المستشفى. وتعود الحكاية الى العام الماضي حيث أصيب جيري لويس بحمى قوية في مدينة داروين الاسترالية حيث كان يحيي حفلات فكاهية, فأدخل الى المستشفى وأعطي جناحاً وطبيباً خاصاً, ورعاية متميزة عاد بعدها معافى الى لاس فيجاس مكان اقامته وهو يشكر الجميع, الا انه لم يدفع فواتير المستشفى رغم المراسلات العادية والالكترونية التي تكبدتها ادارة المستشفى والتي وجدت ان هذا الكوميدي الذي أضحك الناس كثيراً عليه أن يبكي طويلا وهو يجد نفسه مكبلا بالأصفاد أمام القضاة والناس. تبدو مثل هذه الحكاية عادية جداً أمام ملايين القضايا المتداولة في المحاكم, لكني تعمدت أن أبدأ بها لأشير الى ان هناك قضايا ودعاوى عجيبة وغريبة تنظرها المحاكم وتفرد لها مساحة من الوقت من باب ان الجميع أمام العدالة متساوون. وحتى لا أقف عند نقطة بعينها أشير الى أننا اصبحنا نقرأ يومياً في الصحف قضايا ما كنا نسمع عنها سابقاً خاصة امام وطأة ما يسمى المارد الالكتروني, الانترنت والكمبيوتر فأصبحنا ننام ونصحو على الطلاق الالكتروني, والغرامة الالكترونية والسرقة الالكترونية وغير ذلك من مسميات ومصطلحات كانت غير واردة في ملفات المحاكم. ومن هذا الباب وقبل الشروع الى القضايا العجيبة الاخرى نقرأ خبراً عن اعتقال قامت به السلطات الهندية في نيودلهي يعتبر الاول من نوعه لشاب مهندس قام بسرقة كلمة السر لأحد المشتركين في الانترنت وبيعها للعديد من مستخدمي الشبكة, حيث قدر عدد ساعات الاستخدام المسروقة بما يزيد على مائة ساعة, وهذا لا يبعدنا كثيراً عن قضية نظرتها محكمة جنح دبي واصدرت خلالها حكماً يعتبر الاول من نوعه اذ حكمت بتغريم متهم بلجيكي مائتي درهم نظرا لقيامه بشتم مدير شركة عبر البريد الالكتروني. وكأن الشتيمة الالكترونية أصبحت بمائتي درهم فقط! ولأن الحياة اصبحت الكترونية بدأ القضاء يتعامل بشكل شبه يومي بمثل تلك القضايا, ففي جمهورية مصر العربية قررت محكمة الاحوال الشخصية بالاسكندرية مؤخرا بطلان طلاق زوجة من زوجها عبر الانترنت, وكانت الزوجة قد اقامت دعوى ضد زوجها أشارت فيها الى انه تركها بعد سبعة اشهر من الزواج وسافر في بعثة دراسية, وأرسل لها عبر البريد الالكتروني يخبرها بزواجه من اخرى وأنها اصبحت (طالق) , بعدها تزوجت الزوجة من آخر, وعندما علم زوجها المسافر هددها برفع دعوى الزنا لأنها مازالت في عصمته مما دعاها الى اللجوء الى المحكمة لاثبات طلاقها عبر الانترنت وقدمت صورة من نص البريد الالكتروني فرفضته المحكمة. وتبدو الدعاوى القضائية التي تشهدها ساحات المحاكم في مصر مثيرة وغريبة وتكاد لا تشابهها دولة اخرى, ففي هذا الاسبوع مثلا ستنظر محكمة قنا الابتدائية في دعوى قضائية غريبة رفعها محام شاب ضد جميع فلاسفة ومفكري العالم يطالبهم فيها بتنظيم مؤتمر دولي لتبرئة الفيلسوف سقراط من تهمة الانتحار بتجرع السم, واشار المحامي في مذكرته الى ان سقراط كان فيلسوفاً كبيراً ويملك فكراً ثاقباً, ولا يمكن ان يكون من في حجمه في العقل والمنطق ان يلجأ للانتحار! وهناك دعاوى مثيرة اخرى منها دعوى قضائية رفعها محام ضد حاكم الصرب سلوبودان ميلوسيفيتش لمحاكمته كمجرم حرب عما ارتكبه من جرائم في حق ألبان كوسوفو وأخرى كثيرة ضد فنانات مشهورات لظهورهن على أغلفة المجلات الفنية من بينهن ـ اضافة الى الفنانات المصريات ـ الممثلة الامريكية بروك شيلدز. وتشير بيانات صادرة عن وزارة العدل المصرية نشرت أخيرا الى وجود أكثر من 12 مليون قضية منظورة في المحاكم المصرية حاليا بينها قضايا شهرة لا مبرر لها وقضايا كيدية للانتقام من الخصوم أو الابتزاز. وحتى لا نقف طويلاً في المحطة المصرية نتجه الى باريس حيث أصدرت محكمة باريس حكماً غيابياً بالسجن ثلاث سنوات على فرنسي أقنع امرأة بأن تدفع له 470 ألف فرنك مقابل محادثة تليفونية مع ابنها الميت. وكان المحتال قد اقنع المرأة بأنه يستطيع ان ينفذ لها رغبتها اذا خضعت لطقوس خاصة بالموتى, كان من بينها ان ترقد في نعش وقام المحتال وشريكان آخران له, تنكر أحدهما في هيئة راهب بينما تظاهر الآخر بأنه ميت اعيدت اليه الحياة, بذبح دجاجة وترديد ترانيم امام صورة للطفل الميت في غرفة مرصعة بالجماجم والسيوف وحتى هذه اللحظة مازالت المرأة في انتظار المكالمة الغائبة! وفي الوقت الذي تشهد فيه القاهرة دعاوى قضائية عجيبة وغريبة نظرا لقلة رسوم رفع الدعاوى التي لا تتجاوز سبعة دولارات أمريكية تعاني شرطة لندن من كثرة عدد المكالمات الهاتفية غير الجادة مما يسبب حالة ارباك لموظفي سنترال الطوارئ بجانب ضياع الفرصة على من هم بحاجة فعلية للنجدة. ومن الأمور المثيرة في هذه المكالمات كما يشير نائب رئيس قسم شرطة لندن ان الكل يعتقد ان مكالمته مهمة وعلى الشرطة الاستجابة لها, فأحد هؤلاء يتصل طالبا من جهاز الخدمة البحث عن فردة حذائه التي أضاعها, وآخر يبحث عن صديقته التي هجرته, وثالث يطلب ان تتدخل الشرطة للقبض على مدرب النادي الذي تعرض فريقه لخسارة ثقيلة, والمطلوب من الشرطة في كل حالة وأمر ان تستجيب! أعود من حيث بدأت فأشير الى ان اغلب الدعاوى القضائية الغريبة والمثيرة التي تشهدها ساحات القضاء وتتداولها الصحافة والتي يكون أطرافها رؤساء دول وفلاسفة وفنانين ونجوم مجتمع وسياسيين تؤدي جميعها الى الطرق على باب واحد فقط, هو البحث عن النجومية والشهرة.. فهل تجرب عزيزي القارئ حظك وترفع دعوى قضائية على افلاطون لأنك بحثت عن الدولة الفاضلة ولم تجدها!!