موسوعة جينس بين النملة و(الكيكة)!! في شهر نوفمبر من عام 1974 استحق كتاب (جينس) للأرقام القياسية أن يصبح أكثر كتب العالم مبيعا بين الكتب محفوظة الحقوق حيث بلغ عدد النسخ المباعة 239 مليون نسخة.. وبالتالي استحق الكتاب أن يحتل مكانه في سجل (جينس) للأرقام القياسية!! .. وبحلول عام 1985 زادت أرقام المبيعات لتتجاوز حاجز 52 مليون نسخة. وبالتالي أصبحت ارتفاعاتها توازي 114 كومة, كل منها بعلو جبل افرست!! .. ولعل هذه النتائج المذهلة لم تكن تخطر حتى على بال (هيو بيفر) الذي أصدر أول مجموعة من الوقائع والأرقام في عام 1955. .. وتعود فكرة اصدار موسوعة (جينس) للأرقام القياسية إلى أحد أيام شهر نوفمبر عام 1951, عندما كان (هيو) يصطاد الطيور مع بعض اصدقائه, وحدث ان معظم الصيادين أخطأوا الهدف لدى محاولة اصطياد الغناج الذهبي, وتساءلوا عندما اجتمعوا بعد العشاء, عما إذا كان بالامكان التأكد من أن الغناج الذهبي هو أسرع طير في أوروبا.. عندها خطر لـ (هيو) الذي كان حينئذ مدير مصنع (جينس) أن هناك العديد من القضايا والمسائل التي يتجادل حولها المجتمعون دون وجود مراجع موثوقة يمكن الرجوع إليها لحسم الموضوع.. .. وفي عام 1954 دعا (هيو) الأخوين نوريس وروس ماك هوارتر, صاحبي وكالة الوقائع والأرقام في لندن ليستشيرهما في الموضوع.. ونتيجة لذلك افتتح مكتب في لندن, وصدرت أول مجموعة من موسوعة (جينس) لتكون في طليعة أكثر الكتب مبيعا.. .. موسوعة (جينس) تقوم بنشر الأرقام القياسية القابلة للقياس والمقارنة, والأمثلة على ذلك كثيرة ويعرفها الجميع.. ولكن هل فكر أحد في هذا العصر المتطور للغاية الذي نعيشه اليوم, أن حقبة الخمسينيات والسبعينيات, وزمن هيو والأخوين هوارتر قد انتهى, وما كان عندهم عجيب ومذهل, أصبح في زمننا هذا شيئا عاديا.. ترى هل يعقل أن يستمر كتاب (جينس) كواحد من أكثر كتب العالم مبيعا, وهل من المنطق أن يتسابق الناس لتسجيل أرقام قياسية جديدة من حيث الحجم, ويتفاخرون بلقب (أكبر شيء) أو (أطول شيء) , في زمن أصبحت قمة الابداع فيه في (التصغير) وليس (التكبير) !! ترى ما هو الابداع أو الاعجاز في صناعة أكبر (كيكة) في العالم لتدخل موسوعة (جينس) , وأين التميز في صناعة أكبر (كرسي) , أو خياطة أكبر (تي شيرت) أو صنع أكبر (دراجة هوائية) .. كل هذه الأشياء وغيرها أصبحت في عصر التطور والنهضة لا قيمة لها ولا تتعدى كونها (تافهة).. فهل يعجز الإنسان اليوم والذي استطاع تشييد ناطحات سحاب تفوق في وصفها الخيال مثل أبراج بتروناس بماليزيا والتي يبلغ ارتفاعها 450 مترا, وبرج جين ماو في الصين أو برج العرب في دبي, هل يعجز عن صناعة أكبر كرسي أو طاولة أو غيرها؟!! .. وهل يا ترى هناك تميز وقدرات عجيبة أو مذهلة في تجميع كميات كبيرة من الطحين والكريمة والفاكهة لصناعة أكبر (كيكة) في العالم أو حتى أكبر خبزة أو (سندويتش جبن) أو حتى (سمبوسة خضرا)!! .. وما هو الاعجاز في استخدام 2000 أو حتى 20 ألف (طاقة قماش) وخياطتها لصناعة أكبر (تي شيرت) أو أكبر (فانيلة) أو (كندورة) أو تنورة أو حتى (ميني جيب)!! .. إن العالم المتطور تجاوز هذه الأشياء الكبيرة في حجمها والصغيرة في فائدتها, وتركها للدول النامية لتتسلى بها عن ركب التكنولوجيا الذي لن تستطيع اللحاق به.. وتفرغ هو لقمة الابداع من خلال تصغير كل ما هو ضخم .. فكلنا يتذكر الهواتف النقالة الضخمة التي كنا نستخدمها من عشر أو 15 عاما مثل (الأنيس) أو (الجوال) ترى أين ذهبت؟! لقد انقرضت لتخرج لنا هواتف بحجم نصف الكف وبها من التقنية ما لم يحمله (الأنيس) على كبر حجمه.. وكلنا يتابع الثورة في عالم الالكترونيات والكهربائيات, وكيف تم تصغير أحجام كافة الأجهزة دون استثناء مع تزويدها بقمة التكنولوجيا. .. وفي هذا السياق أعتقد ان العقل البشري لا يمكن أن ينسى تلك الصورة التي بثتها وكالات الأنباء, والتي تعبر بحق عن الاعجاز والانجاز الذي وصلت إليه التكنولوجيا, وذلك عندما نشرت صورة (نملة) تحمل في فمها رقاقة كمبيوتر (chip), هذه الرقاقة هي عبارة عن مكتبة ضخمة تضم ملايين الكتب.. فإذا كانت النملة لا يمكن رؤيتها بوضوح بالعين المجردة, فتخيلوا إذن حجم هذه الرقاقة الصغيرة التي يمكن من خلالها قراءة ملايين الكتب المختلفة والمنوعة!! .. هذا هو الانجاز الذي يستحق الاشادة في هذا العصر, أما العكس فأعتقد انه أصبح لا قيمة له, حيث سيكون الأمر أسهل من شرب الماء البارد على هذا العقل البشري, لو كان الأمر يتعلق بصنع أكبر رقاقة.. إذن بالله عليكم أين العجب في الكيكة والكرسي؟!!