مشهدان يعصيان على الغياب عن الذاكرة خلال جنازة الراحل الكبير حافظ الأسد. الأول يصنف في خانة الاخوّة والثاني في خانة الانتماء. وهما يصبان بالنهاية في مجرى الوحدة الصلبة التي لم يقو على طمسها أو ردمها مستعمر أو خائن. لقد هالني حقا وأنا أتابع مراحل نقل جثمان الفقيد الأسد إلى مثواه الأخير تلك الجموع اللبنانية التي جاءت وفودا على اختلاف الطوائف والأعراق والمذاهب إلى دمشق لتلقي النظرة على الجثمان أو لتشارك سوريا مصابها الجلل. وفود عفوية دفعها إلى المجيء حسها الكبير بالاخوّة التي تربط بين بلدين أو بين شعب يعيش في بلدين, تلك الوفود بعثت في النفس ان العلاقة التي ربطت لبنان بسوريا من فجر التاريخ هي ليست علاقة متميزة أو خاصة, فهذان مصطلحان سياسيان يستعملهما نخبة الساسة والاعلام, ولأنني لا أنتصر لهؤلاء أقول انها أخوّة, وبالأعراف والتقاليد أو بالتحليل والعلم ان الاخوّة أشد تأثيرا ووقعا من التميز أو الخصوصية. إذن قلة هم من يفهمون ان العلاقة السورية اللبنانية هي علاقة دبلوماسية (جيوسياسية) بحكم الخاصرة كون لبنان في خاصرة سوريا. وكثر هم الذين لا يحللون أو لا يحيلون مسائل كهذه إلى محاكمات أو فلسفات لانهم أناس عفويون عبروا في شوارعهم وفي جلساتهم عن الحزن فجاءت وفودهم إلى دمشق بدافع العفوية والاخوّة, لانهم هكذا كانوا تاريخا وهكذا سيكونون مستقبلا. أما المشهد الآخر فهو من الجولان الذي كانت فاجعته مضاعفة بغياب الأسد, فهؤلاء أبناء سوريا الذين رفضوا الهوية الاسرائيلية في الثمانينيات وظلوا متمسكين بجذورهم وأصالتهم هم الذين عبروا بعفوية أخرى عن مصابهم الكبير دون أن يعبأوا اعلاميا أو منهجيا, لانهم أناس فطريون قادهم حبهم للأسد ولسوريا إلى تعبير يفوق العفوية والبساطة بمراحل كبيرة ليصل إلى حد التماهي بالآخر وتلك أعلى درجات الحب, فقاموا بوضع حفنة من تراب الجولان في قارورة وأرسلوها لتدفن مع الأسد في قبره. إن تعبيرا كهذا لا يمكن الكتابة عنه بسهولة لان هناك أحداثا تقع في الحياة تفوق قدرة الوصف ولعل مشهد أحد مواطني الجولان وهو يعرض قارورة التراب على التلفزيون كان كافيا لفهم طبيعة الانتماء الذي قلناه آنفا. مشهدان لن يغيبا عن البال والذاكرة لعب اللبنانيون وأهالي الجولان فيهما دور البطولة المطلقة في فيلم عربي صميم اسمه (الاخوّة والانتماء) . حسين درويش