غير أن ما جعل الضوء معتما تلك الغيوم الثقيلة التي بدت منخفضة جدا, تكاد أن تلامس الارض, رغم أننا في مايو لكن المناخ في أوروبا غير مستقر, يتبدل بسرعة, وقد يرى الانسان الفصول الاربعة في يوم واحد, بعكس المناخ في بلادنا, الحر حر, والبرد برد, كانت السماء ترعد وتبرق فتضيء الأفق والمكان الذي نتحرك عبره, لم أكن أعلم وجهتنا بالضبط, كانت بطاقة الدعوة التي وجدتها مساء أمس مكتوبة بالايطالية التي لا أعرفها, وكان ضيوف المعرض يضمون عددا كبيرا من الادباء الذين جاءوا من شتى أنحاء العالم, والمستعربة الايطالية ايزابيلا كامارا دينللتو, لم أكن قد حضرت حفل الاستقبال الذي اقيم أول ايام المعرض بسبب وصولي متأخرا, عندما عدت إلى القاهرة واستعرضت الاسماء التي كانت موجودة اثناء اقامتي(يومين فقط) أو جاءت بعدي, حزنت لأنني لم ألتق بأدباء قرأت لهم ولم التق بهم, منهم برهان بامول التركي والذي يلمع اسمه الآن في فرنسا, وميلان كونديرا الشهير, وامبرتوايكو, كانت البرامج التي سيشارك فيها هؤلاء تالية ليوم رحيلي, ولو علمت لمددت اقامتي, رحت اتابع الطريق وكل ما أعرفه أننا سنحل ضيوفا على مؤسسة اقتصادية كبيرة, المكان تاريخي, وفي حاجة إلى كتابة مطولة عنه, خاصة أن مضيفتنا صاحبة هذه المؤسسة كانت تبدو مثل مركيزة خرجت من صفحات رواية لاسكندر ديماس .. هكذا رأيتها . توزعنا على مناضد مستديرة, وحرصت على الجلوس إلى جوار الروائية اللبنانية هدى بركات التي أكن لها احتراما عميقا لمواقفها, واعجابا لابداعها, إلى جوارنا جلس رجل في العقد السادس, قدم نفسه على أنه كاتب أصله من يوغسلافيا ويعيش في روما, قال ان اسمه (بريدراك ماتفجيفيتش) . في البداية لم يعن لي الاسم شيئا, فما أكثر الاسماء التي تزدحم بها ذاكرتي, وفي السنوات الاخيرة لاحظت نسياني للاعلام, وكثيرا ما ألتقي بشخص ما, أعرف الوجه, وأحفظ الملامح لكنني لا أذكر الاسم, تذكرت حديثا لشيخنا المرحوم أمين الخولي, جرى في ندوة الامناء التي كنت حريصا على ارتيادها في مطلع الستينيات والتي أدين لها بأفضال عديدة على شخصي وتكويني . قال الشيخ أمين الخولي ان أول ما يفقده الانسان من ذاكرته اسماء الاعلام, وها هو الامر يثبت معي بعد اربعين عاما, وأنا أخطو نحو تمام العقد السادس, لم أتوقف عند اسم الرجل, إلا عندما ذكر أحد كتبه, عن البحر المتوسط, عندئذ سألته : كتابك ترجم إلى العربية.. أليس كذلك؟ قال (نعم) , وقال انه ترجم بعنوان جيد جدا لاقى عنده قبولا, قلت له انني شديد الاعجاب بالكتاب, عنوانه بالعربية (تراتيل متوسطية) , وهو من الكتب النادرة التي يقرأها الانسان فيدهش لغزارة مادتها, ولطلاوتها, وعمقها, ويتمنى ألا تنتهي صفحاته. أعرف هذه الحالة جيدا, عندما يلتقي القارئ بكاتب معجب به, أو طالع أثرا له, أول ما يتبادر إلى الذهن: إذن هذا هو الشخص الذي كتب هذا النص الجميل, يتطلع إليه الانسان, محاولا سبر اغواره, التزود منه, وهذا ما يعرف بالاعجاب, ولكن الصلة بين القارئ والكاتب ذات طبيعة خاصة, وتتخذ اشكالا ومستويات مختلفة. رحت أتطلع إلى الرجل المتوسط القامة, كان يرتدي حلة رمادية, ويبدو متواضعا, ورحت أحدثه عن كتابه, وكيف تلقيته, وانطباعاتي عنه, وكان يصغي سعيدا, لقد كتبه باللغة الصربوكرواتية, ثم ترجم إلى الفرنسية, وصدر في المغرب عن دار توبقال بالعربية. التراتيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب, يناير الماضي, كنت أتفقد الكتب المغربية الصادرة عن دار توبقال, والتي لا تتاح لنا فرصة اقتنائها إلا من سنة إلى أخرى بسبب سوء انتقال الكتاب العربي من قطر إلى آخر, ومعارض الكتب تتيح لنا فرصة شراء ما يصدر ولا يصل إلينا, لمحت هذا الكتاب, لفت نظري عنوانه, اقترب مني ممثل الدار وهو صديق عزيز, نصحني أن أقرأه, عادة تكون هناك مسافة ما بين شرائي لكتاب وبدء إطلاعي عليه, فلدي برنامج قراءة صارم, ولكن بخبرة نصف قرن في القراءة شعرت انني أمام نص استثنائي, وبدأت على الفور, فإذا بي أمام نص يحول المكان إلى شعر, والاسطورة إلى حقيقة, في المقدمة الخاصة التي كتبت للطبعة العربية, يقول المؤلف: فتنت اسطورة المتوسط الانسان في كل زمان ومكان وفي كل الحضارات, من الشرق إلى الغرب, ومن الجنوب إلى الشمال, لقد عبر أوليس ـ وهو استعارة للانسان في كل الاعمار ـ هذا البحر ـ مركز نقل التاريخ ـ ليتعرف عليه, وابتعد عنه لكي يغامر في عوالم أخرى غير معروفة, ثم عاد غنيا بالتجربة, لكي يستعيد القيم التماثلية لجذوره الخاصة. ما هو المتوسط؟ يمكن اعتبار كتاب تراتيل متوسطية اجابة مدهشة وجوهرية على هذا السؤال, إنه موجه ضروري للانسان المعاصر لكي يغامر في كل اتجاهات هذا البحر الاسطوري, قد يكون بالنسبة للبعض اكتشافا وبالنسبة للبعض الآخر زيارة جديدة, ذلك أن الامر يتعلق بمحكى يفخم الواقع ويشغله ويجعله يعاش في الوقت ذاته عبر الثقافة والمتخيل. يعتبر المتوسط الآن نتاج آلاف السنين من الحضارات التي ترسبت وتداخلت عناصرها لتشكل ملامحه وشخصيته, وليوجد على تلك الهيئة التي نراه عليها اليوم, الحضارة العربية طرف أساسي في المتوسط, لقد فرضت نفسها ولا تزال باشعاع باهر في كل المجالات إلى حدود القرن الرابع عشر, يكفي التذكير هنا بخرائط العلماء العرب, يكفي أن نذكر الادريسي, الذي عمل بصقلية, ثم انتقل إلى قرطبة, الساحل الجنوبي الآن من البحر المتوسط كله عربي, ليس بالحضور الجغرافي فقط, ولكن بالحضور التاريخي الفاعل. المتوسط يعيد اكتشاف النفس, أن روايته التكوين الكبرى, الحكاية الكبرى التي تخرج الفرد الذي يغامر في العالم, ثم يعود إلى بيته, إلى نفسه, أي الأوديسا, غير قابلة للتصور بدون البحر, ان هذا البحر المتوسطي هو رحم للتاريخ, ووعاء للحاضر الآن.