زميلي الدكتور عماد ابو غازي مؤرخ شاب يتميز بالدقة, وزميلتي الدكتورة هدى الصدى شعلة متوقدة من النشاط والحماسة حين يتصل العمل بهجوم المرأة. وكلاهما نموذج للاخلاص في العمل. ولذلك طلبت منهما ان يجمعا المادة التاريخية الخاصة بمسيرة المرأة المصرية وانجازاتها على امتداد التاريخ, وذلك بهدف ابراز هذه المسيرة للرأي العربي بما يبعث الحيوية من الذاكرة الثقافية الخاصة بالمرأة, ويؤكد للأجيال الجديدة مراحل التاريخ الشاق الذي واجهته المرأة المصرية, وبذلت فيه كل ما تستطيع لكي تصل الى التحرر والاستنارة, وكنت ـ ولا ازال ـ أتصور ان احياء ذاكرة المرأة هو أول ما يمكن ان نفعله حين نواجه الدعوات التي تريد ان تعود بالمرأة الى ابأس عصور التاريخ العربي الاسلامي. وكنت اعاون عماد وهدى بما لدي من مراجع ومصادر غير متاحة لهما, وظللنا نتناقش في خطوات العمل الذي دفعتهما اليه دفعا, وتقبلاه بمحبة خالصة وحماسة رائعة, الى ان اكتمل العمل, وظهرت ملامحه, وتجمعت لدينا مادة تاريخية ثرية الى أبعد حد. واعترف انه رغم نهمي المتواصل في قراءة الكتب التاريخية, ومعرفتي التاريخية التي كنت اتصور انها أكثر من جيدة فوجئت بمعلومات كثيرة كنت أجهلها, ومعلومات عديدة لم تكن الصور المرتبطة بأحداثها ووقائعها واضحة في ذهني. ومن هذه المعلومات ما يتصل بالأدوار السياسية التي لعبتها المرأة المصرية في مقاومة الاستعمارالخارجي وظلم ولاة الجور على امتداد التاريخ المصري الحديث, ذلك التاريخ الذي بدأ بالاصطدام بالحملة الفرنسية التي غزت مصر سنة 1798, وظلت تعاني من مقاومة الشعب المصري كله, رجاله ونساءه, الى ان اضطرت الى الرحيل عن مصر نهائيا سنة 1801 بعد ثلاث سنوات من العناء المتصل. وتذكر كتب التاريخ انه في سنة الغزو الفرنسي كانت مشاركة النساء في المقاومة واضحة ومؤثرة في العديد من قرى مصر ومدنها, لا تقل عن مشاركة الرجال, وذلك بدءاً من مدينة الاسكندرية التي نزلت فيها القوات الفرنسية في يوليو 1798 حيث احتشد الاهالي رجالا ونساء, وهم يحملون السلاح فوق الاسوار وفي الابراج للدفاع عن المدينة. وتذكر المصادر الفرنسية ان بونابرت كاد يفقد حياته في يومه الاول بالاسكندرية, عندما اطلق عليه رجل وامرأته الرصاص من نافذة منزل بحارة من حارات المدينة. وقد نجا بونابرت باعجوبة, حسب رواية سكرتيره الخاص, واستمر الرجل والمرأة يطلقان الرصاص الى ان هاجم الفرنسيون منزلهما وقتلوهما. وعندما وصلت القوات الفرنسية الى المنوفية في شهر اغسطس سنة 1798, تصدى أهالي قريتي غمرين وتتا للفرنسيين ببسالة, ويذكر احد ضباط الحملة في مذكراته ان الجيش الفرنسي قتل من الاهالي في القريتين ما يزيد على اربعمئة, بينهم عدد من النساء كن يهاجمن جنود الحملة بكل بسالة واقدام. وفي نفس الشهر ثار أهالي المنصورة والبلاد المجاورة على الحامية الفرنسية في المدينة وأبادوها عن آخرها, وقد شارك في الثورة أهل المدينة كلهم رجالا ونساء كما تذكر التقارير الفرنسية. وكانت النساء تقاتل ببسالة, كما كن يحرضن ازواجهن على القتال, وحتى عندما توغلت الحملة الفرنسية داخل البلاد, ووصلت الى النوبة في فبراير 1799, ساهمت نساء النوبة في التصدي لقوات الحملة التي حاولت الاستيلاء على جزيرة فيلة جنوب اسوان. ويذكر قائد قوات الحملة عن اسوان (الجنرال بليار) في يومياته ان الاهالي حملوا السلاح لمواجهة قواته, كما يذكر انه قد رأى النساء وهن ينشدن اناشيد الحرب ويقذفن التراب في وجوه الجنود الفرنسيين. والطريف انه في نفس سنة 1799, فيما يذكر كلوت بك, اجتمعت مجموعة من نساء رشيد في احد الحمامات العامة بالمدينة للتداول في اوضاعهن, وما يجب عليهن عمله من اجل اصلاحها. واذا صحت رواية كلوت بك, فيما يذهب عماد ابو غازي وهدى الصدى. فان هذا الاجتماع يكون اول مؤتمر نسائي تشهده مصر في تاريخها الحديث, سواء من حيث مناقشة ما يمكن ان تعمله المرأة في أحوالها الخاصة والعامة, وما ينبغي ان تقوم به في مواجهة اسلوب معاملة الرجل لها. وتمضي المقاومة النسائية في تواصلها بعد خروج الحملة الفرنسية. ومع معاودة ظهور مظالم السياسة المالية العثمانية, ففي سنة 1801 شاركت النساء في حركة احتجاج شعبي ارغمت الوزير التركي على الاستجابة لمطالب المصريات والمصريين مؤقتا على الاقل. وتجددت المظالم بعد اشهر قليلة فتجددت حركة الاحتجاج بقيادة النساء هذه المرة كما يذكر الجبرتي مؤرخ العصر. وتحكي المصادر التاريخية ـ فضلا عن ذلك ـ عن مظاهرة شعبية قادتها نساء حي باب الشعرية احتجاجا على قتل والي القاهرة لأحد الفتوات, وكان الفتوات في ذلك الوقت يعتبرون ابطالا حماة. وقد ارغمت المظاهرة الحاكم التركي على دفع فدية كبيرة لاهالي حي باب الشعرية وعزل والي القاهرة من منصبه. وعندما تتزايد مظالم عثمان بك البرديسي, ما بين سنتي 1803 و1804, تندلع نيران غضب المصريين, وتخرج نساء حي بولاق في مظاهرة حاشدة, احتجاجا على المبالغة في فرض الضرائب, وهن يحملن الدفوف وبعض الادوات المنزلية النحاسية, صائحات: (ايش تاخذ من تفليسي يا برديسي) . وسرعان ما صارت تلك الكلمات مثلا يستخدم للدلالة على نتيجة المغالاة في الظلم, وعلى تمرد المقموع الذي لا يملك اي شيء الا الثورة على قامعيه. وتقول المصادر التاريخية ان الرجال انضموا الى هذه المظاهرة النسائية بعد تأثرهم بهتافاتها, وسار الجميع الى الجامع الازهر, ومنه الى القلعة, مطالبين بعزل عثمان بك البرديسي اكبر امراء المماليك في ذلك الوقت. وتستمر مقاومة النساء في مصر للاستبداد السياسي والظلم الاقتصادي, ويسجل التاريخ ان نساء حي مصر القديمة شاركن في مظاهرة شعبية سنة 1805, وتوجهت المظاهرة الى الازهر للاحتجاج على اعتداءات الجنود الولاة المستمرة على الأهالي. وكانت هذه المظاهرة ـ فيما يذهب زميلي الدكتور عماد ابو غازي ـ البداية الحقيقية للثورة الشعبية التي قادها نقيب الاشراف عمر مكرم وشيخ طائفة الخضرية بالقاهرة حجاج الخضري. وهي المظاهرة التي انتهت باجبار السلطان العثماني على عزل رشيد باشا وتولية محمد علي باشوية مصر بدلا منه. ولم تقصر المرأة طوال عهد محمد علي, وظلت على يقظتها الوطنية, مستعدة للمقاومة التي تواجه أي غاصب اجنبي, او اي ظالم محلي, ودليل ذلك ما حدث سنة 1806 حين شاركت نساء مدينة دمنهور رجالها في الدفاع عن المدينة ضد محاولات محمد بك الالفي زعيم المماليك للاستيلاء عليها. وقد انتصرت المقاومة الشعبية, واحبطت دون عون من محمد علي نفسه, مؤامرة ثلاثية بين انجلترا والدولة العثمانية والمماليك للسيطرة على مصر, والقضاء على الارادة الشعبية الوليدة التي فرضت على السلطان العثماني تعيين محمد علي حاكما لمصر, وكان انتصار المقاومة الشعبية التي اسهمت فيها النساء اسهاما باهرا, ادى الى تحقيق الخطوة الاولى على طريق استقلال مصر عن تركيا. وكانت النتيجة المباشرة لذلك دخول مصر الى عهد جديد من النهضة والتحديث. ولا غرابة ـ والامر كذلك ـ في ان تهب المرأة المصرية مرة ثانية في العامل التالي سنة 1807, وتشارك النساء من أهالي رشيد الرجال في التصدي للحملة الانجليزية المعروفة باسم حملة فريزر. وقد قاد التصدي للحملة علي بك السلانكلي حاكم رشيد الشجاع الذي كان النصر حليفه في الحادي والثلاثين من مارس, وذلك بفضل المقاومة الشعبية التي أسهمت فيها النساء, اسهاما كبيرا. وكان دور النساء في مقاومة الحملة البريطانية دالا على حضور المرأة في المجتمع, سواء في مواجهة الهجوم الاول, او الثاني, او الحصار الذي فرضته القوات البريطانية على المدينة في شهر ابريل من العام نفسه, وذلك في الملحمة الشعبية التي ادت الى دحر القوات الغازية وانسحابها.