لقد تأخرت كثيرا.. تمتم بذلك ثم كرره بصوت مسموع ليكسر طنين تكات الساعة الذي يدوي في فضاء الغرفة. على الرغم من الضوء الشحيح نستطيع ان نميز الاثاث البسيط, سرير مزدوج يتوسط الغرفة وقرب النافذة الواسعة مكتبة صغيرة تضم بعض الكتب والتحف الرخيصة وعلى الجانب الآخر من النافذة حيث يقف هو كرسي وطاولة عليها لمبة قراءة. وهو في الثلاثين من عمره وسيم على الرغم من ذقنه غير الحلقة وشعره المنكوش والذبول الذي يغطي عينيه ازاح ستار النافذة فبدا ظلام الشارع العام, تفحصه لعله يجد احدا ثم التفت الى الممر الذي يربط الشارع بمدخل المبنى ولكن لا شيء غير الظلال الوحشية التي يرسمها الضوء المنبعث من عمود الاضاءة. الصق وجهه بزجاج النافذة ونظر الى امتداد الشارع تاهت نظراته انه ينظر الى اللاشيء. امرأة في الخامسة والعشرين جميلة بملابسها الانيقة تجلس امام المرآة تتجمل, ابتسم لها بحب فابتسمت هي مجاملة وتابعت وضع اللمسات الاخيرة على زينتها. ولكن لماذا مساء..؟ وفي الكفتيريا..؟ وليس في مكان العمل..؟ اجابت بثقة: لأننا في الصباح مشغولون تماما, وهناك امور عالقة يجب مناقشتها. مسح الضباب الذي تجمع على زجاج النافذة وحجب الرؤية, ولكن لا احد, ابتعد عن النافذة ثم عاد واتجه الى الطرف الاخر. تناول كتاب من المكتبة دون ان يرى ما هو, نظر من خلف الستارة ثم مشى باتجاه الطاولة جلس على الكرسي, اشعل لمبة القراءة وفتح الكتاب الذي حمله معه. لا اعرف لماذا سدت كل الطرق في وجهي.. ما الذي ينقصني.. اني امتلك الشهادة الجامعية والخبرة و.. و.. ولا استطيع ان اجد عملا مناسبا, لقد سأمت هذه الحياة. قال ذلك بتأثر واشاح بنظره في الاتجاه الاخر. اقتربت منه حيث يجلس على الكرسي ضمت رأسه بين ذراعيها ثم داعبت شعره مواسية فلف يديه حول خصرها وقال: اني احاول, سمع صوت اغلاق باب سيارة, قفز الى النافذة نظر منها, كانت سيارة اجرة تقل احد الجيران, تفحص الشارع من جديد وهو يتابع بنظراته ذهاب السيارة. هي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة تحاول اقناعه: انها شركة محترمة, هم بحاجة الى سكرتيرة براتب مغر, لم لا.. لا حاجة للتفكير سأعمل مؤقتا الى ان تجد عملا, نحن الان بحاجة الى هذا. لم يعجبه كلامها واحتفظ بصمته وهو ينظر من خلال نافذة السيارة حيث كانت الغيوم تتراكض مسرعة. ابتعد بخطوات متثاقلة عن النافذة, رمى بالكتاب جانبا, حاول ان يدندن بلحن ما ولكنه باء بالفشل فقرر ان يصمت, القى بنفسه على السرير, نظر الى الاعلى الى سقف الغرفة. لو تعلم كم هي شركة محترمة.. اننا نعقد صفقات بمئات الآلاف, بل بالملايين, والمدير شخص يحظى باحترام الجميع والكل يهابه, وقد اعجبته. استدار برأسه نحوها, تابعت وهي تجلس على حافة السرير. ليس بالمعنى الذي فكرت فيه, لقد قال اني انسانة عملية ومتحررة وهو معجب بهذه الصفات, بمعنى في العمل. وتابعت بنظرات حالمة ودلع: حتى انه وعدني بأني قد اصبح مديرة اعمال الشركة اذا اثبت له عمليتي. ابتسم بسخرية وقال: وكيف ستثبتين له عمليتك!!؟ قرع الباب.. قفز راكضا والفرحة تغمره (لقد عادت) توقف امام الباب افتعل اشارات الغضب على وجهه وفتح الباب. ارتسمت على وجهه علامات الخيبة, كان احدهم يعرض شيئا ما للبيع لا لانريد شيئا.. واغلق الباب بعصبية. هو في ملابس انيقة فاخرة يقف الى جانبها وهي بفستان جميل مزركش تجلس على مقعد في حديقة عامة تأكل البوظة وعلامات السعادة بادية عليهما. غدا ستتركين العمل.. لا بل اليوم كما تريد, ولكن هذا الشهر يجب ان نسدد بعض الديون من راتبك و.. انا الرجل وانا من يقرر لن اسدد اي ديون.. انه راتبي الاول, سأشتري لك فستانا لم تحلمي به وسأدعوك الى العشاء في مطعم فاخر.. مشى باتجاه النافذة نظر منها كانت هناك سيارة خاصة تقف امام المدخل.. حاول ان يرى من بداخلها ولكن من موقعه لم يستطع فبدل مكانه, انخفض قليلا وعيناه لا تفارقان السيارة. جالسا على الكرسي يراقب حوض السمك بانتباه شديد (اسماك صغيرة واخرى كبيرة) وهي بثيابها المنزلية تقدم له كأسا من الشاي الساخن, تناوله شاكرا وبعينين مبتسمتين, محاولا ان يبدأ حديثا عاطفيا نظر اليها وقال: ريم هل تذكرين.. في فترة الخطوبة, عندما امسكت بنا الشرطة كان ذلك مساء.. ولا احد غيرنا في الشارع.. كان الطقس ممطرا جدا, ونحن كما المجانين نتمشى تحت المطر.. كان ذلك جميلا, وبعد (س) و (ج) حتى تفهموا موقفنا. ماذا تعرف الشرطة عن الحب. طبعا اذكر.. تناولت الجريدة عن الطاولة ناولته اياها قائلة: في صفحة الاعلانات مطلوب موظف باختصاص محاسبة.. وهناك شركة اخرى تطلب مندوبين مبيعات.. لماذا لا تجرب؟ كلهم كذابون انا لست مستعدا ان اعمل بوظيفة غير لائقة بمستوى شهادتي العلمية. قالها بعصبية. كما تريد.. ولكن لماذا لا تتكلم مع ابو سامر؟ ابو سامر شخص كاذب قال لي اتصل بعد يومين, هؤلاء الاشخاص انا اعرفهم واعرف كيف يفكرون هو يريدني ان اتصل به كل يوم, يريد ان يذلني. ولكن ما يجب ان تعرفه هو اني لا استطيع الاستمرار في هذا العمل, يجب ان تجد انت عملا.. هل تفهم ما معنى ذلك يا احمد.. هل تفهم. قالتها بحرقة. صوت فتح باب السيارة جعله ينتبه وبدهشة نظر الى زوجته التي خرجت من السيارة المتوقفة منذ زمن وهي تحمل باقة من الورود, وقفت تراقب السيارة وهي تبتعد ثم استدارت باتجاه المدخل, تبادلت التحية مع الشخص الذي ظهر حين مغادرة السيارة. وضع يده على عينيه ـ ياللفضيحة.. انه جارنا الذي يسكن في الشقة المقابلة. لقد رأى كل هذا. اتجه الى الباب انتظر وصول الخطوات, فتح الباب, وخرج لاستقبالها متصنعا الابتسامة. القيا عليه التحية, نظر اليها بغضب حين تجاوزته ودخلت الى الشقة وبيدها باقة الورود, بينما الجار واقف يبحث في جيوبه عن المفاتيح. الزوج بارتباك ولا يعرف كيف يعبر يحاول ان يشرح للجار: انهما يعملان معا.. انه رب عملها.. اوصلها بالسيارة لكي.. لكي لا تتعرض للمضايقات.. انهما يتأخران في العمل, ولكن ليس دائما, انها المرة الاولى. الجار يميل باتجاهه قليلا وبود وسذاجة ويقول: لابد انها تحبك جدا.. فزوجتي ايضا تحضر لي الورود حين تتأخر في عملها. استفاق من نومه كالمصعوق, اضاء الغرفة فاستفاقت زوجته وقبل ان تنطق بحرف صرخ في وجهها: اين باقة الورد؟ اي باقة اي ورد؟ اجابت باستغراب. باقة الورد التي احضرتها معك من العمل. اي باقة ورد.. واي عمل.. احمد اكيد انت تحلم, غدا هو اليوم الاول الذي يجب ان اذهب فيه للعمل. نظر حوله.. فكر قليلا.. وابتسم, اقترب منها ضمها اليه وهو يفكر (وانا ايضا يجب ان اجد عملا) . نزار الحصان