اقيم في مكتبة الاسد مؤخرا حفل تكريم للمفكر والباحث الدكتور عبدالكريم اليافي بمبادرة من مجلة الثقافة الدمشقية وصاحبها ورئيس تحريرها الاديب مدحت عكاش.ولد اليافي في مدينة حمص حوالي عام 1920 في حي باب السباع ويبدو انه واجه صعوبة جمة في سنته الدراسية الاولى.. وصفه معلموه بالشرود وعدم القدرة على تعلم حتى الحروف الابجدية لكن الطفل اظهر فيما بعد قدرة هائلة على الحفظ الشفهي وذاكرة متفوقة للغاية جعلته يشق طريقه في دروب العلم بتفوق, فأوفد الى باريس لمتابعة تحصيله وهناك درس علوم الفيزياء والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الجمال وفي ظروف بالغة التعقيد ابان الحرب العالمية الثانية واحتلال النازيين لباريس حيث انقطع تواتر المراسلات مع الوطن الام وبالتالي انقطعت الامدادات المالية عن الطالب لكن هذه المعاناة زادت من عشقه لبلاده وجعلته حين وطئت قدماه ارض الوطن ينحني ليقبل ترابه المقدس. وعدد الدكتور طيب تيزيني مناقب المحتفى به ووضعه في مصافي النزعة التنويرية العقلانية النقدية وقارنه بالعديد من العظماء الذين عرفهم التاريخ امثال ابن سينا وابن رشد وفولتير وماركس وفرح انطون والطهطاوي وعلي عبدالوراق وطه حسين وكثيرين ممن اسهموا في دفع عجلة التقدم نحو الامام بدفاعهم عن الحقيقة. واليافي حسب تعبير د. تيزيني برزت لديه ميزات كثيرة اهمها موسوعيته العلمية المستنيرة ومقدرته اللغوية وغوصه في محيطات التراث ومساهمته في متابعة المشروع النهضوي العربي والدعوة الى العقلانية والحرية الفكرية مع وقوف صريح لا لبس فيه ضد تيار الظلامية.. هذا التيار الذي يقوم على ثنائية مفتعلة هي ثنائية المؤمن والكافر.. واليافي (يتابع تيزيني) قرأ الماضي بصورة الراهن وتصدى بجرأة للذين يريدون تجاهل ايجابيات التاريخ العربي وابراز السلبي فيه فقط.. واذا كان بعض مفكري الغرب يريدون مسح ذاكرة الشعوب تحت لافتة الحداثة.. ثم تقريب القيم والضمائر بما اسموه ما بعد الحداثة فهذا يعني الدوس على الحقيقة والتاريخ.. وهذا ما تصدى له اليافي بجرأة وشجاعة. وقدم الدكتور عز الدين النجار الاستاذ في جامعة عين شمس بالقاهرة مداخلة تحدث فيها بتركيز شديد عن مساهمات الدكتور اليافي في مجالات العلم والفلسفة وقراءة التراث قراءة منهجية نقدية ساهمت في تخريج اجيال واجيال من الطلاب الذين يقرأون التاريخ قراءة بناءة. وتتالى على المنبر في حفلة التكريم شعراء القوا قصائد تشيد بمكانة المحتفى به ومن هؤلاء الشاعر رضا رجب الذي عنون قصيدته مختصرا صفات اليافي بوصفه عبقري الدهر واما الشاعر حسان الصاري فقد اكد في قصيدته القول المأثور بأن العلماء هم ورثة الانبياء وتطرق في قصيدته الى ان اليافي استطاع قراءة التصوف الاسلامي قراءة علمية وبالتالي الكشف عن العناصر الثورية في هذا الفكر المتلبس.. ودور الصوفيين في المقاومة السلبية لطغاة الحكام وفضح استغلالهم للدين في سبيل مآربهم الدنيوية. وتحدث الدكتور علي مير لوحي استاذ اللغة العربية في جامعة اصفهان الايرانية عن مساهمات الدكتور اليافي في اغناء اللغة العربية بمناقشته الفلسفية حولها وتبيان مدى عبقرية هذه اللغة اضافة الى دراساته البلاغية والجمالية للغة.. من غير ان يحول ذلك دون اهتماماته بعلوم الفيزياء ومساهمته في دراسات تناولت بنية البذرة.. وايجاد مصطلحات عربية بديلة للمصطلحات الاجنبية. دمشق ـ ماهر يوسف