هناك مهن ساحرة تجذب الناس إليها, يحلمون بها حتى وان لم يمارسوها. والصحافة في صدر هذه المهن. ولقد أسعدني الحظ انني عملت في هذه المهنة الجذابة القاسية نحو عشرة أعوام. تنقلت فيها بين فروع الصحافة, وهي كثيرة إن لم تكن تعلم, وكان بين ما مررت به هو الاخراج الصحفي. والسائد ان الذي يقوم بهذا العمل لابد أن يكون رساما. وعلاقتي بالرسم مثل علاقتي ببورصة نيويورك. ففي المدرسة كان النجاح في الرسم يتطلب الحصول على أربع درجات من عشرين. وأذكر انني كنت أحصل عليها لا تزيد نصف درجة. ولقد أدركت - وأدركت أسرتي أيضا - ان المدرسة تعتبر الرسم موهبة, وانني لا أمتلك هذه الموهبة, لكنهم لا يريدون رسوبي ولذلك يعطونني الدرجات الأربع على مضض. وأذكر أحد امتحانات الرسم وقد أتى مدرس الرسم, واخترق الصفوف ليصل إلي وسط نـظرات الدهشة. ثم مال علي هامسا: - ستحصل على الدرجات الأربع. لكن لا ترسم شيئا على الاطلاق. أرجوك! ولذلك كان غريبا أن أتولى مسئولية اخراج مجلة أسبوعية ثم عدة مجلات بعدها. وكان كل (زملائي) في المجلات الأخرى من الرسامين, وفيما بعد قابلت رمسيس ويصا وسمعت نظريته في ان الإنسان فنان موهوب يفسد تدريس الفن موهبته. وآمنت بهذه النظرية وتخيلت انني جوجان أو رينوار أو فان جوخ أو محمود سعيد لولا الاستاذ عبدالباسط الذي قتل موهبتي! ولقد انسقت لفترة في الاخراج الصحفي رغم انه بدأ تورطا. وكان من الممكن أن أستمر أكثر فيه, لولا انني عملت في مجلة كان من أبوابها الثابتة قصة قصيرة, وكان متفقا أن يأتي أحد كتاب القصة بقصة العدد. لكنه تأخر ثم اعتذر. وأردت انقاذ الموقف فقدمت قصة لي. وكنت قد نشرت مجموعة قصصية فضلا عن عشرات القصص التي نشرت في الصحف والمجلات. ولكن صاحب المجلة لم يكن يعرف ذلك, فأعاد لي القصة وقال في امتعاض: أنا أحب التخصص, ولذلك لا أحب أن يكتب الرسامون قصصا؟ ويومها قررت أن أقطع علاقتي بالاخراج الصحفي. ولقد فعلت. بل قطعت علاقتي بالعمل الصحفي إلا من الكتابة أحيانا. واعتقدت انني لم أعد كغيري من الذين يتمنون أن يعملوا في الصحافة, فلقد عملت فيها فعلا. ومع ذلك بقيت أمنية صحفية كنت أظن انها ماتت, لكنها تطفو بين الحين والحين, لتكشف لي ألا شيء داخل الإنسان يموت مهما طال الزمن. فعندما كنت في (شبعا) على بعد مئة متر من الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة, عادت لي أمنيتي القديمة التائهة أن أكون مراسلا صحفيا. وأكتب لـ (البيان) : شبعا من العبد الفقير. وكم تمنيت أن أراسل من خطوط القتال مع العدو الاسرائيلي أو من سراييفو أو حتى كابول. وبالطبع هو حلم لا أدري هل أنا مهيأ له أم لا. فهو يحتاج إلى جسارة واندفاع, ولا أدري هل أمتلك منهما شيئا. وأظنني أميل إلى التنس, وهو الأمر الذي لا يصلح لهذه المهنة. ولولا افتقاد (شبعا) إلى الهاتف بكل أنواعه لاتصلت بـ (البيان) اطلب اعتمادي مراسلا لها في (شبعا) هذه المنطقة الساخنة, والتي أظن انها ستكون ساخنة لزمن طويل. فلقد قسم الاسرائيليون (شبعا) إلى بلدة يعيش فيها سكانها, ولقد تركوها لهم - بالطبع تحت ضغط المقاومة - وإلى مزارع (شبعا) الخصبة التي أصبحت الآن بالادارة الاسرائيلية أكبر مزرعة في الشرق الأوسط لزراعة الكروم وتقطير النبيذ. وقال المهندس مروان مرافقنا المثقف إلى الجنوب ان هذه هي زيارته السادسة خلال اسبوع. أما قبل ذلك فلم يكن قد أتى إلى (شبعا) لاثنين وعشرين عاما هي عمر الاستعمار الاسرائيلي. وصعدنا من (شبعا) البلد إلى اتجاه (شبعا) المزارع المغتصبة, ووصلنا إلى الاسلاك الشائكة وآخر مكان مسموح به عند الحدود اللبنانية. ورأينا على البعد سيارة جيب عسكرية اسرائيلية تنزل من على الجبل الذي يذكرك بأغنية فيروز. وكانت السيارة تنزلق على الطريق الذي تحده الأسلاك الشائكة. وكما رأينا السيارة الجيب ومن فيها, رأونا, وظننا انهم سيسيرون في طريقهم, فنحن مجرد أربعة من البعيدين عن القصف, ولم ننتبه إلى ان رابعنا الذي يصور بكاميرا فيديو ربما لفت انتباههم. وهذا ما حدث فعلا, فلقد عادوا وواجهوا الكاميرا المتواضعة بالرشاشات والمدافع. وتداولنا الأمر بسرعة. ورأينا انها شجاعة حمقاء أن نبقى حيث نحن ونواجه مدافع اسرائيل بكاميرا فيديو. وقررنا أن ننسحب من حيث نحن. وفعلنا ذلك لكن بخطوات بطيئة كما لو كنا نريد أن نؤكد لأنفسنا اننا لسنا خائفين. وعندما قاد المهندس مروان السيارة قادها ببطء. وكنا نتحدث في أمور أبعد ما تكون عن التوتر. مثلا تحدثنا عن انواع الكريز في شبعا. وبعدها حملتنا سيدة كريمة من شبعا كميات من الكريز فاقت قدرتنا على أكله. واتجهنا إلى الخيام. أيضا على الحدود مع فلسطين المحتلة. وفورا دخلنا إلى معتقل الخيام لنجد زحاما شديدا من الزوار, ولقد قابلت وفدا صحفيا كويتيا بصحبة الاعلامية زينة الجوعان. ووجدتني أقدم اقتراحا ليس بدعوة القوميين والوطنيين, ولكن قبل ذلك دعوة دعاة التطبيع. أتمنى أن أراهم في هذا المكان البشع يسمعون إلى قصص التعذيب ويرون أدواته. وأتمنى أن تكون هناك سلطة عربية قادرة على حبس دعاة التطبيع لمدة ست دقائق في نفس الزنزانة التي حبست فيها سهى بشارة ست سنوات. لقد كنت أرتب للقاء مع سهى بشارة ولما رأيت الزنزانة التي حبست بها, أحسست انني لن أستطيع لقاءها. وطلبت من صديقي تأجيل اللقاء. وان طلبت من الاعلامي اللامع ناجي وهبى أن يساعدني في الحصول على معلومات عنها. عجزت عن دخول معظم الزنازين والعنابر اما للرائحة البشعة التي تفوح منها, واما لاحساسي بالاختناق في الأماكن الضيقة. وهناك توجيه من اللحظة الأولى ألا تلمس أي شيء خوفا من الأمراض المعدية. فضلا عن توجيه آخر بعدم لمس أي شيء مما تركه الصهاينة. فلقد تركوا أدوات صغيرة تغري الأطفال وغيرهم بتفحصها, فما ان يعملوا حتى تنفجر بين أيديهم. وأعتقد ان الاعلام اللبناني الذكي سيبقي هذا المعسكر يذكر الجنوب بالارهاب الاسرائيلي, ويذكر الدنيا بأيدي الصهاينة الملوثة بالدم. وعندما عدنا من الجنوب أخذنا معن بشور المفكر والسياسي إلى ندوة النادي الثقافي العربي - وهذه لها حديث آخر - وسألني عن انطباعاتي عن زيارة الجنوب. وكان هو الذي رتب لها. ولم أستطع أن أنطق. وتخلى عني المراسل الصحفي الذي تمنيته. وخرس لساني عن النطق. كنت مأخوذا بكل ما رأيت من مقاومة شرسة, ومن ارهاب اسرائيلي متعنت. وكانت القصص التي سمعتها أقسى من أن يتحملها القلب. ولكن ها أنا أحاول أن أستعيد نفسي, وأتشبث بالفرصة التي أتتني, وعسى ألا يسخر مني (زملائي) المراسلون الصحفيون. وفي يقيني انهم سيفعلون!