قوة الإرادة تغلبت على إدارة القوة بلا إرادة, هذا ما وقع بالضبط بعد أربعة عشر عاما على كارثة تشرنوبل, المفاعل النووي الذي أطلق طوال عشرة أيام عناصر مشعة توازي قوة 500 قنبلة كالتي ألقيت على هيروشيما وناجازاكي، وهي ما جعلت مئات الآلاف يتطايرون ركضا بالأيدي قبل الأقدام وفي أجسامهم قطع الزجاج من الحجم الكبير في لحظات ساد العويل المصاحب للبكاء والنحيب الشديد. وأفادت معطيات غير رسمية في وقته ان الحادث الأخطر في المجال النووي المدني أوقع 15 ألف قتيل, هذا العدد مقارنة بضحايا هيروشيما لا شيء لان الأجيال اليابانية المعاصرة ما زالت تعاني من ويلات تلك الهمجية المفاجئة لكل التوقعات المتفائلة, فقد دخلت الشظايا النووية واستقرت في الجينات فلا مفر إلا من دفع الثمن أغلى بكثير مما توقع مخترع هذه النقمة أو الطامة الكبرى. وبما ان العالم لا يدوم في فكره على حال وان لحظات الرشد الإنساني أحيانا لها مفعول السحر في تغيير الكثير مما كنا نعده من اللا ممكن بسبب تحجر العقول وتعنت الرأي الواحد ضد العالم أجمع. فهذه أمريكا التي تلطخت يدها بطعم الدم الذي سال في اليابان أنهارا ومجاري وسيولا, تكفر اليوم عن ذنبها العظيم عندما أفاد بيان مشترك وقعه الرئيسان الأمريكي والأوكراني ان أوكرانيا ستغلق مفاعل تشرنوبل نهائيا في 15 ديسمبر المقبل. هذا, وبعد أعوام من المماطلة, نجحت كييف والولايات المتحدة أخيرا في تسوية مشكلة وقف محطة تشرنوبل التي لا تزال تشكل خطرا. وكانت مجموعة الدول الصناعية السبع تعهدت في عام 1995م بمنح مساعدة قيمتها 2.3 مليار دولار لاغلاق المحطة, على أن يستخدم 1.5 مليار دولار من المبلغ في انشاء مفاعلين للتعويض عن انتاج الطاقة الكهربائية في تشرنوبل غير ان الاتفاق لم يطبق بسبب تمنع العديد من الدول الأوروبية عن تمويل القطاع النووي الأوكراني لاعتباره غير مأمون الجانب. ومع ذلك لم تتوان أمريكا عن القيام بالمستحيل للوصول بهذا المشروع المقلق إلى نقطة اللاعودة, فالاتفاقية المعنية حسمت الأمر وقطعت حبال المماطلة الأوروبية من جذورها وبها سجلت أمريكا نقطة بيضاء في صفحاتها الأخرى في اليابان وغيرها من البلدان. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae