بعد النقد يأتي دور (نقد النقد) وهو في رأي الكاتب العراقي المعروف عبد الجبار البصري, ليس تناولا مجردا لموضوع مجرد, فالحديث عن النقد الأدبي هو في الوقت نفسه نقد سياسي واقتصادي واجتماعي .. فالكل مترابط وهنا يكمن أن يكون الأدب سياسة, واللغة سياسة, ولقمة الخبز سياسة, وكل شيء (الا السياسة) ربما ومن هنا فان أولى الأساسيات التي يقف عندها الناقد هي كيفية امتلاك القدرة على تطوير الحركة النقدية العربية, بعيدا عن تأثيرات الفكر والنقد الغربي .. ولماذا يعاني القارئ العربي من صعوبات في ادراك المنحى النقدي للابداع؟ * في بداية حوارنا مع البصري سألناه: أين تقف حركة النقد الادبي العربي, وهل لها صلة بالنقد العالمي؟ ـ الحركة النقدية في الأدب العالمي حركة كبيرة وشمولية متعددة الاتجاهات, متنوعة الجذور .. وتتمركز في الآداب الغربية نتاجاً وزعامة وقيادة, كالنقد السيكولوجي والاجتماعي والبنيوي والوجودي والسيميائي والتفكيكي وكل أدب العالم شرقاً وغرباً نتاج هذه المدارس ويندر ان نجد نقداً أدبياً متحرراً من سلطة هذه الاتجاهات والنقد الادبي في العالم يتبارى مع الشعر والقصة والاجناس الاخرى في كونه فرعا من فروع الابداع على الرغم من كونه يستمد مادته الاولية من النصوص الابداعية, والحديث عن مكونات النص النقدي حديث واسع لا يمكن أن تفيه حقه في هذه (العجالة) ويعتمد على جهاز نقدي له مكوناته الأساسية .. وأفضل ما قيل في النقد الأدبي انه (كتابة عن الكتابة) وفي ظل هذا التعريف تبدو طبيعته وانواعه ومستقبله ... والنقد الادبي عند العرب حديثا يكاد يكون مقطوع الصلة بجذوره رغم كونها جذورا متينة وعميقة, وهو مدين للغرب اكثر من دينه لتراثه .. استطيع أن أشخص تلامذة في النقد الادبي لـ (رولان بارت) و(تودورف) و(فرويد) و(ماركس) و(سارتر) وآخرين ولكن يصعب علي أن أكتشف تلامذة (ابن طباطبا العلوي) و(عبد القاهر الجرجاني) و(ابن الاثير) و(القرطاجني) و(ابن رشيق) ... وغيرهم. * هل هناك حركة نقدية في عموم الأدب العراقي والعربي الآن؟ ـ كما في الأدب العالمي اتجاهات نقدية متعددة ففي النقد الأدبي العربي مثل هذه الاتجاهات .. فالعقاد والنويهي يمثلان (الاتجاه السيكولوجي) ومحمود أمين العالم واحسان عباس يمثلان الاتجاه الاجتماعي ومحمد مندور يمثل (الاتجاه الايديولوجي) ومارون عبود يمثل الاتجاه الانطباعي (التأثيري) في حين يمثل صلاح فضل ومحمد مفتاح وكمال ابو اديب وعبدالسلام المسدي وغيرهم الاتجاهات الحداثية والبنيوية, ولهذه الاتجاهات عطاؤها ونتاجها المهم الذي لا يمكن تجاهله. والنقد الأدبي في العراق يرتبط ارتباطاً عميقاً بحركة النقد الادبي عند العرب وتتلمذ نقادنا على ايدي النقاد في الوطن العربي والعالم .. وقد ابتدأ تاريخ النقد الادبي في العراق الحديث نقداً لغوياً يمثله روفائيل بطي ومصطفى جواد وابراهيم السامرائي ثم تحول الى الاتجاه الانطباعي التأثري كما في كتابات (علي جواد الطاهر) و(عبد الجبار عباس) و(نازك الملائكة), ثم صار نقداً منهجياً كما في كتابات (عناد غزوان) و(فاضل ثامر) و(سامي مهدي) و(عبدالله ابراهيم) و(بشرى موسى صالح) و(مالك المطلبي) وغيرهم .. والحركة النقدية في الادب العراقي حركة قوية صاعدة تقدم في كل عقد من السنوات وجوها جديدة تتابع الحركة الابداعية وتسهم في اثرائها مثل (قيس كاظم الجنابي) و(اريج كنعان) و(سمير الشيخ) و(خزعل الماجدي) وأسماء عديدة أخرى أتوسم فيها خيراً كبيراً لمستقبل النقد الادبي في العراق. مصطلح غير مستقر * ما هو موقف النقد من الحداثة؟ ـ الحداثة مصطلح من مصطلحات النقد الأدبي الحديث استعمل في فرز الاتجاهات الابداعية وتصنيفها, وهو مصطلح قلق غير مستقر, فما يسمى حديثا في مرحلة ما, قد لا يكون كذلك .. في مرحلة أخرى, والابداع قد نجده في نتاجات تقع تحت هذا العنوان أو ذلك .. ولا تحدد اللافتة التي يحملها الاديب ابداعه .. وكما رفع النقاد شعار الحداثة يوما ما .. فها هم اليوم ينكرون هذا الاتجاه ونجد هذا التغيير بوضوح في بعض الاقوال المأثورة عن محمد بنيس وادونيس وغيرهما. * يعاني القارئ العربي المعاصر من صعوبات في فهم النص .. هل يكمن السبب في المتلقي أم في المبدع؟ ـ يُكتب النص ليقرأ فاذا لم يصل القارئ دل ذلك على تقصير في وظيفة النص, ومن النصوص ما تغني القارئ بما فيها من مادة ومضمون, ومن النصوص ما يغنيها القارئ بما لديه من رصيد معرفي .. وصعوبة ايصال النص للقارئ قد تكون ناجمة عن استعمال الفاظ في غير دلالتها المعجمية, او استعمال صيغ وتعابير وجمل غير مألوفة, أو عمق معنى وفلسفيته وتصوراته الغربية, وربما لا هذا ولا ذاك, فبعض النصوص تافهة لا توصل للقارئ شيئا ويجب أن نضع النقاط على الحروف ونعترف بحقيقتها. * ما هو رأيك بالمشهد الشعري والقصصي والأدبي بشكل عام في خضم التفاعلات والتناقضات التي يمر بها الأديب العربي والعراقي عموماً؟ ـ هذا السؤال يحتاج الى رسالة دكتوراه لايفائه حقه من البحث والدراسة, فالمشهد الشعري العربي واسع وهائل, وأوسع منه وأكثر هولاً المشهد القصصي .. والمشهد العراقي جزء من هذا الكل الواسع الهائل, وكل ما استطيع قوله ان الاسماء فيه عديدة, ذكوراً واناثاً, وان النتاجات تملأ الأسواق والمكتبات وليس من العلمية في شيء ان نحكم على ما في مكتباتنا واسواقنا وصحفنا اليومية ومجلاتنا الثقافية الشهرية والفصلية بكلمة أو جملة عابرة ... ان مثل هذا الحكم فوق طاقتي.. * أنت , والنقد الأدبي .. ما هي اسهاماتك ومتى بدأت؟ ـ بدأت بكتابة النقد الادبي منذ عام ,1957 حين نشرت سلسلة مقالات عن الشعر العراقي الحديث في مجلة (الآداب) البيروتية ثم جمعتها ونشرتها في كتاب بعنوان (مقال في الشعر العراقي الحديث) وهو يؤرخ ويوثق الحركة الشعرية منذ القرن التاسع عشر الى بداية النصف الثاني من القرن العشرين .. ثم صدر لي كتاب بعنوان (بدر شاكر السياب: رائد الشعر الحر) سنة 1966 وهو اول كتاب يصدر عن السياب بعد وفاته ثم صدر لي كتاب (نازك الملائكة: الشعر والنظرية) سنة 1971 وهو رائد الدراسات الأدبية عن نازك الملائكة .. ثم كتاب (شيء من التراث) سنة 1968 و(ساعات بين التراث والمعاصرة) سنة 1978 وهما يعرفان بالتراث الأدبي الشعري عند العرب .. وصدر لي عام 1970 كتاب في النظرية الأدبية بعنوان (الادب التكاملي) وفاز بالجائزة الاولى للنقد الادبي في أول مهرجان من مهرجانات المربد الشعري, وكتبت بعد ذلك (القمح والعوسج) سنة ,1997 وصدر ضمن مطبوعات المجمع العلمي العراقي, كما صدر لي في الاردن (لوحات وأساور: عرض للشعر النسوي) العراقي سنة 1999 و(فضاء البيت الشعري) سنة 1999 عن دار الشئون الثقافية العامة .. واحدث ما صدر لي كتاب (البلح المر) سنة 2000. هذا بالاضافة الى مشاركاتي في مؤتمرات النقد الادبي داخل العراق وخارجه, وكتابة مئات المقالات والبحوث في النقد في الصحف اليومية والمجلات الثقافية. عملت رئيس تحرير مجلة (الأقلام) لأكثر من خمس سنوات, ومديرا للتأليف في وزارة الثقافة والاعلام, وسكرتيراً لجائزة صدام للابداع, وسكرتيراً لـ 12 مهرجانا للمربد الشعري .. وأنا الآن متقاعد عن العمل وليس عن الكتابة النقدية ولي أربع روايات وكتب قانونية واعلامية أخرى تحت الطبع. بغداد ـ البيان