هي أستاذة في إحدى الجامعات النائية من أرياف أمريكا. جاءت جلستها الى جانب العبد الفقير في الطائرة المصرية التي امتطيناها في الطريق الى نيويورك.. لم تكن تدري أن الفقير المذكور من النوع الذي لا يحب أن يجاذبه أحد أي أطراف من حديث بشجون أو بغير شجون خلال رحلة الطيران, حتى ولو طالت الرحلة نحو اثنتي عشرة ساعة تستغرقها عبور المتوسط فاليابسة من غرب أوروبا ومن بعدها أجواز المحيط الأطلسي الى حيث الأصقاع الكندية ومنها جنوبا حسب طريق التحليق الدولي المرسوم الى ميناء نيويورك على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. والأمريكيون خاصة أهل الأرياف والدواخل القصية قوم بسطاء في عمومهم: بِساطهم أحمدي كما يقول المصريون بغير ما حواجز أو تعقيد, أين هذه البساطة العفوية من برود الانجليز وعزوف الفرنسيين واستعلاء السويسريين؟ ولأن العبد الفقير تعوّد على المسافة الشاسعة بين أفريقيا وأمريكا الشمالية, دع عنك ساعاتها الطويلة في رحلة متواصلة رهينا لمجلس المقعد الطائر على مدى نصف ليل أو نصف نهار فقد درجنا على مدى سنوات تكاد تبلغ العقدين من عمر الزمن على أن نستعين على الرحلة بأكثر من كتاب وخاصة من تلك المجلدات الأمهات التي تحتاج في قراءتها الى عزم لا يلين وعريكة وصبر طويل وجميل هكذا كان يصحبنا في رحلتنا هذه, كما رافقنا في رحلات أخرى زوعنا فيها افريقيا الطيبة المهيضة من شرقها الحبشي الى غربها الفرانكوفوني نقول كان يصحبنا صديقنا الدائم أبو الطيب المتنبي الذي مازالت مكتبتنا القاهرية تعتز بطبعات ثلاث من ديوانه الحافل العامر لأكثر من محقق بحاثة توفر على شرح الديوان البليغ العتيد, وإن كانت الطبعة الأقرب الى النفس هي تلك التي عنى بنشرها مثقف مصري من أبناء الأزهر الشريف لأنه يحمي اللغة الشريفة وقد عاش في صدر القرن العشرين واسمه الأستاذ (عبدالرحمن البرقوقي) عليه رحمة الله وقد نشر ديوان المتنبي في مجلدين شامخين ولم يترك في الشرح والتفسير والنقد شاردة كما يقولون ولا واردة.. ومن طريف ما تعيه ذاكرتنا عن الأستاذ البرقوقي أنه كان يصدر مجلة قاهرية في العقود الأولى من القرن العشرين تحمل الاسم العزيز (البيان) وكانت مجلة أدبية جامعة كما يقول مؤرخو الصحافة العربية الحديثة, وكان البرقوقي يعتمد لها ميزانية محدودة للغاية إما لضيق ذات اليد أو لضيق ذات التقدير لجهود الكاتبين والمحررين.. حتى لينقل عنه رواة الأجيال التي سبقتنا أن كان يدخل عليه الأديب الكاتب كي يطالب بمستحقاته عن نشر قصيدة أو كتابة مقالة رصّع بها صفحات مجلة (البيان) القاهرية الغراء.. هنالك يهتف به عمنا البرقوقي صاحب (البيان) ورئيس تحريرها قائلا: اذهب إذن الى جارنا (المعلم شعراوي) وخذ منه حسابك ولم يكن السيد (شعراوي) سوى صاحب المطعم الشعبي المجاور لمقر المجلة المحروسة.. وكان البرقوقي يرفع مكافآت الادباء والمحررين على شكل وجبات يتناولونها في المطعم الذي كان يحمل اسم (المسمط) لفرط شعبيته وتواضع أكلاته التي يجيد المعلم شعراوي طبخها ما بين لحمة الرأس الى اللسان الى الكبدة والمقادم (المصطلح المصري هو الكوارع) ناهيك عن صنوف الأحشاء المطبوخة التي يعرفها أهل العراق باسم (الباجه) .. وكان الله يومئذ بالسر عليما.. في آخر سفراتنا الى أمريكا (ومازالت ممتدة حتى كتابة هذه السطور) لم نصحب معنا ديوان أبي الطيب ولا تحقيق عبدالرحمن البرقوقي ولا حتى صحبنا معنا كتب أصدقائنا الدائمين مابين الجاحظ أو العم يحيى حقي ولكن اخترنا هذه المرة أن يرافقنا كتاب (الامتاع والمؤانسة) للتوحيدي أبي حيان وربما كان الحجم الكبير للكتاب هو الذي راع جارتنا في الطائرة أستاذة الجامعة المقيمة في أرياف أمريكا فكان أن أشارت الى الكتاب, لكي تمسك مع جارها الاشيب المشغول طرف حديث.. اذ طرحت السؤال: - أهذا عبري؟ - لا يا سيدتي إنه عربي - قلتها في غضب مكظوم - أهو كتاب في السياسة؟ - بل كتاب في الأدب واللغة والتاريخ وهو كتاب يدخل في باب الكلاسيكيات والموسوعات. - بمعنى أن مؤلفه عاش قبل زماننا بأكثر من قرن أو قرنين وربما ثلاثة.. - هذا المؤلف عاش منذ أكثر من ألف عام. - يارب السموات! (أوه ماي جد) ومازلتم تقرأونه وتفهمون. - لأن لغتنا مازالت تعيش معنا ونتفاهم بها وتخدم كل ما يستجد علينا من أعراض. - مثل العبرية؟ - ( الغيظ يتحول الى غضب) العبرية لغة قديمة عمد أصحابها الى إحيائها لخدمة مشروع سياسي خاص بهم.. لا يتكلم بها سوى بضعة ملايين لايتجاوزون أصبع اليد الواحدة أما العربية فهي لغة ربع مليار أو يزيد من البشر. أبدت السيدة ما يشبه الاعتذار عن هذا الالتباس.. وأفادت بأنها كانت مع تلاميذها في رحلة الى افريقيا مرورا بالقاهرة في اطار مشروع للدراسات البشرية الانثروبولوجية تموله الجامعة التي تعمل فيها ثم أخبرناها أن صاحبنا أبا حيان التوحيدي كان أديبا بين فلاسفتنا بقدر ما كان فيلسوفا بين الأدباء (كما عبر يوما الأستاذ العلامة أحمد أمين) وإن كتابه الذي شغفنا به يحمل اسما بالغ الدلالة بل والحداثة إن شئت إذ يقصد به واضعه الى امتاع قارئه ومؤانسته بمعنى مناجاة القارئ وتوطيد دورة التواصل بين طرفي الابداع مرسل الرسالة ومتلقيها.. وحين أبلغناها أن الرجل عاش رغم عبقريته حياة قاسية من الشظف والنكران والحرمان لدرجة أن أفضى به الأمر الى إحراق كتبه قالت الأستاذة الأمريكية: - ما أجدر بهذه الدراما أن تسجل في عمل سينمائي أو شريط متلفز.. وكدنا نتفق معها لولا أن ما تناهى الينا عن حياة الرجل وسيرته الشخصية عبارة عن شذرات لاتشفي أي غليل. وصلت الرحلة الى مبتغاها ونهضت الأستاذة الجامعية لتلحق بطائرة الخطوط الداخلية الى حيث بلدتها الصغيرة في الغرب الأمريكي الأوسط.. وغادرنا المطار الى ضاحية (مانهاتن) لنبدأ جولة من تجديد التعارف مع صديقنا الذي آنس وحدتنا ولايزال, أبي حيان التوحيدي.. وحديثه بإذن الله موصول.