فرضت الظروف الحالية التي يمر بها العالم, ومنه منطقتنا العربية الإسلامية ضرورة البحث عن مخرج حقيقي لما يمكن تسميته الطريق الضال للتراث العربي والإسلامي الذي يعيش فترة انحسار وتراجع واضح في العديد من الدول الإسلامية, وسبب ذلك بدون شك ، الهجمة الأجنبية التي يحتضنها شباب اليوم باسم المدنية والحضارة والتطور ومواكبة كل ما هو جديد في العالم الغربي. لذلك كان لابد من الاهتمام بحضارة الأجيال السابقة وتجسيد الماضي والحفاظ على الهوية الإسلامية في شتى صورها ومن ذلك العمارة التراثية التي لعبت الدور البارز سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً. ومن أهم هذه الجوانب (المربعة) في منطقة الشارقة التي يقال ان الأمويين هم أول من بناها باعتبارها صورة من صور المآذن في تلك العصور. يقول الدكتور عبدالستار العزاوي خبير الترميم والآثار في الشارقة, كلمة (مربعة) تعني المكان الذي يستخدم للجلوس مثل المجلس المخصص للاجتماعات والمناقشات والتي تكثر في منطقة الخليج, الإيوان (الليوان) في مناطق مختلفة من الدول العربية الآن, حيث جاءت الكلمة من التربيع والتربع, وتطلق كلمة مربعة على منطقة أو مساحة من الأرض أو اليابسة, وهناك العديد من التفسيرات لهذه المعاني منها ما يدونه المؤرخون في اطار سرد الأحداث التاريخية ومن ذلك رواية الطبري (المربعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي) . أما المفهوم المعماري للمربعة فيعني الوحدة المعمارية مهما كان هدفها ولكن غالباً يكون هدفها متعلقاً بالنشاط الاجتماعي والدفاعي العسكري, حيث البناء المرتفع بطابقين مع شرفة وكثرة المزاغل والمسننات (الطرابيش) وعدم وجود الفتحات والشبابيك في طابقها الأرضي كما يطلق نفس الاسم على (الغرفة) منها مثلاً المجالس الخاصة بالشيوخ والمواطنين والتي لا تزال تؤدي دوراً اجتماعياً وثقافياً, ففي الشارقة تتجسد المربعة في أماكن عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر, مربعة الشيوخ, مربعة ابن كامل, مربعة تريم, مربعة حصن الشارقة, مربعة الشامسي. وتعتبر مربعة القصبة ـ بيت الشعر حالياً ـ الواقعة في الجنوب الشرقي من الأمثلة البارزة للمباني الدفاعية. وللمربعة العربية الكثير من الفوائد ومنها: متابعة ومشاهدة المناطق المجاورة وما يحدث فيها إضافة إلى معرفة القادمين للمنطقة ومتابعة نشاطهم وأهدافهم حيث تعتبر منارا في موقعها الاستراتيجي, والدفاع عن المنطقة في مواجهة اي اعتداءات خارجية, كما انها ملتقى اجتماعياً وفي المناسبات الدينية والأعياد بل والتقاء التجار على اختلاف انواعهم لعقد صفقات البيع والشراء, وتخزين السلاح أو المواد الثمينة والمواد الغذائية المهمة تحسباً لأوقات الأزمات والحصار. عناصر معمارية متميزة إن أهم ما يميز المربعة باعتبارها صورة من صور المعمار الاسلامي في العصور القديمة الخواص التالية: * الشكل: مستطيل أي تكون أبعاد جدرانها المتقابلة متساوية غالباً ويحدث الفرق بالمقاسات طولاً وواضحاً في اختلاف أبعاد الأضلاع وشكلها, وتحفر أسس المربعة عمقاً حسب حالة التربة ومكوناتها وتتناسب الحفر والعمق المطلوب لتحمل الثقل والوزن عن الجدران والسقوف أما العرض وسعة الجدران فيجب التوسع فيها واحتساب الارتفاع للمربعة ومقدار الانحدار أو الميلان. وتتصف المربعة غالباً في أسلوب الانحدار لجدرانها الأربعة وهو مبدأ معماري يزيد من قوة الجدران الشاخصة عمودياً. ويلاحظ أن الميل والانحدار في الواجهات الخارجية للجدران والواجهة الممتدة من الأرض حتى نهاية الشرفات المسننة (الطرابيش) من الخارج تتخللها الشبابيك أو فتحة المدخل والمزاغل والكوى. كما يتناسب حجم المربعة حسب الحاجة إذا كانت منفردة وتلائم ظروف المنطقة كذلك المتصلة ينسجم شكلها ومساحتها مع بقية وحدات المبنى كالقصور والحصون. * المدخل: يمتاز مدخل المربعة بفتحاته الضيقة عرضاً والمنخفضة في الارتفاع نسبة للمباني المجاورة أو الملاصقة بها, ويقدم لنا شكل الباب كعنصر دفاعي جميع عناصره وأقسامه تشترك في هدف واحد هو القوة والمتانة. ويكون موقع الباب في وسط ضلع المربعة الطويل وهو الأكثر تواجداً وشيوعاً, وقد يكون ضلعها الصغير وسطاً أو جانبياً. وتكون أبواب مداخل المربعة متشابهة الطراز وشكل الأبواب الخشبية المستخدمة في المباني المجاورة. ولا تظهر زخارف كثيرة أو متنوعة على الأبواب, انما تمتاز بالبساطة والقوة وان وجدت نقوش تكون مطابقة لابواب الوحدات الملاصقة وتكون عادة ذات مصراعين. * الشبابيك: توجد في الطابق الأرضي للمربعة ويغلب عليها شكل المستطيل, كما يلاحظ وجود المزاغل الدائرية (المرامي) في جدار الستارة العليا فوق السطوح المطلة على الخارج. وتستخدم الشبابيك في جوانب جدران المربعة وتطل على الخارج نحو الساحة أمام المربعة, وتظهر الشبابيك المستطيلة أو المربعة في الجدران الجانبية للطابق الأول. * الكوى: تتخلل جدران المربعة في أقسامها العلوية فتحات (كوى) يتناسب عددها وحجمها مع سعة المربعة وسمك جدرانها ومواردها الانشائية (تسمى في اللهجة المحلية الاماراتية: الشرقة مصباح ـ مصابيح) لتفردها بخاصية ادخال الضوء, وتأخذ أشكالاً هي: الدائري ـ المستطيل ـ المربع. وتبنى خلال عملية تشييد جدران المربعة ويخطط لها مسبقاً ويكون موقعها غالباً تحت السقف بمسافة بين 20 ـ 30 سم وتعلو جزءها العلوي مساند خشبية لتزيد من قوتها. ومن فوائدها دخول الضوء وتبديل الهواء وخروج الدخان في موسم الشتاء خلال استخدام النار, كما أن وجود القضبان أو الأخشاب يمنع دخول الطيور أو يقلل من فراغ الفتحة. كما تحافظ الكوى على درجات الحرارة للمربعة وبسبب صغر فتحتها فانها لا تساعد على تبديل الهواء حسب تقلبات الطقس, وارتفاعها يساعد في طرد الهواء الحار ودخول التيارات الباردة من الأسفل عند الباب. السلالم والطوابق * السلالم: من العناصر المعمارية الهامة عند بناء المربعات وتندمج بالأساليب الدفاعية التي تزيد من قوة ومقاومة المربعة ضد العدو والمهاجم, وهناك السلالم الخارجية التي توجد في المربعة ذات الطابقين وغالباً ما تكون متلاحمة ومتصلة بوحدات سكنية أخرى ضمن بناء القصور والحصون والقلاع. كما هناك السلالم الداخلية التي تستخدم للانتقال بين طوابق المربعة ومنها الثابت, المتحرك, والعمودي. * الطوابق: تتألف المربعة غالباً من 2 ـ 3 طوابق اضافة الى المظلة العليا, الطابق العلوي ويضم المدخل في أحد الأضلاع, والجدران صماء مغلقة في المربعة المنفصلة وتخترق جدرانها من الأعلى كوى (قمرية). ويمتاز الطابق الأول بوجود الشبابيك مختلفة الأحجام في جدران الطابق فإذا كانت منفردة تخترق الشبابيك اضلاعها الأربعة للاطلاع لجميع الجهات اما المربعة المتصلة مع المباني والوحدات الأخرى فتوجد شبابيكها في الضلع الطليق وخاصة المواجه للساحة الخارجية أو الفناء الداخلي. * المزاغل: وجودها يدل على استخدام المربعة كمركز دفاعي, وهي أنواع: المزاغل العمودية ويكون مستطيل الشكل من الداخل في واجهة الجدار كذلك من الخارج بالشكل أو زيادة بمساحته وموقعه في الجدار على ارتفاع بين 40 ـ 60 سم عن مستوى أرضية الطابق. ويوجد ايضا المزاغل الأفقية للرمي والاطلاع فمنها ما تكون مع مستوى الأرضية للطابق الأول أو تخترق سقف الطابق الأول والثاني وغالباً ما تكون في منطقة فوق المدخل. ويتم بناء المزاغل الأفقية مع الجدران ويعقد غالباً بالمواد الأولية نفسها ويتراوح طولها بين 60 ـ 80 سم وسعتها 5 ـ 7 سم وتكون فتحتها العليا أضيق من السفلى لاتساع مدى الاطلاع ومساحة اصابة الهدف. وتتواجد في الطوابق العليا عند بداية سقف الطابق الاول أو الثاني. أما المزاغل الدائرية فتتخلل واجهات جدران المربعة وتظهر واضحاً في الطابق الأول والثاني والستارة العليا, ويكثر تواجدها في الطوابق العليا ولكن تظهر كذلك في المربعات ذات الطابق الأرضي فقط والتي تستخدم لاهداف أخرى كالاطلاع والتهوية ومرور الرياح من مختلف الجوانب, ويتم بناؤها بأسلوب الانحدار من الأعلى إلى الأسفل أي من الداخل إلى الخارج ويعتمد مقاس الطول للمزغل حسب الحجم وشدة الميلان, كما يختلف قطر فتحة المزغل الدائري بين 10 ـ 12 سم من الداخل وبين 12 ـ 15 سم من الخارج. وأخيراً توجد المزاغل المثلية في فتحات جدران المربعة ذات شكل مثلث قاعدته للأسفل أو الأعلى وهو نوع يمكن دمجه من الكوى لاستخدامه للاطلاع وتبديل الهواء ودخول الأشعة الشمسية, وتظهر هذه الأنواع في بعض مربعات منطقة الخليج خاصة في الإمارات. أما الأنف فيقع في واجهة المربعة فوق المداخل ويستخدم كعنصر دفاعي وتختلف مقاساته في واجهات جدران المربعة رغم اختلاف موادها الانشائية في البناء فان شكلها العام واحد من حيث ان الفتحة السفلى تقابل الهدف المطلوب أي المحافظة والدفاع عن فتحات المربعة السفلى كالأبواب والشبابيك. * الحنايا والتجاويف: وتوجد في الواجهات الداخلية لجدران المربعة وفي طوابقها المختلفة, وتتلخص فوائدها في وضع الحاجيات الخاصة بالحرس داخلها, ووضع المصابيح, وتخزين بعض معدات الدفاع سهلة الحمل, وتخزين المواد الغذائية, ووضع أقسام الملابس لاستخدامها حسب الطقس. * الطرابيش: وهي العناصر مختلفة الأنواع والأشكال والتي تكون في قمة المربعة وأقسامها العليا والشرفات تحيط رأس بناء المربعة من جميع الجهات, ومنها شرفات ذات الظلة, وشرفات ذات غرفة في الزاوية, وشرفات ذات ستارة خالية من المسننات. * الأوتاد أو العلاقة والمرفع (الأثاث): وهي من العناصر التي تلاحظ في بناء وجود أوتاد خشبية بالداخل وهي عبارة عن أعواد من الخشب توضع خلال بناء جدران المربعة من الداخل وتبرز مسافة 60 ـ 80 سم وارتفاعها بين 1.20 ـ 1.50م, وستفيد منها الحرس بتعليق الأسلحة والملابس. * الدكة أو المسطبة الخارجية: وتبنى بالمواد الأولية التي اشتركت في بناء المربعة وحسب التخطيط المسبق بحيث يتداخل مع أسس الجدران ومع قواعدها وهو ما يساعد معمارياً في زيادة قوة وصلابة الجدران ومقاومتها ضد الهجمات الخارجية. * الطلاء والأرضيات: وهي طريقة تغطية الواجهات الخارجية والداخلية للجدران بواسطة المادة الرابطة كالجص أو الطين ويطلق عليه التغليف, الكساء, التبطين, التلبيس, الدهان. وقد يصبح الطلاء بالجص مجالاً لعمل بعض الزخارف البسيطة في بعض أقسام المربعات, المجالس أو المضايف التي بنيت ضمن الحصون والقصور والقلاع. وأخيراً لابد من ذكر احدى المربعات الشهيرة وتسمى (قلعة حلب) المسورة في سوريا وتقع على تلة عالية صناعية رفعها العمال تشرف على المناطق حولها, وقد بنيت 1209م ويصل ما بين حصنها الأمامي وبين مدينة حلب سرداب تحت الأرض, وقد أعيد بناؤها عام 1258م بعد أن دمرها المغول ثم أجريت إصلاحات فيها عام 1292م بعد ان قوضها تيمورلنك.