بعد ان تبينت ملامح العولمة... بدءاً بالعولمة الاقتصادية وتجارة الاطفال والنساء, اصبحنا مهددين اليوم بما يعرف بالعولمة الثقافية والتنازل عن جزء هام من خصوصيتنا وفي اعقاب انتشار مقولات مثل هذه لقد وصلنا الآن إلى عصر لا يعترف (بهوية الفن) وبعد الدعوة إلى القضاء على الحدود الثقافية, هل تستطيع دول مثل مصر واليونان اقامة الدعاوي القضائية للمطالبة بآثارهما المنهوبة المعروضة في اماكن متفرقة من العالم؟ انه سؤال تثيره الاوساط السياسية العالمية. فعلى السنة أشهر سياسيي العصر مثلاً تأتي هذه العبارات المحملة بالاتهام والسخرية (ان المتحف البريطاني مطالب باستبدال هذه النسخ بنسخ مطابقة) هذا ما قاله (ريدكن) السياسي البريطاني بعد مشاهدته (لمرمريات إلجن) . اما الامير تشارلز فقد عبر امام صديقه اليوناني الملك قسطنطين عن اسفه الشديد لما يحدث لهذه التحف الفنية النادرة وأيد في الوقت ذاته فكرة عودتها إلى بلادها الاصلية اليونان. وما بين المتحف البريطاني و(الاكروبولوس) أو قلعة اثينا تحولت (مرمريات إلجن) إلى ممتلكات عامة تؤجج جذوة الصراع القومي وتحيله إلى صراع سياسي ثقافي رغم ان تاريخ هذه الاثار يعود إلى عام 1801. وبالعودة إلى الوراء يتبين لنا ان اتفاقيتي اليونسكو الصادرة سنة 1970 والخاصة بالتدابير اللازمة لفرض حظر على استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. واتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص الصادر سنة 1995 والخاصة بالمطالبة الدولية باعادة الاثار المسروقة أو المستوردة بطرق غير مشروعة... كل هذه الاتفاقيات لا تحقق أي منها طموح دولة مثل اليونان او غيرها من دول اسيا والشرق الأوسط التي تعرضت ممتلكاتها الثقافية إلى النهب. صراع يوناني بريطاني واذا كان الصراع اليوناني البريطاني حول ملكية هذه الاثار الموجودة في المملكة المتحدة لم يحسم بعد فان المسألة تبدو أكثر اثارة للفضول لدى الشعور بأن أحداً قد تسبب في فقدان تماثيل الآلهة اليونانية لمكانتها الاسطورية التاريخية والروحية كما يزعم اليونانيون ففي عام 1816 لم يتمالك الكثيرون انفسهم وعلى رأسهم الشعراء البريطانيون فأخذوا يعبرون عن مشاعر الدهشة والالم التي اثارتها رؤيتهم المرمريات معروضة للمرة الأولى في المتحف البريطاني. ومن هؤلاء, الشاعر الانجليزي (كيتس) الذي يأتي ذكر اسمه مصحوباً باسم قصيدته الشهيرة عند رؤية مرمريات إلجن (وهي قصيدة تحمل الكثير من مشاعر الألم الذي احس به اثناء مشاهدة الافاريز التي زينت (الباشينون) أو هيكل الآلهة اثينا اليونانية وكان مما قاله بعفوية. ان هذه التماثيل تصيب الانسان بالتشوش الذهني (القوي) وهي من المفارقات التي لم يكن أي احد حتى (توماس برس) حاكم مقاطعة إلجن البريطانية السابع ليتوقع لها ان تفقد بريقها بعد مضي 199 عاماً من ملكيته لهذه التماثيل التي يقال بأنه قد حصل عليها خلال فترة عمله سفيراً للمملكة المتحدة لدى الامبراطورية العثمانية التي كانت تضم في ذلك الوقت بلاد اليونان, الذين مازالوا يؤكدون على انهم استولوا عليها بطريقة غير مشروعة في الوقت الذي تنفي فيه الحكومة البريطانية بشدة مثل هذه الروايات. وكانت أحداث كثيرة وغيرها قد تسببت في احتدام النقاش ليحيد عن مساره الحضاري بين اطراف متصارعة كان آخرها خلال انعقاد الندوة الاكاديمية للآثار في لندن التي حضرها العديد من العلماء والمهتمين لشئون صيانة الآثار والبيئة اضافة إلى العديد من الشخصيات السياسية. تشويه الحضارة وتركز الجدل فيها حول مصير 17 تمثالاً و56 قطعة من الرسومات الضخمة التي يعود تاريخها إلى حوالي 2500 عام, ترغب الحكومة اليونانية في استعادتها قبل افتتاح دورة الألعاب الاولمبية المزمع اقامتها في اليونان سنة 2004. ومن جملة الاتهامات الاخرى التي وجهتها اثينا إلى المتحف البريطاني كان الاتهام بتشويه الوجه الحضاري الحقيقي لمقتنياتها الاثرية, كما جاء على لسان وزيرة الثقافة (اليازافث بابازوي) إلى جانب العديد من الادلة التي اوردها الاكاديميون المتخصصون في قضايا الاثار وهي أدلة تدين في جملتها اساليب صيانة التماثيل التي اعتمدت على استخدام وسائل وتقنيات اضرت بالاسطح الخارجية للتماثيل المرمرية اضافة إلى ما تسببت فيه اعمال الترميم مما يدل على تهور واهمال المسئولين البريطانيين الامر الذي نتجت عنه اضرار بالغة تقدر بنحو 80%. و حتى يتم عقد المؤتمر الثاني لمناقشة قضية الاثار اليونانية البريطانية في العاصمة اثينا كما دعا إلى ذلك بعض المسئولين, فان شخصيات اخرى بعد وزير الثقافة اليوناني السابق مثل الرئيس الامريكي (بل كلينتون) وهو مما يثير الدهشة! قد عبروا أيضاً عن اسفهم الشديد تجاه ما تعاني منه الاثار اليونانية الشهيرة كالتشويه وافساد الطابع الروحي التاريخي الهام الذي تميزت به اماكن مثل قلعة اثينا التي زارها هو وعقيلته اثناء رحلته الاخيرة لليونان. ولم يكن الرئيس الأمريكي هو وحده الذي ابدى ملاحظة غريبة من هذا النوع. ففي بريطانيا اكد (مايكل فابريكنت) عضو البرلمان عن استعداده لبدء حملة سياسية للمطالبة بإعادة الاثار البريطانية التي حصلت عليها الولايات المتحدة من بريطانيا عن طريق التهريب أو التجارة غير الشرعية.