في المغرب تتحول الصناعات التقليدية الى منجزات تشكل صوراً من صور الابداع الحرفي ولان المغرب يتمتع باختلاف ثقافي خصب يتجلى في كل ابداعاته الفنية والتقليدية, فقد عرف الصانع المغربي كيف يوظف تلك المعطيات خلال حقب طويلة, كعوامل تجديد وديناميكية, اذ يعتبر المغرب كمتحف للمهن ويتجلى ذلك من خلال بعض الحرف الباقية التي تعد بحق رصيده الثقافي والفني الذي يحتفظ بقيمته وأصالته. ففي عهد الملوك الادارسة تطورت عدة قطاعات, ولعبت فاس دور الوسيط في (طريق الذهب) الذي كان يربط المغرب بافريقيا, وفي عهد المرابطين برز فن المعمار, فبرع الصناع المغاربة في تشييد وتزيين المساجد والقصور, كما ظهر فيها تأثير الصناعة الاسلامية المستوردة من الأندلس. ونفس الشيء يذكر بالنسبة لعهد الموحدين والمدنيين والسعديين, وفي عهد العلويين أصبحت الصناعة التقليدية تشكل النشاط الرئيسي في المدن المغربية, حيث انتظمت وأصبحت يرأسها (الأمين) ويراقبها (المحتسب) فاذا انطلقنا من القرن التاسع عشر, فسنجد ان القطاع الحرفي قد شكل مكونا مركزيا للاقتصاد, وما تقديمه بعض المنتوجات المغربية على شكل هدايا الى رؤساء الدول الاوروبية من طرف السلطان مولاي الحسن الأول, لشكره لهم على تهانيهم بمناسبة توليه العرش الا تأكيد على جودة وأصالة الصناعة التقليدية المغربية آنذاك. انتعاش اقتصادي هذا القطاع الانتاجي يشغل حوالي مليون ونصف مليون صانع مغربي ويعيش منه خمس السكان المغاربة, اذ يساهم في انعاش قطاعات أخرى كالسياحة والثقافة مثلا. لا يخلو اي بيت من البيوت المغربية, ومهما تفاوتت مستوياتها الاجتماعية, من منتوجات الصناعة التقليدية, وقد تجد بمحاذاة هذه الاخيرة مكونات عصرية, مما يضفي على البيت طابعا مشتركا بين الاصالة والمعاصرة. ونفس الشيء يقال عن المدن المغربية, وخصوصا المدن العتيقة كمراكش وفاس والرباط ومكناس, من أحياء للصناعة التقليدية, بمختلف أنواعها وأنشطتها. وظلت مدينة فاس, إحدى أهم المراكز التي تعرف تنوعا في أنشطة الصناعة التقليدية, حيث يفوق عدد الحرف التي تحتضنها أكثر من خمسين حرفة, تلبي رغبات السكان في كافة مستلزمات الحياة, من أثواب وألبسة, وأدوات منزلية, وحلي, ويشتغل في هذا القطاع ما يزيد على اربعين ألف صانع تقليدي. هؤلاء الصناع يعملون في إطار وحدات صغيرة تضم كل واحدة منها, رب العمل ويطلق عليه اسم (المعلم) وبعض الأعوان الذين يساعدوه ويلقبون بـ (المتعلمين) ولا يزيد عددهم في غالب الاحيان على خمسة أفراد يتكدسون بأجسادهم داخل دكان (حانوت) ضيق ينتجون بضائعهم في هذا الفضاء, في جو يسوده الصمت احيانا الا من حركات الايادي الخشنة وهي تتفنن بإتقان في نقش قطعة خشبية, أو تصميم آنية نحاسية.. لتأخذ مسامعك مواويل أندلسية, تتمايل عليها الرؤوس يمنة ويسرة... وأهم الصناعات التقليدية بالمغرب, صناعة الخشب حيث تشكل قطاعا غنيا ومتنوعا بتنوع مناطق الانتاج, وهي لا تنفصل عن فن العمارة من حيث صنع الأبواب والنوافذ والسقوف والمساجد والقصور وفي الوقت نفسه تدخل ضمن التأثيث الداخلي لهذه البيوت, اما الخشب المرصع يعد من الصناعات المتميزة بالفنية والدقة في الانجاز, ويعتمد في صبغ الخشب على خشب شجر العرعار, حيث تطعم المنتوجات المحورة منه بقطع من خشب البرتقال او شجر الابنوس, وأحيانا يتم الترصيع بأصداف بحرية او عظمية وأسلاك معدنية. الحديد الدمشقي اما المصنوعات المعدنية, تمتاز بوجود صنف خاص في هذه الصناعة يعرف بالحديد الدمشقي الذي تشتهر به مدينة مكناس, وتنسب هذه الصناعة الى سوريا حيث دخلت الى المغرب عن طريق اسبانيا, وقوام هذه الصناعة تطعيم الحديد بمواد اخرى مثل الذهب والفضة في انتاج بعض المنتوجات مثل المزهريات بأحجامها المختلفة والصحون والاطباق والصناديق.. اما المصنوعات النحاسية تتجلى بصورة اجمل على الخصوص من الادوات المنزلية والتأثيث كما تدخل في الثريات والفوانيس, وتشتهر مدينة مراكش بالصناعة الجلدية والدباغة لمهارة صناعها وهنا نشير الى صناعة المصنوعات الجلدية من ملابس واحذية تتوقف بالاساس على حرفة الدباغة, هذه الاخيرة التي تعتبر عملية النشاط الأولى لتأتي بعد ذلك عملية تحويل الجلد الى أشكال وأصناف متنوعة من المنتوجات الجلدية. ويتميز قطاع البناء والخزف بجمال قل نظيره منذ قرون, وتشهد على ذلك التحف الفنية المنجزة.. ويتمثل ذلك في الزخارف المختلفة التي تزخرف البنايات والقصور وكذا أنواع القرميد المستعمل, والزليج المزخرف, والجبص المصقول او المزخرف على نمط أندلسي في سقوف البيوت المغربية, وكذا الزجاج الملون المستعمل في تزيين وتجميل الابواب والنوافذ. اما الخزف فتشتهر به مدينة آسفي الساحلية, حيث تشكل منه تحف رائعة تدخل في اطار تزيين البيوت, والفنادق اما عن صناعة (الدرازة) او الملابس التقليدية, فقد تلازمت فيما بينها وكونت لحقبة طويلة نشاطا اقتصاديا متكاملا, ارتبط بعيش سكان المغرب ونمط عيشهم, حيث شكلت على الدوام المورد الرئيسي لتلبية حاجياتهم من الكساء والغطاء. كما ساهمت في اشعاع حضارة المغرب بالخارج. ومن خلال المنظور الاقتصادي والاجتماعي تأكد بالواضح ان المغرب لا يمكن ان يستغنى عن الانتاج التقليدي, ولن يجد له بديلا, بحيث ان الرهان على الصناعة العصرية المتطور مستحيل في الوقت الحالي ذلك انه توجد دول عديدة اكثر تطورا وتفوقا منا في انتاج الصناعة العصرية, غير ان المغرب يمكن ان يراهن بصناعته التقليدية فيكسب الرهان بهذا التراث الذي هو منا ونحن اليه.