كيف تكون الموسيقى عقاراً قاتلاً؟سؤال يفرض نفسه بقدر ما يحمل من الرفض وعدم القبول به كمسلمة, وان لامس الواقع من خلال بعض النماذج والشخصيات المأزومة ليس بالضرورة بحكم انتمائها إلى عالم الموسيقى, اقول المأزومة (اجتماعياً)، دون الانتقاص من قدراتها الابداعية أو المساس بما قدمته من عطاءات, سواء اتفقنا مع منهجية هذا النتاج ام لم نتفق فانها تبقى نقاطاً بارزة, وشكلت اكثر من ظاهرة في حركة الابداع الموسيقي العالمي. فمسألة القلق الوجودي التي تفرض نفسها منذ تشكل حالة الوعي الانساني في مواجهة الوجود ذاته من جهة, أو في مواجهة الذات بمكوناتها المتعددة, ولعل في مقدمة المواجهة مسألة الحياة والموت والتعامل معها كمعادلة تفترض التوازن الذي يمثل حلاً لهذه المعضلة, ومن خلال تتبعنا لهذه المسألة نقف على أساليب ومواقف تتفاوت في حدتها, وتتناقض في طروحاتها, وتتعدد في اشكالها, وذلك تبعاً لاختلاف الرؤية للموت ذاته أو لتباين ردود الافعال تجاهه والمحكومة بمستوى الوعي من جهة والقدرة على المواجهة من جهة اخرى. ولكن مالا نستطيع تجاهله هو ان المبدعين هم اكثر حساسية لهذه المسألة, وربما الاشجع في اتخاذ قرارات حاسمة بالمواجهة, والتعامل مع هذه المعضلة المستديمة ليس من خلال الموت بل من خلال الاصرار على الحياة حتى آخر رمق, والاصرار على الابداع والعطاء رغم ادراكهم بأن المعادلة ليست في صالحهم وانهم آيلون إلى الموت في النهاية فطرحوا مبدأ البقاء من خلال الاثر, وكان لهم ذلك, فكيف يمكن ان نقبل وان ندعوا الاخرين لقبوله ان (كيرت كوبين) مبدع توحد مع الذات حتى الفناء بفعل الموسيقى, بينما الحقيقة تقول ان الموسيقى هي الفعل الايجابي في حياته عاش لحظاتها مبدعاً أما جوانب حياته الاخرى خارج هذا الاطار فكانت محاصرة بالموت, تفكك اسري انعكس عليه سلباً فجعله انطوائياً, سوداوياً, مكتئباً, محباً للعزلة ثم زواج فاشل, واستسلام للكحول والمخدرات كل ذلك امام هذه الشخصية المأزومة كان كافياً لان يدخلها نفق الفناء. الفيس بريسلي والذي لم يكن احسن حالاً اذ عاش الفقر الشديد في نشأته الاولى فحمل بذلك الخوف والخجل والانطواء ثم فقده والدته التي كانت تمثل له الملاذ الآمن ثم فقده لاخيه التوأم ثم انهيار زواجه فادمانه المهدئات. وداليدا التي كانت محاصرة بظروف مشابهة فكيف يمكن ان نرجع تلك النهايات المأساوية إلى حالات ابداع وإلى الموسيقى بالذات. العجز عن المواجهة لقد كانت هذه النهايات عجزاً واضحاً في مواجهة واقع مأزوم بل مثلت هروباً منه, ولم تكن تمثل تجسيداً لفكرة ابداعية أو فلسفية كالتي دفعت بالكاتب الياباني (يوكوميشيما) إلى الانتحار على الطريقة اليابانية متمثلاً افكاراً فلسفية يدركها تماماً وطرحها من خلال رواياته, أو كانتحار (خليل حاوي) في مواجهة واقع قومي ووطني مهزوم فأراد ان يكون صرخة مدوية تصل الآذان الصماء من خلال موته. وفي مجال الموسيقى هناك اسماء حوصرت نفسياً وصحياً ومادياً وبعضهم كان يدرك نهايته المحتومة ولكنه آثر الوقوف حتى آخر لحظة ومنهم من ألمت به عاهة ما فلم يستلم, بل قاوم العجز حتى آخر لحظة وكان لهم الفوز بالخلود, نستعرض منهم: فولفجانج موتسارت (1756 ـ 1791) هذا الموسيقى) الخالد, الذي اذهل اهل عصره, ولقبوه بالمعجزة وان كانت حياته قصيرة, لم تمتد لاكثر من خمسة وثلاثين عاماً ولكنها كانت حافلة بالعطاءات الخالدة... قاسى الفقر والعوز في آخر حياته وتسلل المرض إلى جسده ولكنه بقى مصراً على التأليف والابداع حتى في لحظات ضعفه. كان يدرك انه سيموت اذا لم يستطع ان يوقف الوهن الذي اخذ يكتسح جسده ومفاصله رغم احساسه بدنو اجله كان يكتب ويبدع وقد اسر بذلك إلى احد اصدقائه اذ كان يكتب لحناً جنائزياً (ريكويم) لاحد كبار القوم فقال بأنه يعلم انه يكتب هذا اللحن لجنازته هو وهكذا مضى ولم يفكر ان يضع حداً لحياته بل ظل مضيئاً حتى آخر نبضة في جسده. جيوزيبه فيردي (1813 ـ 1901) الموسيقي الايطالي مبدع اوبرا عايدة ـ وعطيل ـ وقوة القدر وفالستاف وعشرات الأعمال الخالدة. هذا العملاق الذي حاصره القدر اكثر من مرة ولكن لم يقهره, اذ فجعه بموت زوجته ثم طفليه, ثم احتراق بيته بالكامل... كل ذلك كان يدفعه للانقطاع فترة للتأمل, ثم العودة بقوة وتحد إلى التأليف والابداع. ومن منا لا يذكر العظيم لودفيج فان بيتهوفن (1770 ـ 1827) واعماله السمفونية الخالدة مثل: ايرويكا ـ البطولة ـ الباستورال ـ الرعوية ـ والكورال. وافتتاحيات ايجمونت وكوريو لانوس... بيتهوفن الذي عانى الفقر والقسوة في اسرته, التي فتح عينه فيها على أب (سكير وام معذبة, عامله ابوه بقسوة كبيرة كي يتعلم الموسيقى, هذه المعاملة تركت اثرها على بيتهوفن طوال حياته اذ شب شارداً, محباً للعزلة وهو في أول حياته حيث اصبح اصماً تماماً مع سن الثلاثين ورغم ذلك بقي شامخاً وكتب اعظم اعماله وهو محروم من سماعها.. وكذلك بيتر تشايكوفسكي مؤلف كسارة البندق. وبحيرة البجع, والجمال النائم وعشرات الأعمال غيرها كان سوداوياً ومصاباً بالصرع. وجورج هاندل: الذي اصيب بفقد بصره كلية, ولكن ذلك لم يؤثر على نشاطه وابداعه. مبدعون عرب ونتذكر من مبدعينا واحبتنا الموسيقار فريد الاطرش حيث دهم المرض قلبه, وكان يعلم علم اليقين بأن الاطباء قد ابدوا اسفهم واعربوا عن يأسهم من بقائه حياً اذ تنبأوا بموته خلال مدة قصيرة حين كان في رحلة للعلاج في لندن, ومازلت اذكر قوله في احدى مقابلاته بعد ذلك اذ قال: (كانوا ينتظرون موتي, ولكن يقدرون فيسخر القدر) . وعاش بعد الزمن الذي حددوه عشرات السنين وهو يبدع ويعطي ولم يثنه المرض عن اكمال رسالته. الفنان العندليب الاسمر عبدالحليم حافظ والذي لا تقل معاناته عنهم اذ اصيب في سن مبكرة بالبلهارسيا وتطورت معه واثرت على الدم والقلب لتأخذه في رحلة عذاب متلازمة معه حتى آخر لحظة, ولكنه ظل قوياً شامخاً بعطائه الذي اسعد ومازال يسعد وسيبقى. ولو حاولنا ان نتذكر اكثر لوقفنا على عشرات الموسيقيين والمبدعين, والذين حاصرتهم الظروف القاسية, والحياة القاتلة دون ان يدفعهم ذلك إلى التفكير بالموت, بل كانوا يتجاهلونه رغم يقينهم باقترابه منهم, وكانت الموسيقى والابداع هي اكسير الحياة الذي يبقيهم في الموقع الاقوى من المعادلة, دون ان يرفعوا راية الهزيمة والاستسلام, بل اشهروا طاقاتهم الخلاقة لتفرز ابداعاً خالداً عصياً على الزوال.